فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الخامس: عن البعث والنشور
البعث والنشور في القرآن الكريم

تدعونا الى الإيمان بالبعث بعد الموت نظرة واعية الى ما يجري حولنا من أحداث في هذه الدنيا الواسعة:
1- فهناك طائفة كبيرة من الناس يعيشون معنا، يحيون ويموتون طيبين - أعمالاً وقلوباً - لا يبرحون عن إسداء الخدمات الانسانية إلى نظرائهم من البشر دون أن يريدوا منهم جزاءً أو شكوراً.. إنهم يعبدون ربهم ويذكرونه بالعشي والابكار، ولكن مع ذلك تجدهم مظلومين، مقهورين، منكدة عيشتهم، طويلة أحزانهم، متوالية نكباتهم وويلاتهم. وإلى جنب هذه الطائفة يوجد اُناس يتمتعون بالعدة والثروة والجاه العريض، وبعكس ما قد يُتَصور لا يزالون قاسطين، ظالمين، بغاة يهتكون الحرمات ويرتكبون الخطيئات، وكثير منهم يموت على ما هو دون أن يلقى جزاءه في الدنيا.
وإن كثيراً من أولئك الطيبين يبلغون في مكارمهم القمة، كالأنبياء والصالحين والمتمسكين بالحق وهم الألوف الألوف.
وإن كثيراً من هؤلاء المجرمين يهبطون في أعمالهم السيئة الى الحضيض ويقتلون الملايين ويقترفون الجرائم البشعة بحق البشرية جمعاء.
والله الحكيم الذي نرى آثار حكمته في السماء والأرض، لم يخلق شيئاً عبثاً ولا كان بحاجة الى اللعب واللهو، تعالى عن ذلك. الله القادر الذي نجد في ذات أنفسنا وفي كل ما حولنا من أشياء آيات قدرته العظيمة التي لا تحد.. كيف لا يعطي جزاء هؤلاء وهؤلاء؟
أعبثأً خلقهم؟ أم خلقهم ليظلم قويهم ضعيفهم بغير سبب؟ أم أراد بذلك أن يؤذي غير المؤذي؟ أم عجز عن أن يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإسائته؟ كلاّ ثم كلاّ.
فسبحان الحكيم الغني أن يخلق الخلق عبثاً (ولا حاجة له الى العبث) وسبحانه أن يعجز عن أن يجازيهم، أو أن يعجز عن خلقهم مرة أخرى وهو الذي أنشأهم أول مرة.
2- كل دلائل الكون تهدينا الى أن ما فيه قد سخر لنا (أو قد خلق لأجلنا). كل ما فيه من شمس وقمر ونجوم تعمل - ليل نهار - لتبقى الحياة مستمرة. وكل ما فيها مسخر لنا، بما أوتينا من موهبة العقل والقدرة والحرية. وإذا كان كل شيء لنا، فنحن لماذا؟ هل خُلقنا لكي نتمتع في الدنيا؟ ومن منا استطاع أن يتمتع بها سعادة وافية؟ أكبيرنا أم صغيرنا؟ سيدنا أم مملوكنا؟ رئيسنا أم مرؤوسنا؟ ليس هناك من استطاع أن يتذوق حقيقة السعادة في الدنيا، فلماذا إذاً خُلقنا؟
هناك جوابان على ذلك لا ثالث لهما:
أ/ إن الله سبحانه أراد أن يلعب ويعبث فخلقنا ليضحك علينا.
وهذا بعيد عن دلائل حكمته التي نراها في الكون، وعما يهدينا إليه العقل من كمال ربنا، إنه قدوس ليس فيه نقص.
ب/ إنه خلقنا لعالم آخر، وجعل ما في هذه الدنيا من خير دليلاً على أفضل منه وأكمل منه يوجد في الآخرة، وما هنا من شر دليلاً على أسوأ منه وأطول منه يوجد في الآخرة، وأذاقنا من هذا حيناً ومن هذا حيناً، ثم بين لنا عن طريق رسله كيف نتجنب ذلك ونقترب الى هذا.
وهذا هو التفسير الصحيح لظواهر الكون كلها.
3- والى هذا تشير الآيات القرآنية التي سوف نلم بنبذة يسيرة منها، والتي تعتبر بذاتها دليلاً مستقلاً على الحياة الآخرة، لما ثبت بالأدلة العقلية أن لنا إلهاً كاملاً وأنه بعث رسلاً صادقين ونقلوا عنه أن من عمل سوءاً جوزي به وأنه من صلح عملاً أثيب عليه، علمنا بأن وراءنا جزاءاً وثواباً. لنقرأ معاً بعض هذه الآيات القرآنية:
لا ريب فيه
قال الله سبحانه: (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ( (الجاثية/26)
بلى؛ يوم القيامة لا ريب فيه واقعاً؛ أي لا محالة واقع، وليس في ذلك تردد، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذا الواقع، ولا يغير جهل البشر من الواقع شيئاً. فنحن نجهل - مثلاً - وجود منظومة شمسية في آخر آمـاد هذا الفضاء، فهل يجعل جهلنا بها وجودها عدماً؟ كلاً.. ولعل هذه الآيات في القرآن تعالج حالة نفسية عند البشر، وهي أنه يزعم إن مجرد شكه في شيء يجعله في حل من الالتزامات المترتبة على وجوده. كلا، فالشك في الشيء لا يغير من الواقع شيئاً؛ فالواقع واقع، سواء آمنت به أو لم تؤمن، فإذا كان ذلك الواقع كيوم القيامة الرهيب فان تجاهله مأساة حقيقية للانسان.
لماذا البعـث؟
من أهداف النشور بعد الموت تبيان الحق، وكشف زيف الكفار. وهكذا يكون من حِكَم الإيمان بالآخرة، الايمان بوجود مقياس ثابت للحق، يرجع إليه الناس، فيحكم بينهم فيما اختلفوا. قال الله تعالى: (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ( (النحل/39) فلا يستطيع أحد من أن يبدل الحق باطلاً، ويخدع نفسه بأن الباطل قد أصبح حقاً. كلاّ؛ إن وراءنا يوماً يميز فيه الحق عن الباطل بوضوح كاف.
يحيي ويميت
إن العالم مع ما فيه من تقدم كبير في مجال العلوم المختلفة، عاجز بأسره أن يضيف إلى الإنسان لحظة واحدة من الحياة، لأن الحياة بيد الله وحده، فهو الذي يحيي ويميت. وليس الإنسان وحده الذي يخضع لإرادة الله تعالى، بل لا تجد ظاهرة في الكون إلاّ وهي خاشعة له خاضعة لأمره.
قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ( (المؤمنون/80)
فالليل والنهار يتعاقبان، ليس فقط في التناوب الزمني، وإنما أيضاً في القصر والطول. ومن أوتي البصيرة، والنظر بعين قلبه الى اتقان تدبير الله في الليل والنهار، تبصر أيضاً بمعنى الحياة والموت وقدرة الله المهيمنة عليهما.
وإن الإنسان ليهتدي لهذه الحقيقة حينما يستفيد من عقله، أما حين يعطله بالأسباب المختلفة، كتقليد الآباء، فانه أبعد ما يكون عن استيعاب هذه الحقائق بالرغم من شدة وضوحها وقربها.
قال الله تعالى: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الاَوَّلُونَ * قَالُوا أءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً ءَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إنْ هَذَآ إِلآَّ أَسَاطِيرُ الاَوَّلِينَ( (المؤمنون/81-83)
لقد زعموا بأن هذه الحقيقة هي من الأفكار المتخلفة، ونسوا أن مبدأهم كـان من التراب، وإن الذي خلقهم أول مرة لقـادر على بعثهم مـن التـراب مرة أخرى.
الحياة الآخـرة
قال الله سبحانه: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الأَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ( (العنكبوت/64)
إن الحياة الدنيا بصورتها العادية، ومقوماتها، وأبعادها المادية، مجرد لهو أو لعب بلا هدف. فالأهداف الجدية ترتبط جديتها بمدى ارتباطها بالحياة الآخرة، والقضايا الغيبية.
وفي الدار الآخرة تتوفر جميع مقومات الحياة من الخلود الأبدي، واللذات الجمة، والراحة النفسية الممتزجة بالطمأنينة.. فيتخلص المؤمن من هموم الدنيا ومشاغل الحياة.
يوم ينتظرك
لا يتخلص الإنسان من حب الدنيا إلاّ بذكر الآخرة؛ فمن اشتاق الى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار هانت عليه مصيبات الحياة.
قال الله تعالى: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً * إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِـرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِـذٍ لَخَبِيـرٌ( (العاديات/1-11)
ذلك يوم ينتظرنا جميعاً، حيث تثار فيه القبور لاستخراج ما فيها. ويومذاك يحشر الناس للحساب، وتشهد عليهم جوارحهم، وتظهر ما في جوانحهم، وتبلو السرائر، وتسقط الأقنعة، ويعرف الإنسان مدى خسارته لفرصة العمر إذ لم يزك نفسه من حب الدنيا وبهارجها. وهنالك يعلم الناس يقيناً أن الله تعالى محيط بهم.
وهكذا نرى الايمان بالآخرة وتذكر الحساب فيها كيف يكبح جماح شهوات الدنيا عند البشر.
وعـد الله
إن النفس البشرية لا ترى بطبعها إلاّ ما أمامها من الحقائق المشهودة، ولا تتأثر بالمستقبل البعيد حتى ولو كان من الحقائق المعلومة يقيناً. وبضغط من الشهوات العاجلة، وبوساوس إبليس تعرض النفس عن الغيب للشهود، وعن المستقبل للحاضر. ولابد من تصوير الغيب، وإبراز مشاهد من المستقبل حتى تهتم النفس بها. ولعل منهج القرآن في تصوير مشاهد البعث والجزاء باستثارة قوة الظن والخيال يتم لهذه الغاية. فهو ليس مجرد اُسلوب في البيان، بل هو منهج علمي لاصلاح النفس وإيجاد التوازن بين قوة الشهود وحقائق الغيب، وإنما المؤمنون هم الذين يستشرفون المستقبل، وينظرون الى الغيب بقوة الظن، ويستثيرون كوامن الخوف والرجاء بالتذكرة الذاتية.
والسياق القرآني في سورة يس يصور لنا جانباً من مشاهد الهلاك ثم النشور والجنة والنار.
قـال الله تعالى: (مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُـمْ يَخِصِّمُونَ( (يس/49)
إنهم يستعجلون العذاب، ويقولون: متى هذا الوعد؟ بلى؛ ولكنهم ينتظرون بذلك أمراً عظيماً، إذا جاء لا يمكن رده أو تأجيله، فانما هو صيحة واحدة لا ثانية لها، لأنها القاضية، وهي تعمهم بالأخذ بغتة في وقت تراهم يخوضون في جدلياتهم التي لا تغني شيئاً.
ثم يقول ربنا عز وجل: (فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلآ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ( (يس/50)
وهذه المباغتة سريعة الى درجة أنها تمنعهم من أن يخلفوا وصيّتهم، بالرغم من أنهم لا يعودون الى أهلهم، فهم أحوج ما يكونون الى التوصية.
بعد ذلك يقول ربنا سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ( (يس/51-52).
ويمكث الناس في قبورهم ما شاء الله، حتى ينفخ في الصور الملك الكريم اسرافيل؛ وبمجرد النفخ تراهم يسرعون الى ربهم، حيث وضع الميزان العادل. وهنالك يعترف هذا الإنسان الخصيم الذي استهزأ بكل المرسلين، وأعرض عن كل الآيات، وينادي بالويل لنفسه، ويزعم أنه كان نائماً، ويتساءل: أية قدرة استطاعت بعثه من محل نومه بعد طول الرقاد؟! فيأتيه الجواب: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ(.
الساعة آتيـة
كل إنسان مفطور على الإيمان بالبعث؛ ولكن بما أنه معرض لوساوس الشيطان، فهو يكفر إن لم يحاول قمع تلك الوساوس.
فإذا اعترى الإنسـان ريب من البعث، فلينظر الى ماضيه، وهـل باستطاعته أن يقول: إن الله لا يقدر على خلقه من جديد؟ فكيف - إذاً- خلقه أطواراً؟
قال الله تعالى: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّـا خَلَقْنَاكُم مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَـةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَـةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الاَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّـن يُـرَدُّ إِلَـى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الاَرْضَ هَامدَةً فـإِذَآ أَنزَلْنَـا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَـزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُـلِّ زَوْجٍ بَهِيـجٍ( (الحج/5)
خلق الله الإنسان من تراب، ثم من نطفة، فعلقة فمضغة. وبعد الولادة كان في حالة تطور؛ فمن الطفولة الى الشباب، الى الهرم، الى الوفاة. وهذا التطور يسير حسب قانون وتدبير رشيدين، من لدن إله حكيم قدير.
فلكي تعرف مستقبلك انظر الى بداية خلقك، فبعد أن كنت ضعيفاً في رحم أمك قويت، وسوف تعاد كذلك في أرذل العمر. أوليس الذي أنشأك في ظلمات الأرحام، وفي الحياة خلقاً بعد خلق بقادر على إنشائك من بعد موتك؟!
قال الله تعالى: (ذَلِكَ بِاَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ( (الحج/6-7)
وصفوة القول؛ إن الآيات المتقدمة تدعونا إلى أمرين؛ الأول: الى الايمان بقدرة الله تعالى. الثاني: إلى الايمان بيوم القيامة. ذلك إن الايمان بقدرة الله هو الطريق للايمان بالبعث، فكلما شككنا في البعث لابد أن ننظر إلى آيات قدرة الله، لأن الشك في البعث ناتج من الشك في أسماء الله سبحانه. أما من يعرف الله حقاً فانّه لا يشك في البعث.
خلقاً جديداً
إن الإيمان بالآخرة ضمان للتفكير السليم في الحياة؛ وإن الكفار لم يكتفوا بانكار الآخرة، وإنما كانوا يسعون لتبرير اعتقاداتهم بأفكار سخيفة وشبهات واهية، منها الشبهة التالية: (وَقَالُوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً( (الاسراء/49).
فكيف يبعث الإنسان وقد أضحى رفاتاً؟ هذا ما كان يتساءل الكفار عنه مستنكرين، فأجابهم الله تعالى: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً( (الاسراء/50-51) وبديهي أن الخلق ثانية أهون من الخلق ابتداءً.
وأجاب القرآن عن شبهتهم بأن كلامهم يخضع لمقاييس المخلوقين، أما الخالق فهو على كل شيء قدير.
مستوى اليقين
وقال عز وجل: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمآ اُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمآ اُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ( (البقرة/4)
الإيمان الذي يتحلّى به المتقون، هو إيمان كامل لا يقتصر على بعض الحقائق فقط، وينحسر عما يخالف الأهواء؛ إنما هؤلاء يؤمنون بما أُنزل الى الرسول من كتاب وبما أُنزل على الرسل من قبل رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، لا يفرقون بينهم، وإيمانهم بالآخرة راسخ يصل الى مستوى اليقين، فاذا بهم مطهرون من أي شك في يوم الجزاء. بذلك تتكامل عقائد المتقين؛ الإيمان بالله.. ثم الإيمان بالرسالات ثم الإيمان بيوم القيامة. وبالطبع الإيمان بالرسالات يدعونا الى الإيمان بخلفاء الرسل وبامتداداتهم، كما أن الإيمان بيوم الميعاد يأتي نتيجة للإيمان بعدالة الله. وهذه هي أصول الدين الأساسية التي تشكل جوهر شخصية المؤمن.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب