فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الامام الحسين عليه السلام ضمير الأمة ومسؤولية المستقبل من خلال مسيرته الوضاءة، ونهضته الرسالية التي فاضت شلالاً من الصدق والفداء، ونهراً متدفقاً من العواطف الخيرة.. كان الإمام الحسين عليه السلام ولا يزال ضمير هذه الامة؛ فهو في العقل مصباح هدى، وهو في العاطفة سفينة نجاة، وهو عند المستضعف كرامة ناهضة، وهو عند المظلوم نداء ثائر، وهو على الطغاة سوط لاهب، وعلى الخانعين يقظة تأنيب .. انه نهج متميز تلجأ اليه الامة عندما تضيق بها مذاهب الحياة ، وتحيط بها اسباب الفناء . هنالك تتجاوز الامة حاجز الخوف والخنوع، وتستهين بالصعاب، وتستحلي الموت ومذاقه على ذلة العيش وعار الحياة، حيث لاتزال صرخة السبط الشهيد تملأ اُذن الدهر؛ هيهات منا الذلة، هيهات منا الذلة. الضمير الناهض واذا كانت الامة الاسلامية قد تحدت عبر تاريخها المديد عاصفة الحروب الصليبية بشموخ، واحتوت اعصار الغزو التتري بصبر وصمود، واذا كانت الأمة لاتزال تقاوم عاصفة الهجمة الصليبية الغربية الجديدة ورأس حربتها دويلة الصهاينة، واذا كانت قد احتوت هجمات الشرق الكافر، فذلك كله لان الأمة تملك ضميرا حيا نابعا من قيم القرآن الحكيم، وتاريخ الجهاد الحافل، وفي طليعته تاريخ نهضة السبط الشهيد عليه السلام. وإذا كانت الثورات التحررية هي السمة البارزة لهذه الامة، وبالذات في صفوف اتباع أهل البيت عليهم السلام، فذلك لأن الامام الحسين لايزال في نفوسهم صرخة رفض، وصيحة كرامة، ودعوة صادعة بالحرية وبالعطاء .. إلا ان هذا الضمير الناهض لم يستنفد كل طاقاته، وهذه الروح الكبيرة لم يستفد من كل قدراتها.. ذلك لان الطغاة والمنابر التابعة لهم والاقلام السائرة في ركبهم، وعلماء السوء الذين يكتمون الحق.. هؤلاء جميعا حاولوا ابعاد هذا الضمير النابض وتلك الروح الثائرة عن حوادث الحياة اليومية، وعن مشاكل الامة المعاشة، ودفعهما الى مجاهل التاريخ، والى الزوايا الضيقة.. ومع كل الأسف فهم قد نجحوا -بشكل أو بأخر- في تلك المحاولات. وعلى العلماء الربانيين وقيادات الساحة الأمناء ، والاقلام الحرة، والمنابر المسؤولة، أن تتحمل واجبها التاريخي في اعادة الامة الى خط السبط الشهيد، وهو خط الاسلام الحق، خط القرآن المجيد، الذي من أجله كان قيام السبط ، ومن أجله كانت شهادته. شهر محرم .. باب الرحمة وشهر محرم الحرام هو جسر الامة الى تاريخها الجهادي .. هو باب الرحمة الى هدى القرآن . انه مناسبة لمحاسبة الذات ، ومحاكمة الواقع على ضوء الكتاب والسنة وتاريخ جهاد الامة وأئمتها الهداة من العترة الطاهرة عليهم السلام . وانطلاقاً من هذا الشهر، يجدر بنا ان نفعـّل ضمير الامة لمواجهة المشاكل الحادة التي تعيشها، وان نجعلها بحول الله تعالى امة وسطى، وشاهدة على الكرامة والعدالة والتحرر للبشرية جميعا وفي كل ارجاء العالم . وان تجربة الشعب اللبناني في مواجهة العدوان الصهيوني الأخير، انما هي تجربة واحدة من تجارب تفعيل الضمير لدى الامة والاستفادة من دروس عاشوراء. ان امتنا بحاجة الى ان تتعلم دروس عاشوراء في الآفاق التالية : ألف: عليها ان تتعلم ان كل فرد من ابنائها مسؤول عن واقعه وواقع مجتمعه. وان اللامسؤولية واللامبالاة والكسل والفشل والثقافة التبريرية، انها هو -بالضبط- ذلك السلوك السلبي الذي يريده لها الظلمة والجبابرة. وان الانزواء والتقاعس والخمول والسلبية، هو من وحي شياطين الجن والانس، وان الله يريد لبني آدم الكرامة والتقدم والتطلع وألا يتساوى يوماه .. ان الحياة المثلى رهينة جهدك -أيها الانسان المسلم- وتطلعك وجهادك؛ ولن يغني عنك جهد غيرك، كبيرا كنت أم صغيرا، ذكراً أم انثى، ومن أي عنصر أو قوم أو قبيلة.. هكذا يجب ان نثقف ابنائنا على العطاء، وعلى الاجتهاد من أجل التقدم، والجهاد من أجل الكرامة، والاستشهاد في سبيل الله. وأية ثقافة تشجع على الخنوع والاستسلام والشك والشرك والحمية وإثارة العصبيات والتمنيات، فانها ثقافة باطلة يرفضها ضمير الامة، لانها تساهم في انتشار الظلم، واشاعة الفحشاء والمنكر . باء: ان الامة الاسلامية تختزن -في وعيها وضميرها الباطن- ينابيع العطاء ومعادن الصبر واصول النصر وقيم النهضة، ولكنها بحاجة الى رجال مجتهدين مخلصين شجعان واكفاء لقيادتها. وقد اثبتت حوادث تاريخنا الحديث انه كلما اتيحت للامة طليعة رسالية في هذا المستوى فانها قد استجابت لهم، وألقت اليهم أزمة امورها، وأي خلل في طبيعة هذه الطليعة يورث كارثة على مستوى الأمة وثقتها وعطاءها. من هنا كان بناء الطليعة وتنمية كفاءاتها ورعايتها، من ابرز فرائض الامة، والعاملين الصادقين من ابنائها . كما ان على الطليعة ألاّ تتوان في مسؤوليتها، ولا تستصغر دورها، ولا تأخذها في الله لومة لائم، في صمودها واستقامتها على الطريق حتى النصر. جيم: ان على الامة وقيادتها والمخلصين من ابنائها البررة، ان يحولوا التجمعات الدينية والأسرية والعشائرية والاجتماعية الى تجمعات فاعلة، من اجل استعادة الحقوق المستلبة، والكرامة الضائعة، والحرية المغتالة، والمساهمة في كافة الحقول، وممارسة كامل الدور الاسلامي والانساني المطلوب. والسبيل المناسب لظروفنا الراهنة والذي ينتهي باذن الله تعالى الى تحقيق هذه الاهداف السامية يتلخص في الامور التالية: العودة الى القرآن أولاً: الاستلهام المباشر من كتاب ربنا الذي فيه حكم ما بيننا، ودواء امراضنا، وشفاء قلوبنا، واصلاح ما فسد من اوضاعنا. ان الحجب المفروضة علينا والتي منعتنا من تلاوة القرآن حق تلاوته، هي المسؤولة عن كل مآسينا، فلنتجاوز كل الحجب ولنعد الى ربنا عبر كتابه الكريم، فانه - وحده - الذي يهدي للتي هي اقوم، ويبشر بالحياة الصالحة في الدنيا والفلاح في الآخرة . ان الخطيب الذي يذكّر الناس بكتاب ربهم، والعالم الذي يوجههم الى التدبر في آياته المباركات، والقائد الذي يأمر اتباعه بمداومة العيش مع الله وكتابه.. هم جميعا يعطون للناس مفاتيح العلم، واصول الحكمة، ويأخذون بأيديهم الى معدن المعرفة، والى نبع الايمان وضياء اليقين.. وان المجتمع الذي تعلم كيف يقرء القرآن، وكيف يستوحي منه الثقافة الصحيحة، وكيف يعالج مشاكله في ضوءه، هو مجتمع محصن ضد كل الهجمات الثقافية الوافدة. الرؤية السليمة ثانياً: وبالتدبر في كتاب ربنا، وبدراسة سنة النبي وأهل بيته عليه وعليهم الصلاة والسلام، وبالدراسة الواعية للتاريخ الغابر وللحوادث الحاضرة، وبتحليل الاخبار تحليلاً منهجياً دقيقاً، بعيداً عن العجلة والعاطفة والأحكام المطلقة والمسبقة.. بكل ذلك سيتجلى مجتمعنا برؤية سياسية وحضارية سليمة، ومعرفة شاملة بالزمان، وبالتالي بالتحرك في الاتجاه الصحيح بعيدا عن الفوضى والغوغاء والعواطف المشبوبة. ان العلم والحلم والحكمة والبصيرة هي من صفات المجتمع الفاضل، وانما بسبب الجهل واتّباع الناعقين، وبسبب التسرع والاحكام المطلقة، وبسبب الاستماع الساذج للاعلام المفروض علينا.. بسبب كل ذلك تخلف مجتمعنا، وفقد حصانته ضد الافكار الوافدة والشائعات المغرضة. حصن الايمان ثالثاً: ان على كل واحد منا ان يتحصن بحصن الايمان، وذلك بالانتماء الى هيئة دينية، او تجمع رسالي، او جمعية انسانية، وبالتالي لايبقى وحده في غمرات البلاء وموجات التحديات. ومن خلال هذا الانتماء الذي يقصد به رضوان الله، يعمل بالواجبات الملقاة عليه من التعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، والتولي لأولياء الله، والتبري من اعداء الله، والاهتمام بشؤون المسلمين، والقيام بواجبات الراعي تجاه رعيته تحقيقا لقول الرسول صلى الله عليه وآله: "من اصبح لا يهتمُّ بأُمور المسلمين فليس بمسلم"(17)، وقوله صلى الله عليه وآله: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (18). مسؤوليات اجتماعية إننا سنوقف امام رب العزة، ويسألنا خالقنا البصير العليم، عن واجباتنا الاجتماعية، كما يسألنا عن الصلاة والصيام، وهناك لا تنفعنا التبريرات الواهية التي يتشبث بها البعض للتحلل من هذه المنظومة الواسعة والهامة من الواجبات الشرعية (كالتولي والتبري والجهاد والأمر بالمعروف و.. و..). ان على كل واحد منا ان يحاسب نفسه كل يوم، عما قام به في سبيل الله، ومن اجل نجاة امته من ويلات التخلف ومن مصادرة الحقوق ومن تضييع الكرامة والحرية.. ألا نفكر اي معنى يبقى لحياتنا ان لم نؤد أية مسؤولية اجتماعية. فهل خلقنا لأجل الكدح اليومي من أجل الخبز الذي نأكله مغموساً بالدمع والدم، بالذل والهوان، بالسكوت عن المجرمين، والخنوع للجبارين؟ أفلا نتعلم من السبط الشهيد الذي اتخذناه إماماً وقدوة ومناراً، والذي نرجو ان يكون شفيعنا يوم القيامة، أفلا نتعلم كيف نحيى احراراً أو نموت كراماً ؟؟ ان صوت الامام الحسين عليه السلام الذي يجري حبه في عروقنا مجرى الدم؛ ان صوته لايزال يهز ضمير كل ذي ضمير: "الا وان الدعي ابن الدعي قد ركّز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى لنا الله ذلك ورسوله والمؤمنون وحجورٌ طابت وطهرت وانوف حمية ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام…"(19). بلى، سنبقى باذن الله شيعة صادقين لذلك الامام الغريب الذي نادى في صحراء الطف بنا وبكل اذن واعية: "أما من ناصرٍ ينصرنا" (20)، واننا نقول وبكل شجاعة: نحن انصار الله، وشيعتك يا أبا عبد الله، وكلنا عطاء، وسوف نقوم بكل واجباتنا الاجتماعية متوكلين على الله الجبار الذي أمرنا بالعمل ووعدنا النصر حيث قال سبحانه: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونََ( (التوبة/105) وقال عز وجل: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ( (محمد/7)
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|