فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
العلاقة بين الناس والـمرجعية 1- يشترك الناس والعلماء في معرفة محكمات الكتاب، والسنة التي لا ريب فيها، وما أجمعت عليه الاُمة من ضرورات الدين؛ مثل إقامة القسط وتجنب الشرك وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وهذه الحقائق هي النقاط المشتركة بين عامة الناس وهي التي يتحمل الجميع مسؤولية تطبيقها في الواقع سواءً العلماء والعامة، وهي القيم التي تراقب أبناء الاُمة بها حكامها وقادتها وعلماءها فمن شذ منها شذ الى النار. قـال الله سبحانـه وتعالـى: (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ( (آل عمران/114) (الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَرَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلمُتَّقِينَ * الَّذِينَ ُيؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمآ اُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمآ اُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ( (البقرة/1-5). (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً( (النساء/36) (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيرَاً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وإِن تَلْوُو أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( (النساء/135) وهكذا تجد في آيات الكتاب تبياناً للسنن الإلهية، وللكلمات والوصايا والأحكام وقد يسّرها ربنا سبحانه للناس لكي يتذكروا. وهذه هي المثل العليا التي تركزها كلمات الوحي في وعي الاُمة، وهي محكمات واُصول وحدود واحكام لا يعذر أحد في تجاهلها أو تغافلها، وكذلك فإن خطاب القرآن فيها موجهٌ إلى عامة الناس سواءً كانوا فقهاء وعلماء أو لم يكونوا.. وهي - في ذات الوقت- الميزان الذي تختار به الاُمة قيادتها الرشيدة وتراقب نهج حكامها وسياسييها، وتساهم في تسديدهم وفي اختيار السبل الأمثل. وهذه القيم هي بالمئات ولن تجد مثيلاً لها في مختلف مبادئ العالم ومذاهبه لا من حيث التنوع ولا من حيث الغنى والتناسق. فهي تشمل الحكمة التي توحي بحرمة الشرك والتسليم لغير الله، واحترام العلاقات الاُسرية، وتنهى عن القتل والزنا والإسراف، وتأمر بالعدل والإحسان والانفاق، وتنظم علاقة البشر بالبيئة، وتزكيهم من الحمية والحقد والتعالي، وتربيهم على التعارف والتعاون والصبر والاستقامة ومعالي الاخلاق. وترسم لهم حدود الظلم والعدوان، وتحذرهم من الاقتراب منها، وتهديهم الى سبل السلام في سلوكهم الحياتي. وتنهاهم عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحرم عليهم الخبائث، وتدعوهم الى التنعم بالطيبات وبما في الحياة من زينة. وتنير لهم درب التكامل العلمي، وتثير لهم دفائن العقول، وتهديهم الى صراط العزيز الحميد. 2- ولإيمان الناس بالدين وبأحكامها الشريفة، ولأن في أحكامها الكثير من الفروع المتشابهة، فلابد أن يرجعوا فيها إلى العلماء . فهم المسؤولون عن تبيان أحكام الدين للناس وعلى الاُمة الطاعة لهم فيها والتسليم لمـا استنبطوه من مصادر التشريع لأنها حكم الله فيهم. قال الله سبحانه: (وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِـهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وإِلَى اُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً( (النساء/83) . 3- ومن أبرز ما يرجع الناس فيها الى العلماء هو أمر القضاء فيما يختلفون فيه. فإذا قضوا بينهم بحكم الله فلا يجوز لأحد منهم التمرد على حكم الله وقد قال الله سبحانه: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( (النساء/65). وفي الحديث المقبول والمروي عن عمر بن حنظلة أنه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر الله أن يكفر به. قال الله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ اُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِه( قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله. (120) 4- وفي غير ما يتصل بالدين من الاُمور العلمية يرجع الناس الى ذوي الاختصاص، مثل ما يتصل بالطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والجغرافيا وكثير من فروع الاقتصاد والسياسة. 5- وأما الاُمور العرفية التي تتصل بمصالح الناس واُمور معاشهم فإن على الناس ان يتشاوروا فيما بينهم ويعملوا بما تجمع عليه أكثريتهم. مثل الشؤون البلدية والقروية وانتخاب من يرونه صالحاً لإدارة شؤونهم الحياتية. قال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ( (الشورى/38) وقال النبي الكريم صلى الله عليه وآله: "إذا كان أُمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاؤكم، وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها.." (121) 6- ولأن دين الله مهيمن على أبعاد الحياة فلابد أن تصبغ حياة الاُمة بأحكامه فقد قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ...َ( (المائدة/48) . ولأن مرجعية أحكام الدين هم الفقهاء فلابد أن تكون المؤسسات الاجتماعية كلها في إطار نظر الفقهاء. شريطة أن تكون للناس الرقابة الواعية على ذلك النظر انطلاقاً من: ألف/ محكمات الكتاب والسنة وما أجمعت عليه الاُمة من ضرورات الدين لضمان استقامة الجميع على خط الإسلام اللاحب. باء/ والناس يختلفون، واختلاف الناس جزء من حكمة خلق الله للبشر وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا وليتنافسوا في المكرمات ويسارعوا في الخيرات. وهكذا لابد من احترام الآراء المختلفـة والاجتهـادات المتفاوته ولا يجـوز لأحد أن يصادر الدين وأحكامه ويفرض قراراته الخاصة واجتهاده الشخصي على الاُمة. قيل لرسول الله ما الحزم؟ قال: "مشاورة ذوي الرأي واتباعهم". (122) وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "إضربوا بعض الرأي ببعض يتولد منه الصواب". (123) " أفضل الناس رأياً من لا يستغني عن رأي مشير". (124) "من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها". (125) "خاطر بنفسه من استغنى برأيه". (126) " لا رأي لمن انفرد برأيه". (127) وقال الإمام الصادق عليه السلام: "المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل". (128) جيم/ ومن طبيعة هذا الاختلاف تنشأ التيارات المختلفة في الاُمة، التي نعتبرها كلها مشروعة ومحترمة مادامت لا تشذ عن قواعد الدين وتتبع أحد المجتهدين. دال/ ولأن هذه التيارات تتحرك ضمن دائرة الدين وفي إطار قيمه المباركة، فإنها لا تتناقض ولا تتحارب، بل تتحـاور وتتنافـس وتتسابق الى الخيرات، إتباعاً لأمر الله عز وجل في كتابه الكريم: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ اُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ( (الحديد/21) وإذا أحسوا بالخطر على الاُمة ومقدساتها توحدت جهودهم في مواجهتها، انطلاقاً من قوله سبحانه وتعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلى النَّاسِ فَاَقِيمُوا الصَّلاَةَ وءَاتُواْ الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ( (الحَج/78)، وقوله عز وجل: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( (آل عمران/105) هاء/ وهكذا تتوفر في الاُمة أرضية تنامي وتكامل المؤسسـات الاجتماعية المختلفة سواء في حقل السياسة أو الاقتصاد أو في حقل الثقافة والاجتماع أو في حقل الرياضة والتربية. إنّ هذه المؤسسات التي تضم التنظيمات والحركات والهيئات الحسينية، والصناديق الخيرية والشركات المحدودة والاتحادات الطلابية والنوادي الرياضية والتجمعات الثقافية والإعلامية إنها تدعم مسيرة الاُمة الصاعدة وتنشط روح التنافس البنّاء، وتدعم روح الوحدة والتعددية.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|