فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الامام الحسين عليه السلام ومنهج البراءة من المشركين
لقد دافع المسلمون في الجزيرة العربية عن الوحي في العصر الاول أفضل دفاع، وجاهدوا الكفار دون هوادة حتى نصرهم الله تعالى، فعم الاسلام الجزيرة، ورفرفت على ربوعها راية التوحيد، وحينئذ أنزل الخالق عز وجل سورة البراءة التي هي السورة الوحيدة في القرآن التي لا تفتتح باسم الله الرحمن الرحيم، دلالة على غضب الله وشدة انتقامه .
وعندما نزلت هذه السورة على قلب الرسول صلى الله عليه وآله، وأراد ابلاغ المسلمين في الموسم الاكبر في الحج بانه منذ تلك اللحظة والى أربعة اشهر يمهل المشركون ان يتركوا الجزيرة العربية ولا يعودوا الى حرم الامن الالهي، نزل جبرائيل عليه السلام على الرسول صلى الله عليه وآله وأخبره بأن لا يحمل هذه السورة الى المشركين الا هو أو شخص يمثله ويكون نفسه. وحينئذ دعا النبي صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام وحمله هذه السورة فصدع الامام بها في الموسم. وكانت القبائل العربية المشركة المتوافدة الى موسم الحج الاكبر متواجدة في المشاعر كما في مكة المكرمة، ولكن الامام عليه السلام أعلن البراءة بكل صراحة في ذلك الموسم العظيم .
والملاحظ في هذا المجال ان كل الطغاة عبر التأريخ يرفضون الحديث عن البراءة. فلا بأس ان تتحدث عن الصدق والوفاء وصلة الرحم والصلاة والزكاة .. ولكن اياك ان تتحدث عن الشرك، والرشوة، والفساد ، والانحراف ، والمنكر .
ترى لماذا تبدأ كلمة التوحيد بالرفض وتنتهي بالاثبات "لا اله الا الله"، ولماذا يغفر الله تعالى كل ذنب ولكنه لا يغفر الشرك به، ولماذا يعد الشرك ظلما عظيما، ولماذا كانت معركة الانبياء عبر التأريخ مع الشرك والمشركين الذين كانوا يتخذون مع الله آلهة ، ومن دونه اولياء ؟؟
السبب في كل ذلك هو ان المنزلق الاكبر للبشرية انما هو منزلق ان لا يرفضوا الله تعالى، ولكنهم يشركون به في نفس الوقت. فكل شيء يشهد على وجود الله، ولكن الناس يريدون عادة ان يعبدوا مع الله غيره، وان يتخذوا مخلوقاته أولياء من دونه سواء كانوا حجرا أم بشرا أم مناهج.
فالمشكلة هي ان الانسان يريد ان يعبد الله تعالى عندما تكون له مصلحة في ذلك، فتراه يعبد الله حينا ويخضع للطاغوت حينا. فالمنزلق الخطير الذي يوقع الشيطان الانسان فيه هو هذا المنزلق؛ فلا بأس ان يصلي من الليل الى الصباح، ولكن اذا تعين عليه ان يطبق قوله سبحانه: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ( (النساء/ 135)؛ أن يقوم لله، ويشهد بالقسط، وينكر المنكر، ويقاوم الطاغوت، ويرفض الانحراف، فحينئذ تبدأ الصعوبة. فالذي يقوم أمام سلطان جائر وينكر عليه فساده وانحرافه، فان هذا السلطان لن يسكت عنه. ولذلك كان ابراهيم الخليل عليه السلام محطماً للاصنام، لانه رفض الانحراف، بل انه بدأ مسيرة التوحيد من خلال الرفض؛ رفض عبادة الشمس والكواكب حتى قـال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ( (الانعام/ 79)، فلولا رفضه لعبادة من هو دون الله لما كان موحدا ، ولما عمد الى تحطيم الاصنام.
الرفض بداية الايمان
وهكذا فان الرفض هو بداية الايمان، ولقد علمنا ابو عبد الله الحسين عليه السلام درس الرفض والتوحيد. فالسر الذي جعل العالم كله يقف اجلالا له عليه السلام كلما مرت ذكرى محرم؛ هو في ان منهج التوحيد علّمه كيف يرفض الانحراف ولو كلفه ذلك ان يسفك دمه. فالامام الحسين عليه السلام اعلن عن ثورته بقوله: "إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ... ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحّرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله…"، (38) فلم يقل: انا لا ابايع يزيد، بل قال: ان منهجي يختلف عن منهجه. فمثل ابي عبد الله الحسين الذي رضع من ثدي الايمان، وترعرع في حضن فاطمة الزهراء عليها السلام، وشب تحت رعاية امير المؤمنين عليه السلام لا يمكنه ان يبايع رجلاً فاسقاً كيزيد. فمن كان مع الحسين لا يمكن ان يكون مع يزيد، وهذا هو الطريق الصحيح .
ولقد اعلن الحسين عليه السلام مرة اخرى عن منهجه التوحيدي في رسالته الى العلماء، حيث نقل في هذه الرسالة حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: "من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثم لم يغيّر عليه بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله"؛ (39) اي ان الانسان الذي يداهن السلاطين ولا يتبرأ منهم، فانه سيكون شريكا في جرائمهم. وقد كان الامام الحسين عليه السلام يستهدف من هذه الرسالة استنهاض همم العلماء ليقوموا قياما واحدا ضد يزيد الطاغية.
وفي هذا المجال يقول تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ( (الزمر/17)، وفي موضع آخر يقول عز وجل: (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( (البقرة/256). فالكفر بالطاغوت هو بداية الطريق، والذي لا يكفر به لا يمكن ان يؤمن بالله. فكيف من الممكن ان تجتمع على انسان واحد قيادتان، وكيف يقوده إمامان ؛ إمام الهوى، وإمام الهدى؟. ان حركة الانسان لا تتحمل قيادتين، ولذلك فان الرفض هو بداية التسليم والايمان، وهذا هو ما فعله الامام الحسين عليه السلام. فهو لم يترك جانبا من جوانب حياتنا إلا واضاءه بنهضته الكبرى .
ان الحسين عليه السلام بدأ نهضته هذه بقضية هامة، وهي انه قد نظر الى العاقبة منذ بداية الطريق. فقد أعلن في أول خروجه من مكة المكرمة قائلاً: "…خطَّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني الى أسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف، وخيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي يتقطّعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلا،…"، ثم قال عليه السلام: "من كان فينا باذلاً مُهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فانّي راحل مصبحاً ان شاء الله ". (40)
وهكذا فانه عليه السلام لم يُمَنِّ الناس بالامارة، والنصر، والخيرات.. وانما اعلن لهم ان هذا الطريق لابد وان ينتهي بالشهادة. وعندما يتسلح قوم بهذه الفلسفة، وهذه الروحية العالية فانهم لا يمكن ان يغلبوا عن ضعف لان النهاية هي الشهادة، وهم قد بدؤوا بالنهاية هذه؛ اي اعتبروها بداية الطريق كما فعل الامام الحسين عليه السلام.
ونحن اليوم نجدد ذكرى ابي عبد الله الحسين عليه السلام، ونستقبل شهر محرم بما فيه من نفحات إلهية، وفرص للهداية، وعواطف جياشة، وأعين دامعة، وبما فيه من مجالس. علينا ان نستقبله بالكلمة المسؤولة التي تحمّل الناس مسؤوليتهم الشرعية. فالقرآن الكريم يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِاَنفُسِهِمْ( (الرعد/11)، ويقول: (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى( (النجم/40). فالكل سوف يقف في ذلك اليوم الرهيب لكي يجيب ربه ولا فرق في ذلك بين الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والغني والفقير، فالجميع سوف يحملون معهم المسؤولية، فأنت مسؤول، وأنا مسؤول، وكلنا مسؤولون.
ومن مسيرة الإمام الحسين عليه السلام ونهضته، نستلهم ثمة افكار، منها:
درس المسؤولية
1- فكرة المسؤولية وهي الفكرة الاولى التي زرعها الامام الحسين عليه السلام في روع الأمة. فهناك الكثير ممن جاء الى الامام الحسين عليه السلام وأوصاه بأن لا يحمل معه عياله وأهل بيته اذا كان متأكداً من انه سيقتل في سبيل الله، ولكنه عليه السلام كان يريد ان يعلمنا درس المسؤولية ، وان كل واحد منا يجب ان يتحمل قدرا منها. وفعلا فقد حمل الجميع هذه الرسالة في يوم عاشوراء اعتباراً من حبيب بن مظاهر ذلك الرجل الذي احدودب ظهره بسبب شيخوخته، وانتهاءاً بالطفل الرضيع علي الاصغر، وهذه هي فكرة المسؤولية التي يجب ان نبيّنها للناس عبر المنابر والمجالس .
ان الاوضاع المتردية التي نجدها في امتنا، والفساد العريض، والتشتت والاختلاف .. كل ذلك رهين بالمسؤولية التي لابد ان نتحملها؛ فالعلماء بعلمهم، والخطباء بألسنتهم ، والكُتّاب بأقلامهم، والتجار بأموالهم، وكل حسب قدرته وطاقته. فبما أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الفرائض الدينية، فالجميع يجب ان يتحملوا المسؤولية.
وكل واحد منا عندما يريد البحث عن خطيب يعلمه معالم دينه، فلابد ان يفتش عن خطيب يحمله المسؤولية، لا ان يبحث عن خطيب يبرّر له ويخدّره. فالدين ليس بالتمني، بل بالعمل والاجتهاد والورع. فالجماهير يجب ان تلتف حول خطباء ينطقون عن ابي عبد الله عليه السلام بكلماتهم وسلوكهم. فالخطيب الذي يجلس على منبر ابي عبد الله انما ينطق باسمه، فلذا لابد ان يكون مثله.
اتباع القيادة الربانية
2- أما الفكرة الثانية التي لابد ان نستقبل بها شهر محرم فهي فكرة القيادة الربانية فعندما حمل الحسين عليه السلام الراية قال: " إنا نحن أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة،…" (41)؛ أي ان الخط الصحيح يتمثل في قيادة ربانية إلهية تتصف بصفة النبوة والرسالة، أي تحمل الحقائق الالهية الى الناس. ومعنى ذلك ان القائد الشرعي هو الذي يحمل في داخله حقائق التوحيد ليحملها الى الاخرين ، وهذا هو معنى القيادة الربانية. فعندما تريد ان تعرف قائدك فانظر إليه. هل يدافع عن قيم الوحي ، وهل يدعو الى قيم الرسالة ، وهل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أم يداهن السلاطين ويسكت عنهم ؟
ومن هنا فان الامة الاسلامية لا يمكن أن يسودها الصلاح الا بالتفافها حول القيادات الربانية، وهذه القيادات لابد ان نعرفها ونبحث عنها فالله سبحانه وتعالى أخفى أولياءه بين عباده، وقد تحدّث القرآن عن صفاتهم قائلاً: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ( (المائدة/54).
اختيار المنهج السليم
3- الفكرة الثالثة التي نستلهمها من نهضة الحسين عليه السلام الكبرى هي الطريق الواضح والمنهج السليم فلقد اختار عليه السلام طريقاً ومنهجاً محددين، فلو كان قد قتل وهو متعلق بأستار الكعبة لما اصبحت ثورته عظيمة، ولكنه أعلن أولاً البراءة من المشركين، وعبأ الامة الاسلامية بالوعي ثم قَدِمَ الى كربلاء. صحيح انه عليه السلام قد استشهد في ارض بعيدة عن موطنه ولكن ارض العراق كانت مأهولة بالقرى والمدن، وهو عليه السلام عندما قتل فيها صبغ ارضها بدمه الشريف، وكانت رايته هي المنتصرة رغم انكسارها الظاهري، ولذا اصبحت الكوفة بعد ذلك بفترة قصيرة مركزاً للثورات المتلاحقة طوال تأريخها ففي سنة (65) للهجرة انفجرت حركة التوابين ثم حركة المختار، واذا ما سمعنا عن كل الحركات الكبرى في التأريخ فان منشأها الكوفة وذلك ببركة دم ابي عبد الله عليه السلام.
وعندما قتل عليه السلام في كربلاء فان أهل بيته الذين اُسروا، حملوا رسالته الى الكوفة ومنها الى الشام ثم الى المدينة. وهكذا فقد كانت رايته عليه السلام تدور في الآفاق حتى أسقطت أنظمة الطغاة.
ونحن يجب ان نفتش عن الاستراتيجية الصحيحة والمنهج اللاحب، الذي نسير به الى الاهداف المرسومة، من خلال تحمل المسؤولية، واتباع القيادة الربانية، وتعيين الستراتيجية الواضحة، وبذلك ستنتصر الامة على أعدائها، وتتغلب على مشاكلها، وتحقق اهدافها بإذن الله. وهذه هي دروس ثورة ابي عبد الله الحسين عليه السلام.
وكلمة اخيرة؛ وهي ان علينا تطهير انفسنا في هذا الشهر من الحمية الجاهلية، والافكار الخاطئة، والثقافات الدخيلة، والاحقاد والضغائن، وان نوحّد انفسنا تحت راية الاسلام والايمان. فالامام الحسين عليه السلام هو سفينة النجاة فلنركب هذه السفينة، وهو مصباح هدى فلنهتد بهذا المصباح في الظلمات، وهو شفيع هذه الامة فلنطلب الشفاعة من الله تبارك وتعالى به ليغفر الله ذنوبنا ويكفّر عنا سيئاتنا .
ونسأله تعالى أن يوفقنا لأن نكون حسينيين قولا وعملا، وأن نكون مع الحسين وتحت رايته في الدنيا والاخرة .

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب