فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
البعث والنشور في السنة الشريفة قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام: "أيها الناس اتقوا الله واعلموا أنكم إليه راجعون، فتجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تودُّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذّركم الله نفسه. ويحك يا ابن آدم الغافل وليس مغفولاً عنه، إن أجلك أسرع شيء إليك، قد أقبل نحوك حثيثاً، يطلبك ويوشك أن يدركك، فكأن قد أوفيت أجلك وقد قبض الملك روحك وصيّرت الى قبرك وحيداً، فردَّ إليك روحك واقتحم عليك ملكاك منكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك. ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده، وعن نبيك الذي أرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاه، وعن عمرك فيما أفنيت، وعن مالك مِن أين اكتسبته وفيما أنفقته. فخذ حِذرك، وانظر لنفسك، وأعدّ الجواب قبل الامتحان والمساءلة والاختبار، فإن تك مؤمناً عارفاً بدينك متبعاً للصادقين، موالياً لأولياء الله، لقَّاك الله حجتك، وأنطق لسانك بالصواب فأحسنت الجواب وبُشِّرت بالجنة والرضوان من الله، واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان، وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك، ودحضَت حجتك، وعييت عن الجواب، وبشّرت بالنار، واستقبلتك ملائكة العذاب بنـزل من حميم وتصلية جحيم. واعلم يا ابن آدم إن ما وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب، يوم القيامة، ذلك يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود يجمع الله فيه الأولين والآخرين، يوم ينفخ في الصور ويبعثر فيه القبور، ذلك يوم الآزفة، إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ذلك يوم لا تقال فيه عثرة ولا تؤخذ من أحد فدية ولا تُقبل من أحد معذرةٌ، ولا لأحد فيه مستقبل توبة، ليس إلاّ الجزاء بالحسنات والجزاء بالسيئات، فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير وجده، ومن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من شر وجده". (66) آية للنـاس روي عن أبي عبد الله الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في خبر طويل يذكر فيه قصّة بخت نصر أنّه لمّا قتل ما قتل من بني إسرائيل خرج إرميا على حمار ومعه تين قد تزوّده وشيء من عصير، فنظر إلى سباع البرّ وسباع البحر وسباع الجوّ تأكل تلك الجيف ففكر في نفسه ساعـة ثم قال: أنّى يحيي الله هؤلاء وقد أكلتهم السباع؟ فأماته الله مكانـه وهو قول الله تبارك وتعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَاَمَاتَهُ اللّـهُ مِاْئَـةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ( أي أحياه، فلمّا رحم الله بني إسرائيل وأهلك بخت نصر ردّ بني إسرائيـل إلى الدنيا، وكان عزير لمّا سلّط الله بخت نصر على بني إسرائيل هرب ودخل في عين وغاب فيها وبقي إرميا ميّتاً مائة سنـة ثمَّ أحياه الله، فأوّل ما أحيا منه عينيه في مثل غرقئ البيض فنظر، فأوحى الله تعالى إليه: (كَمْ لَبِثْتَ(؟ قال: (لَبِثْتُ يَوْماً(، ثم نظر إلى الشمس قد ارتفعت فقال: (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ(، فقال الله تبارك وتعالى: (بَل لَبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ( أي لم يتغيّر (وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُـمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً( فجعل ينظر إلى العظام البالية المنفطرة تجتمع إليه، وإلى اللّحم الذي قد أكلته السباع يتألّف الى العظام من ههنا وههنا ويلتزق بها حتّى قام وقام حماره فقال: (أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(. (67) يـوم الأزفـة قال الإمام علي بن الحسين عليهما السلام: واعلم يابن آدم إن وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب، يوم القيامة، وذلك يوم الأزفة (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ( (غافر/18). (68) قيام الساعـة قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: قال عيسى عليه السلام لجبرئيل: متى قيام الساعة؟ فانتفض جبرئيل انتفاضة اُغمي عليه منها، فلما أفاق قال: يا روح الله؛ ما المسؤول أعلم بها من السائل، وله من في السماوات والأرض لا تأتيكم إلاّ بغتة. (69) يحيي العظـام عن الحلبي، عن أبي عبد الله الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: جاء أبي بن خلف فأخذ عظماً بالياً من حائط ففته، ثم قال: يا محمد؛ إذا كنا عظاماً ورفاتاً، أإنا لمبعوثون خلقاً؟ فأنزل الله (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَاَهآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ( (يس/78-79). (70) يعيده كما بدأه عن هشام بن الحكم أنّه قال الزنديق للإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: أنّى للروح بالبعث والبدن قد بلي والأعضاء قد تفرّقت؟ فعضو في بلدة تأكلها سباعها، وعضو بأخرى تمزّقه هوامّها، وعضو قد صار تراباً بني به مع الطين حائط؟ قال: إنَّ الذي أنشأه من غير شيء وصوّره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه. قال: أوضح لي ذلك. قال: إنَّ الروح مقيمة في مكانها؛ روح المحسنين في ضياء وفسحة، وروح المسيء في ضيق وظلمة، والبدن يصير تراباً منه خلق، وما تقذف به السباع والهوامّ من أجوافها فما أكلته ومزّقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرّة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإنّ تراب الروحانيّين بمنـزلة الذهب في التراب فإذا كان حين البعث مطرت الأرض فتربوا الأرض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللّبن إذا مخض، فيجتمع تراب كلّ قالب فينتقل بإذن الله تعالى إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئتها وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً. (71) خلقت للآخـرة إن مشكلة الإنسان هي أنه قد ينغمس في زخارف الدنيا وزبرجها الى حد كبير، بحيث ينسى أنه مسافر في هذه الدنيا وليس خالداً فيها، وينسى أن الموت ينتظره لكي ينقله الى دار الآخرة. ففي كتابه الى الإمام الحسن عليه السلام، قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: "واعلم أنك خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنك في منـزل قلعة ودار بلغة وطريق الى الآخرة". (72) وقال عليه السلام أيضاً: "إنك مخلوق للآخرة فاعمل لها". (73) وقال عليه السلام: "غاية الآخرة البقاء". (74) وقال عليه السلام: "وأكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم، فان ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك". (75) وقال عليه السلام: "طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب". (76) نفسك بيد غيـرك لقد جعل الله النوم واليقظة آيتين على الموت والبعث، يعايشهما الإنسان كل يوم لعله يتذكر القيامة، ويعرف أن نفسه بيد غيره، فيكيف حياته وفق هذه الحقيقة الكبرى. قال الإمام محمد الباقر صلوات الله عليه: "كان فيما وعظ به لقمان عليه السلام إبنه، أن قال: يا بني إن تك في شك من الموت فارفع عن نفسك النوم ولن تستطيع ذلك، وإن كنت في شك من البعث فارفع عن نفسك الانتباه ولن تستطيع ذلك. فإنك إذا فكرت في هذا، علمت أن نفسك بيد غيرك، وإنما النوم بمنـزلة الموت، وإنما اليقظة بعد النوم بمنـزلة البعث بعد الموت". (77) من كان همه الآخـرة ولأن الدنيا مزرعة الآخرة، وتكتسب قيمتها من حجم العمل الذي يقدمه الإنسان لعالم الخلود، فإن عليه أن يجعل الآخرة فوق كل همومه في الحياة حتى لا ينسى دوره الحقيقي هنا. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "من أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه، جعل الله الغنى في قلبه وجمع له أمره ولم يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه. ومن أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه، جعل الله الفقر بين عينيه، وشتت عليه أمره، ولم ينل من الدنيا إلاّ ما قسم له". (78) وقال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "أفضل المسلمين إسلاماً من كان همه لاُخراه، واعتدل خوفه ورجاه". (79) من آثر الدنيا على الآخـرة ويحذّرنا الإمام علي بن الحسين عليه السلام من الغفلة عن الآخرة، إذ الغفلة عنها تستعقب الندم والحسرة يوم لا ينفعان الانسان شيئاً. يقول الإمام عليه السلام: "فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة، والقدوم على الله، والوقوف بين يديه. وتالله ما صدر قوم قط عن معصية الله إلاّ الى عذابه، وما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلاّ ساء منقلبهم وساء مصيرهم". (80) وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "من آثر الدنيا على الآخرة حشره الله يوم القيامة أعمى". (81) وقال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "حصلوا الآخرة بترك الدنيا". (82) إذا كان يوم القيامـة وفي القيامة يُسأل العبد عن كل صغيرة وكبيرة بدرت منه في الحياة الدنيا، إلاّ أن هناك خطوطاً رئيسية حددتها الروايات يتم التركيز عليها أكثر من غيرها، لأنها تشكل المفاتيح الرئيسية لحياة الإنسان. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة لم تزل قدما عبد حتى يسأل عن أربع؛ عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعما اكتسبه من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن حبنا أهل البيت". (83) اقرء كتابـك عن خالد بن نجيح، عن أبي عبد الله الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة رفع الإنسان كتابه، ثم قيل له: اقرءه. قلت: فيعرف ما فيه؟ فقال: إنه يذكره؛ فما من لحظة ولا كلمة ولا نقل قدم إلاّ ذكر كأنه فعله تلك الساعة، فلذلك (وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلآَّ أَحْصَاهَا ( (الكهف/49) (84) قيامة المتقيـن وتختلف انعكاسات يوم القيامـة على الأشخاص حسب اختـلاف أعمالهم ومواقفهم في الدنيا، فهي للمتقين تختلف عنها للمنافقين. وقـد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "القيامة عرس المتقين". (85) بالدنيا تحرز الآخـرة والذين يمقتون الدنيا يخطأون في موقفهم هذا، إذ ان الدنيا هي في الحقيقة وسيلة الحصول على الفلاح في الآخرة. يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "بالموت تختم الدنيا، وبالدنيا تحرز الآخرة، وبالقيامة تزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين". (86) الآخرة أمامـك وعلى المؤمن أن يستعد للقاء ربه، والاستعداد يعني العمل الايجابي والاجتهاد الحثيث للحصول على الدرجات الرفيعة هناك. يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "استعدوا ليوم تشخص فيه الأبصار، وتتدله لهوله العقول، وتتبلد البصائر". (87) وقال عليه السلام: "اعملوا ليوم تدخر له الذخائر، وتبلى فيه السرائر". (88) وقال عليه السلام: "إحذروا يوماً تفحص فيه الأعمال، وتكثر فيه الزلزال، وتشيب فيه الأطفال". (89) لا أنساب بينهـم في كتاب المناقب لابن شهر آشوب في مناقب زين العابدين عليه السلام، قال طاوس الفقيه: رأيته يطوف من العشاء الى السحر ويتعبد، فلما لم ير أحداً رمق الى السماء بطرفه وقال: إلهي غارت نجوم سماواتك، وهجعت عيون أنامك، وأبوابك مفتحات للسائلين، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه محمد صلى الله عليه وآله في عرصات القيامة. ثم بكى وقال: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولكن سوّلت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليَّ، فأنا الآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني؟ فوا سوأتاه غداً من الوقوف بين يديك إذا قيل للمخفين جوزوا، وللمثقلين حطوا. أَمَعَ المخفين أجوز، أم مع المثقلين أحط؟ ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب، أما آن لي أن أستحي من ربي. ثم بكى وأنشأ يقول: أتحرقني بالنار يا غايـة المنـى فأين رجائـي ثم أيـن محبتـي أتيت بأعمال قبـاح رديـة وما في الورى خلق جنى كجنايتي ثم بكى وقال: سبحانك تعصى كأنك لا ترى، وتحلم كأنك لم تعص، تتودد الى خلقك بحسن الصنيع كأن لك الحاجة إليهم، وأنت يـا سيدي الغني عنهم. ثم خرّ الى الأرض ساجداً قال: فدنوت منـه وشلت رأسه فوضعته على ركبتي وبكيت حتى جرت دموعي على خـده، فاستوى جالساً وقال: من الذي أشغلني عن ذكر ربي؟ فقلت له: أنا طاوس يا ابن رسول الله، ما هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جافون؟ أبوك الحسين بن علي وأمّك فاطمة الزهراء وجدك رسول الله! قال: فالتفت إليَّ وقال: هيهات هيهات يا طاوس دع عنّي حديث أبي وأمّي وجدّي، خلق الله الجنة لمن أطاع وأحسن ولـو كـان عبداً حبشيّاً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قرشيّاً. أما سمعت قول الله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسآءَلُونَ( والله لا ينفعك غداً إلاّ تقدمة تقدمها من عمل صالح. (90)
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|