فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
أحكام التقليـد والبلوغ
العلماء في الكتاب والسنة
أولاً: القرآن الكريم - من هم العلماء الذين يجب علينا إتباعهم والسير على هداهم في الحياة الدنيـا؟ - فهل تكفي صفة العلم والمعرفة وحدها، أم أن هناك صفات اُخرى ينبغي أن تتوفـر فيهم حتى يكونوا مؤهلين لقيادة الناس، وحتى تطمئـن الأمـة إلى توجيهاتهم، وتثق بمواعظهم؟ في القرآن الكريم آيات كثيرة تشير إلى صفات العلماء، وتوحي بصراحة إلى أن العلم وحده ومن دون هذه الصفات الأساسية لا يُجدي نفعاً. لنتلو معاً بعض هذه الآيات ونستلهم منها مواصفات العلماء بالله.. الامناء على دينه: 1- التهجـد قال الله سبحانه: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الاَخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَيَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ اُولُواْ الاَلْبَابِ( (الزمر/9) من صفات العالم بالله ظهور علمه على سلوكه، ومن ذلك قيامه بالليل وتهجده بين يدي الله، وبذلك نستدل على أنه يحذر الآخرة فعلاً ويرجو رحمة ربه. فعالم الدين يجعل سواد الليل وهدوءه مطيّة رحلته التكاملية إلى العلم الحق، ولا يكتفي بمجرد قراءة الكتب، وإنما يتوغل في عمق الحقيقة بتزكية النفس وقيام الليل. 2- الاستغفـار (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ( (محَمد/19) ومن صفات العالم بالله أنه يجعل الاستغفار شعاره الدائم، ضماناً لتواضعه في كل حال، وإلا فإن معلوماته البسيطة تصبح مادة لاستكباره وتجبّره على الناس، وبالتالي تصبح حجاباً بينه وبين ربه والعياذ بالله. وينبغي أن يبدأ المستغفر بنفسه ويتوب إلى الله من ذنبه، ثم يستغفر للمؤمنين والمؤمنات . 3- الربّانيـة (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ( (آل عمران/79) ينبغي أن يكون العالم ربانياً، أي: يذكرك بالله منظره، ويزهدك في الدنيا عمله. إنه لا يدعو إلى نفسه ولا إلى ما يرجع إليها من التحزبات الجاهلية والعصبيات القومية والعشائرية وغيرها، ولا يجعل الدين وسيلة لتكريس ذاته أو مصالحه، بل يدعو إلى عبادة الله فحسب. 4 - الاستقلال والوحـدة (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَاً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ( (الشورى/14) (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ( (الرعد/37) (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ( (البقرة/75) من صفات علماء الدين الصادقين إتباعهم للنصوص وعدم تحريفهـا حسب أهوائهم وأهواء الناس الذين يبغون رضاهم لسبب أو آخـر، ونستفيد من ذلك: أولاً: إن على العلماء وحملة الرسالة الإلهية أن يستعينوا بالله تعالى ويتوكلوا عليه في بناء صرح إستقلالهم في كل الحقول، حتى لا يتبعوا حاكماً خشية سطوته، ولا غنياً طمعاً في ماله، ولا رعاع الناس رغبة في رضاهم. ثانياً: ولا يكون ذلك إلا بالمحافظة على وحدة صفوفهم، والرجوع إلى ما عندهم من علم لحل خلافاتهم والا يبغوا بينهم. ثالثاً: كما أن الزهد في درجات الدنيا، والقناعة في معاشهـم، والاجتهاد في مساعيهم، يخفف من حاجتهم للناس. رابعاً: على الناس أن ينفقوا على العلماء لكي يبقوا مستقلين عمن يريد التأثير عليهم من الأثرياء والحكومات. خامساً: وعلى العلماء أن يتسلّحوا بكل ما يحصنهم ضد الخضوع للأقوياء من: التقاة والكتمان ، ومن الشجاعة وروح التحدي، ومن الصبر والاستقامة. 5 - يخشون ربهـم (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ اُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ( (فاطر/28-30) العلماء يخشون الله حق خشيته ولذلك فهم يعبدونه حق عبادته ويجاهدون في سبيله حق جهاده. صحيح إن جميع المؤمنين يخشون الله، ولكن خشية العلماء من نوع آخر، لأنهم يعرفون آيات الله ، وبالتالي فإنهم يعرفون ربهم من خلال معرفة هذه الآيات. فما هي مواصفات العلماء الذين يخشون الله؟. القرآن الكريم يذكر لنا هذه الصفات الواحدة بعد الاخرى. فالصفة الاُولى هي تلاوة الكتاب، وهذا يعني أن علمهم مستلهم من نبع القرآن الصافي، ثم إنهم يتفاعلون مع هذا العلم فيستوعبونه ليدخل كل أنحاء وجودهم: أنفسهم، وأفكارهم، وعقولهم، ومشاعرهم، وعواطفهم، ولذلك لا يلبثون أن يخشعوا لله بمجرد رؤية آية من آيات قدرته العظيمة. ثم يذكر القرآن الصفة الثانية وهي: إقامة الصلاة، فالإنسان الذي يتلو كتاب الله ويرى في هذا الكتاب آيات ربه ونوره لا يملك إلا أن يخشع، فتدفعه هذه الخشية إلى إقامة الصلاة. أما الصفة الثالثـة فهي إلانفاق سراً وعلانية: (وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً( وفائدة الإنفاق في السـرّ هي أنه يربي الإنسان علـى الاخلاص لله عز وجل. 6- سعة الصـدر (فَبِمَـا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ( (آل عمران/159) من أبرز صفات القائد، أي قائد (سواء كان مرجعاً دينياً، أو قائداً سياسياً) سعة الصدر، والقدرة على تحمّل الناس، بما فيهم من سوء خلق وتناقض وجهل وانحراف واختلاف. وسعة الصدر بدورها لا تتوفر للقائد إلاٍّ إذا كان هادفاً، يحمل في قلبـه رسالة عظيمة يستهين من اجلها بالصعوبات التي يلاقيها من قبـل الناس: (فَبِمَـا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ... ( . ويجب أن يربي القائد والعالم الرباني نفسه على صفة الليونة حتى لا تفلت منه كلمة نابية فيجر قومه إلى شرٍ مستطيرٍ. والليونة تعني الصفات التالية: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ...َ( . فالناس قد تكون فيهم صفات سيئة وأعمال خاطئة، وعلى القائد أن يصلحها ولكن بالحكمة. ذلك إن هذه الصفات إنما هي نتيجة ظروف تربوية واجتماعية واقتصادية معينة ، فلا يتحمل الفرد كل مسؤولياتها، وبالاضافة إلى ذلك فإن رؤية الفرد إلى تلك الصفات والاعمال قد لا تكون مثل رؤية القيادة فعليها أن تصلح رؤيتهم قبل إصلاح صفاتهم أو أعمالهم. من هنا يجب أن تتعود القيادة على العفو، ولكن لا يعني العفو السكوت إلى الأبد عن الإنحراف، بل يجب العمل من أجل إصلاحه ، وذلك بالاستغفار (طلب الغفران من الله). والدعاء بالمغفرة كأي دعاء آخر يجب أن يقارن بعمل مناسب، وهو محاولة الإصلاح . ثم إن القيادة يجب أن تقوم برفع مستوى الناس وذلك عن طريق التشاور، إذ أن التشاور يجعل الناس يتحسسون بمسؤولياتهم فيفكرون في شؤونهم بجدية أكثر ، ويحاولون إصلاح أنفسهم بأنفسهم، كما أن القائد يبين للناس بالتشاور مختلف وجوه الأمر، مما يزيد معرفتهم بالحياة ويجعلهم أكثر إحساساً بواجباتهم تجاهها. 7- خفض الجنـاح (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ( (الشعراء/215) فخفض الجناح، أي الرحمة والعطف والصفاء هي أخلاق القيادات بالنسبة إلى اتباعهم وليس الفظاظة والانكفاء والترفع. وهكذا ينبغي على القيادات الإسلامية، وبالذات على المراجع والعلماء أن يحافظوا على هذا الخلق النبوي العظيم في علاقاتهم مع أتباعهم ومقلديهم، ويخفضوا لهم اجنحة الرحمة، ويشاركوهم في أفراحهم وأتراحهم ويشاوروهم في السراء والضراء، ويزدادوا تلاحماً واندماجاً معهم. ولا شك إن هذه الاخلاق الكريمة هي أكثر تأثيراً في استقطاب الناس نحو الالتزام الديني واتباع تعاليم الشريعة من الدعوة اللسانية والتبليغ الكلامي.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|