فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الرابع: عن الإمامة والإمام
الإمامة والإمام في القرآن الكريم

الحاجة الى الإمام
كما لا تكمل الرسالة بدون الرسول صلى الله عليه وآله، كذلك لا تتم الشريعة بدون إمام. ذلك لأن طبيعة البشر تهوي به إلى الأسفل ولا يكفيها وجود شريعة محفوظة في الأسفار، بل لابد من تجسيد تلك الشريعـة في إنسان يتمتع بتفـوق تشريعي يعطيـه صلاحية تطبيـق الشريعة على الناس، إذ لابد لكل قانون من مطبق نافذ الكلمة وإلاّ عـاد القانون حبراً على ورق.
ولقد شاء الله تبارك وتعالى أن يسعد الإنسان في الحياة بدون أن يجبره على ذلك فيسلبه كرامته وحريته، وهكذا كان ينبغي عليه أن يوفر له كل وسائل السعادة حتى إذا شاء أخذ بها، فشرع له الشرائع وعبَّد له المناهج ثم بعث رسولاً يبين له وينذره ويبشره ويدعوه الى تطبيق ذلك ويشرف على تنفيذه، وكان عليه أن لا يترك الخلق فوضى دون منفذ للشريعة بعـد الرسول صلى الله عليه وآله؛ بل كان ينبغي أن يعين لهم أئمة يتمتعون بما يتمتع به الرسول من صلاحيات، ويقومون بما يقوم به الرسول من مهمات. كل ذلك إتماماً للنعمة وتحقيقاً للحكمة وتوفيراً لوسائل السعادة، ولكن كما لم يشأ الله أن يُكره الناس على الهدى في عهد الرسل إبقاءً لهم على النعمة الكبرى الموهوبة لهم، وهي نعمة الحرية، فكذلك لم يشأ أن يجبرهم على إتباع الإمام جبراً. وهكذا أبقى على الإمام الأخير صاحب الزمان عجل الله فرجه إتماماً لحجته على خلقه وتوفيراً لمنتهى ما يمكنهم أن يبلغوه من سعادة الدنيا والآخرة.
أولـوا الأمر
وقـد أمرنا الله سبحانه وتعالى بإطاعـة أولي الأمر من بعد الرسـول فقـال: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ...( (النساء/59)
فأولوا الأمر هم الامتداد الطبيعي للرسول، وهم أهل بيته من بعده؛ العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه، الأكفاء على القيام بأمره، الصابرون المتقون، وبالتالي هم أكثر الناس طاعة لله، وأقربهم إلى نهج رسوله.
من يعين الإمام؟
وكما أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن أن يعين من قبل الناس أنفسهم، لأنه وسيلة متصلة بين الله والانسان، فإن الإمام لا يمكن أن يعين إلاّ من قبل الله أيضاً.
وبتعبير آخر؛ إن الإمام ينبغي أن يكون مؤيداً بالغيب، عارفاً بالله ودينه ومعارفه، بعيداً عن تأثيرات المادة وبعيداً عن ظروفها الضيقة. ولا يؤيد الله من يختاره الناس، بل من يصطفيه هو سبحانه وليس للناس الخيرة إذا قضى الله أمراً، ذلك لأنهم عباد مربوبون يجب أن يسلموا بالحاكمية المطلقة لله في كلّ الشؤون. قال سبحانه وتعالى: (وإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَاَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ( (البقرة/124). وقال سبحانه: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ( (ص/26). وقال عز وجل: (وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً( (البقرة/30). من هذه الآيات يظهر بوضوح إن الخلافة والإمامة - اللذين هما تعبيران عن واقع واحد - ليستا من حق أحد، وإنما هما لله وحده لا شريك لـه.
الإمامة وفضل الله
إن الأنبياء والأئمة يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق علم عامة الناس. يقول سبحانه وتعالى: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً( (البقرة/269). وقال عز وجل في طالوت: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللّه ُوَاسِعٌ عَلِيمٌ( (البقرة/247). وقال عز وجل لنبيه (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً( (النساء/113). وقال عز وجل في الأئمة من أهل بيته وعترته وذريته: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِيماً( (النساء/54). وإذا اختار الله عز وجل أحد عباده لأمور عبيده، شرح صدره لذلك وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً.
من هم الأئمة؟
قال الله سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِاَيَاتِنَا يُوقِنُونَ( (السجدة/24)
الآية الكريمة ترشدنا الى جملة من صفات الإمام الرئيسية، وهي:-
1- الهدى الى الله وبأمره، وليس الى نفسه أو حزبه أو وطنه.. وما أشبه من الدعوات الجاهلية.
2- الصبر وتحمل الشدائد. فالقائد الإلهي هو الذي تتبلور شخصيته في ميادين العمل الجهادي وسوح القتال في سبيل الله، وليس الذي يركب الموجة أو يتسنم صهوة الانتصار من دون عمل وخلفية جهادية. وربما لذلك كان الله تعالى يختار الأنبياء والرسل والأئمة من رحم الشدائد، وعند اجتياز أصعب العقبات.
3- اليقين، وذلك يعني وصوله الى مستوى رفيع من الإيمان بالله، لا يهن بعده ولا يرتاب في طريق الحق، سواء انتصر أو انتكس مرحلياًً.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب