فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الرسالة والرسول في السنة الشريفة
لماذا بعث الله الأنبياء؟
لماذا بعث الله الأنبياء؟ هذا السؤال يطرحه غرور الانسان على طول التاريخ، ناسياً حاجته الملحة لمن يبشره بالطريق الأقوم في الحياة، وينذره من سلوك الدرب الأعوج. فقد سُئل الإمام الصادق عليه السلام: لأي شيء بعث الله الأنبياء والرسل الى الناس؟ فقال الإمام عليه السلام: "لئلا يكون للناس على الله حجة من بعد الرسل، ولئلا يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ولتكون حجة الله عليهم. ألا تسمع الله عز وجل يقول حكاية عن خزنـة جهنم واحتجاجهم على أهل النار بالأنبياء والرسل: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ(. (28)
وفي نفس السياق قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "فبعث الله محمداً صلى الله عليه وآله بالحق، ليخرج عباده من عبادة الأوثان الى عبادته، ومن طاعة الشيطان الى طاعته، بقُرآن قد بيّنه وأحكمه، ليعلم العباد ربَّهم إذ جهلوه، وليقرُّوا به بعد إذ جحدوه، وليثبّتوه بعد إذ أنكروه. فتجلَّى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه بما أراهم من قدرته، وخوّفهم من سطوته، وكيف محق من محق بالمثلاث، واحتصد من احتصد بالنقمات". (29)
كيف نثبّت الرسل؟
وروي عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق الذي أتى الإمام الصادق عليه السلام، فقال: من أين أثبتَّ أنبياءً ورسلاً؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: إنّا لمّا أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع مـا خلـق، وكان ذلك الصانع حكيماً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه، ويحاجّهم ويحاجّوه، فثبت أنّ لـه سفراء في خلقـه يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم. فثبت الآمرون والنّاهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أنّه لـه معبّرين، وهم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم في الخلق والتركيب، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهيـن والشواهد من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فلا تخلـو أرض الله من حجّة يكون معه علمٌ يدلّ على صدق مقـال الرسول ووجوب عدالته". (30)
حجة ظاهرة
ويزعم البعض أنه تكفينا عقولنا، فهي حجة الله علينا، ولا حاجة لنا بالرسل والأنبياء، غافلين عن أن عقول الناس هي حجج باطنة تدس تحت ركام الجهل والغفلة والعصبية فتحتاج الى من يعضدها من الخارج وهم الرسل. قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "بعث الله رسله بما خصهم به من وحيه، وجعلهم حجة له على خلقه، لئلا تجب الحجة لهم بترك الإعذار إليهم، فدعاهم بلسان الصدق الى سبيل الحق". (31)
وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام: "إن لله على الناس حجتين؛ حجة ظاهرة، وحجة باطنة. فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول". (32)
استجيبوا لأنبياء الله
ولا يكفي مجرد الإيمان القلبي بالرسل والاعتراف بهم، بل ينبغي أن يكتمل ذلك بالعمل وفق مناهجهم والاستجابة لدعواتهم عملياً. يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "استجيبوا لأنبياء الله، وسلموا لأمرهم، واعملوا بطاعتهم، تدخلوا في شفاعتهم". (33)
ويقول الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم: "يا هشام؛ ما بعث الله أنبياءه ورسلـه الى عباده إلاّ ليعقلوا عن الله، فأحسنهم إستجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً، وأعقلهم أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة". (34)
نهج الأنبيـاء
وقد بيّن الإمام الأمير المؤمنين عليه السلام حكمة بعثـة الرسل في كلمات بليغة أشار فيها إلى:
أولاً: إن الله سبحانه قد أخذ من الأنبياء ميثاق الطاعة، فهم يختلفون عن سائر الخلق في الاستقامة على الطريق والاعتصام بالله عن الزلاّت.
ثانياً: لأن أكثر الناس بدّلوا عهد الله اليهم بطاعته وأصبحوا من نصيب الشيطان، كان بعث الأنبياء ضرورياً لهدايتهم.
ثالثـاً: لأن الله سبحانه قد أودع في فطرة البشر توحيده وأخذ ميثاقهم عليه (في عالم الذر) فبعث الأنبياء ليطالبهم باداء ذلك الميثاق.
رابعاً: ولأنه أنعم عليهم بمعرفته ولكنهم نسوه، فبعث الأنبياء ليذكروهم بتلك النعمة المنسية.
خامساً: لأن الله سبحانه يجازي الناس على كفرهم فارسل الأنبياء ليتموا الحجة عليهم.
سادساً: لأن عقول الناس قد دست في ركام الجهالات، أرسل الله الأنبياء عليهم السلام ليثيروا للناس ما دُفِنَ من عقولهم فيعرفـوا الحق والباطل والوسيلة الى ذلك. إن الرسل يقومون باراءة الناس آيات ربّهم في الافاق.
إذاً دعنا نتأمل في كلمات الإمام بدقة، يقول عليه السلام:
"واصطفى سبحانه من ولده (ولد آدم) أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لمَّا بدَّل أكثر خلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقّه، واتخذوا الأنداد معه، واجتالتهم(35) الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويُذكِّروهم منسيَّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة؛ من سقفٍ فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تُحييهم، وآجالٍ تُفنيهم، وأوصابٍ(36) تُهرمهم، وأحداثٍ تتابع عليهم؛ ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبيٍّ مرسلٍ، أو كتابٍ منـزلٍ، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة؛ رسلٌ لا تُقصِّر بهم قلَّة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم؛ من سابق سُمّي له من بعده، أو غابرٍ عرَّفه من قبله. على ذلك نسلتِ القرونُ، ومضتِ الدهورُ، وسلفتِ الآباء، وخلفتِ الأبناءُ.
إلى أن بعث الله سبحانه محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لإنجاز عدته، وإتمام نبوّته، مأخوذاً على النبيين ميثاقه، مشهورةً سماتُهُ، كريماً ميلاده، وأهل الأرض يومئذ مللٌ متفرّقةٌ، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتتة، بين مشبّه لله بخلقه، أو ملحدٍ في اسمه، أو مشيرٍ الى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة. ثم اختار سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلّم لقاءه، ورضي له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقام البلوى، فقبضه إليه كريماً صلى الله عليه وآله، وخلَّف فيكم ما خلَّفتِ الأنبياء في أممها، إذ لم يتركوهم هملاً، بغير طريق واضحٍ، ولا علم قائمْ". (37)
لنعظّم الأنبياء جميعاً
قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام:
"إن الله عزّ وجل مكّن أنبياءه من خزائن لطفه وكرمه ورحمته، وعلّمهم من مخزون علمه، وأفردهم من جميع الخلائق لنفسه، فلا يشبه أخلاقهم وأحوالهم أحد من الخلائق أجمعين، إذ جعلهم وسائل سائر الخلق إليه، وجعل حبّهم وطاعتهم سبب رضاه،و خلافهم وإنكارهم سبب سخطه، وأمر كلّ قوم باتّباع ملّـة رسولهم، ثمّ أبى أن يقبل طاعة أحد إلاّ بطاعتهم ومعرفة حقّهم وحرمتهم ووقارهم وتعظيمهم وجاههم عند الله؛ فَعَظِّمْ جميع أنبياء الله ولا تنـزلهم بمنـزلة أحد من دونهم، ولا تتصرّف بعقلك في مقاماتهم وأحوالهم وأخلاقهم إلاّ ببيان محكم من عند الله وإجماع أهل البصائر بدلائل تتحقّق بها فضائلهم ومراتبهم، وأنّى بالوصول الى حقيقة ما لهم عند الله؟ وإن قابلت أقوالهم وأفعالهم بمن دونهم من الناس أجمعين فقد أسأت صحبتهم، وأنكرت معرفتهم، وجهلت خصوصيّتهم بالله، وسقطت عن درجة حقيقة الإيمان والمعرفة. فإيّاك ثمّ إيّاك". (38)
خاتم الأنبيـاء
قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
"فاستودعهم (أي الأنبياء) في أفضل مستودع، وأقرَّهم في خير مستقر، تناسختهم(39) كرائم الأصلاب الى مطهرات الأرحام؛ كلّما مضى منهم سلفٌ قام منهم بدين الله خلف.
حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى الى محمد صلى الله عليه وآله؛ فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً، وأعزّ الأرومات مغرساً؛ من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتجب منها أمناءه. عترته خير العِتر، وأسرته خيرُ الأسر، وشجرته خير الشجر؛ نبتت في حرمٍ، وبسقت في كرمٍ؛ لها فروع طوالٌ، وثمرٌ لا يُنال. فهو إمام من اتّقى، وبصيرة من اهتدى، سِراج لمعَ ضوؤُه، وشهاب سَطَعَ نورُهُ، وزندٌ برق لمعه؛ سيرته القصدُ، وسُنّته الرشدُ، وكلامه الفصلُ، وحُكمُهُ العدلُ؛ أرسلهُ على حين فترةٍ من الرسلِ، وهفوةٍ عن العمل، وغباوةٍ من الأممِ". (40)
أكرمهم على الله
عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: "خلق الله عز وجل مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي، أنا أكرمهم على الله ولا فخر. وخلق الله عز وجل مائة ألف وصي وأربعة وعشرين ألف وصي، فعلي أكرمهم على الله وأفضلهم". (41)

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب