فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
مسؤولية العلماء
1- العلم بالزمان
على علماء الدين أن يتعرفوا على الحياة جيداً ، ليكونوا على معرفـة تامة بشؤون الحياة في مختلف الحقول في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتربية، وسبل مقاومة الطغاة والظلمة وإقامة العدل والقسط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى علماء الدين التعرف على رأي الاسلام بهذا الركام الضخم من المعلومات التي تزحف إلينا يومياً من الغرب ثم البحث على ضوء ذلك عن حلول للمشاكل الحضارية التي تعيشها بلادنا، كمشاكل التنمية وتحرير الشعوب من الفقر والجهل والحرمان.
وهكذا تكون الولاية للعلماء لأن العالم يعرف الزمان واهله وأحكام الدين في شؤون الحياة.
لذلك فإن المجتهد المتجزئ الذي يتمكن من استنباط الأحكام في بعض أبواب الفقه لا جميعها، انه لا يصلح لمنصب المرجعية العامة، لأن الفقيه المرجع يجب أن يكون فقيهاً مطلقاً.
يقول الإمام الصادق عليه السلام: "العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس". (112)
وجاء عن الإمام علي عليه السلام: "حسب المرء ... من عرفانه، علمه بزمانه". (113)
وقال أيضاً: "لا يتحمل هذا الأمر إلاّ أهل الصبر، والبصر، والعلم بمواقع الأمر". (114)
وقال الإمام الرضا عليه السلام حول أوصاف الإمام: "... مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة". (115)
2- التوجيه الثقافي
ومن مسؤوليات الفقيه العادل وعالم الدين التصدي للتوجيه الثقافي في الاُمة بكامل مسؤولياته وأعبائه وتحدي عقباته.
ذلك لأن الثقافة الإسلامية هي وحدة متناسقة تجري فروعها على اُصولها، وتشهد اُصولها على فروعها، ولابد أن يكون الموجّه الثقافي محيطاً بكل جوانب الثقافة الإسلامية، من هنا كان "الفقه" شرطاً أساسياً للموجّه الثقافي.
ومن الواضح إن المعرفة فقط ليست كافية لإعطاء الاُمة ثقافة صافية، فلابد من وجود "العدالة" التي تحصن المعارف ضد الأهواء النفسية، والانحرافات الخارجية.
إذن فالفقيه العادل هو أجدر مَنْ يقوم بالتوجيه الثقافي للاُمة.
جاء في حديث مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يحمل هذا الدين - في كل قرن- عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينُفي الكير خُبث الحديد". (116)
3- إدارة المجتمع
وعلى العلماء أن يتصدوا للشؤون العامة، وأن يطالبوا بحقهم في إدارة المجتمع سياسياً واقتصادياً وثقافياً، رافضين العزلة والانطواء على الذات والابتعاد عن الناس، ولهم في النبي يوسف عليه السلام اُسوة، حيث طالب بحقه في إدارة البلاد حينما وجد الظروف مؤاتية: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ( (يوسف/55)
فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم حكام على الملوك، وهم الذين يخشون الله من عباده، وهم الذين مجاري الاُمور بأيديهم.
4 - الاعلان عن الحق
ومن المسؤوليات العظيمة التي يتحملها العلماء إظهار الحق والصدع به لاستقطاب الناس حوله. ذلك لأن كتمان الحق عن الناس مع سبق إرادة وعلم، من الوسائل المستخدمة في نصرة الباطل واعانة الظالمين. قال الله سبحانه: (وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ( (البقرة/42)، وقال أيضاً: (يَآ أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ( ( آل عمران/71).
وقد يكون كتمان الحق خشية من الطغاة، أو رغبة في رضا الأثريـاء مـن أسباب الضلالة عند البشر، وقـد أخذ الله ميثاق العلماء بأن لا يداهنوا أحـداً في نشر الحق وألاّ يكتمـوه ولا يشتـروا به ثمناً قليـلاً، قـال الله تعالـى: (وإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ اُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ( (آل عمران/187)
ومن هذه البصائر القرآنية نستوحي ما يلي:
أولاً: إن منطق العلماء ينبغي أن يكون مشكاة نور الحق، ولو سكت العالم عمّا يحتاج إليه الناس مِنْ بيان آيات الله ، ودلائل صدق الرسالـة والولاية، وفضح البدع وأهلها، وحكم الله في الفتن ومن يدعو إليها، فإن قوام الدين يتـزلزل.
ثانياً: وهكذا تتأكد ضرورة بيان حكم الله في التيارات الثقافية والسياسية الوافدة وفضحها بواسطة العلماء الصادقين. فلو سكت العلماء عن هذه التيارات لبقي الناس في عمى وضلّوا سبيل الهُدى.
ثالثاً: ومن تلك التيارات الضالة والوافدة والتي أثّرت أو تؤثِّر في ثقافة الاُمة، ما نشرت أو تنتشر من الفلسفات اليونانية القديمة أو الاُوروبية الحديثة، والتي تتناقض مع بصائر الوحي.
5 - حفظ الكتاب
وقد حَمَّل الله العلماء (الأحبار) مسؤولية حفظ كتاب الله من التحريف والتزييف، وارتقى بهم إلى درجة الشهادة على الناس في تطبيق الكتاب، فأصبحوا حجة على الناس، ومصدر فتوى، ومرجع تقليد، ومركز الثقل في الاُمة، قال الله تعالى (إِنَّآ أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِايَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ( (المائدة/44)
وتتطلب الشهادة على الناس أن يكون العلماء بالله والدعاة إلى الله عارفين بعصرهم وبالحوادث المؤثرة فيه، وأن يزنوا كل الحوادث الواقعة بميزان الوحي ، ويصدعوا بالموقف الديني فيها حتى يظهر الحق، وتتم الحجة والله المستعان.
6- الناس والعلمـاء
وعلى الناس أن يبحثوا عن العلماء الصادقين في تحمل مسؤولياتهم الذين يقولون الحق ولا يخشون أحداً إلا الله، ولا يفتشوا عن علماء يسهلون عليهم الشريعة حسب أهوائهم أو يسترضونهم على حساب دين الله تعالى، فقد أنذر الله سبحانه هذا النوع من العلماء بالويل في قوله عـز وجل: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِاَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ( (البقرة/79)
7- الاتباع الشامل
وينبغي إتباع العلماء الربانيين في كل حقول الحياة، حتى تكون صبغة حياة الناس إلهية بعيدة عن الأهواء، إبتداءً من تنظيم الاقتصاد والسياسة، وانتهاءً بإدارة البيت والاُسرة ومروراً بسائر حقول الحياة من تربية وتعليم وتثقيف وإعلام، ومن إدارة البلديات والمرور وما إليها.
اما إتّباع الآباء لأنهم آباء ومن دون ملاحظة قيمة العلم والهدى فهو أمر مرفوض، يقول الله سبحانه وتعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَآ أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لاَيَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ( (المائدة/104)
8 - الرقابة الاجتماعيـة
وعلى المجتمع الإسلامي النظر في أمر العلماء نظر تمحيص، وكذلك النظر إلى قياداته وموجهيه من الخطباء والكتاب، فلا يسترسل في إتباعهم أو التأثر بهم، بل يمحص بعقله وبموازين دينه أفعالهم وأقوالهم، ويقيِّم مواقفهم بدقة، وإلاّ فإنه قد يضل السبيل ولا يعذر في ذلك عند ربه.
هذه البصيرة نستوحيها من كلمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حينما يوجه الناس إلى مسؤولياتهم الخطيرة تجاه العلماء ، فيقول: "فاتقوا الفاسق من العلماء والجاهل من المتعبدين". (117)
كما نستلهم هذه البصيرة من كلمة الإمام الصادق عليه السلام أيضاً حينما يحرِّض الناس للعمل بمسؤولياتهم في تمحيص العلماء: "إذا رأيتم العاِلم محباً للدنيا فاتهموه على دينكم ، فإن كل محب يحوط ما أحب". (118)
ومن جهتهم ينبغي على العلماء ألاّ يسمحوا لبعض أتباعهم بوضعهم فوق مواضعهم، والتعصّب الأعمى لهم، والاسترسال في طاعتهم لأنه مظنّة الضـلالة. هذا ما أوصى به الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مالك الأشتر في عهده إليه، قائلاً: "والصق بأهل الورع والصدق، ثم رُضْهم على ألاّ يطروك ولا يبجحوك ( لا يُفرحوك) بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو، وتدني من العزّة. (119)

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب