فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
لماذا الإمام الحسين عليه السلام مصباح الهدى
من المعروف أن في جسم الإنسان نظاماً يدافع عنه ويحميه ويحول دون تسرب الجراثيم إليه أو السيطرة عليه، وإذا ما تزعزع هذا النظام في يوم من الأيام فإن الإنسان سيصاب بما يُدعى اليوم بمرض فقدان المناعة (الإيدز) وهو المرض الذي يمنح مختلف الجراثيم القدرة على القضاء على حياة الإنسان.
إن الله تبارك وتعالى حينما خلق ابن آدم، خلق له العين التي يبصر بها واليد التي يبطش بها والرجل التي يسعى بها، وخلق له اجهزة هي الغاية في الدقة والاتقان، وخلق مع ذلك كله سياجاً رصيناً يتمثل في نظام المناعة الذاتية. وكذلك أوجد سبحانه وتعالى نظام الدفاع في داخل الإنسان، حيث زوّده بشبكة بالغة التعقيد من الأعصاب، فترى لكل خلية عصبية طرفين، طرفاً في المخ وآخر مثبتاً في أطراف الجسد، فحتى لو أن نملة- على حقارة حجمها ووزنها- وقفت على إصبع من أصابع رجل الإنسان، فإنه سرعان ما ينكشف أمرها عبر ما يوعز به المخ بسرعته الخيالية، لكي تتحرك اليد -مثلاً- لتطرد هذا الجسم الغريب.
وأوجد عز وجل العين الباصرة ليكون بمقدور صاحبها دفع الخطر عن نفسه ومحيطه، أما من لم يتمتع بالأذن السامعة أو قابلية الشم أو اللمس أو التذوق فإنه سيكون عرضة للهزيمة أو الانهيار أو التضرر على أقل تقدير، لأن نظامه الدفاعي قد حلّ فيه الخلل والنقصان.
وبالإضافة إلى كل ذلك، هناك طاقة إنسانية كبرى يختزنها الإنسان ليستفيد منها في أشد الأوقات حراجة، وهي الإحساس المسبق بالخطر؛ الاحساس الذي يوفر له القدرة على التصدي والتجاوز، هذا فضلاً عن قدرة العقل والتفكير لوضع الخطط واختيار الوسائل للدفاع.
وهذا الواقع نجده ايضاً في المجتمع، حيث يملك -بما آتاه الله- القدرة للدفاع عن نفسه عبر المميزات المادية والروحية والفكرية. ولعل أول عوامل انهيار المجتمع أو الدولة هو الافتقار الى هذه المميزات. فمثلاً إذا كانت هناك دولة من أجمل وأحسن وأرقى الدول، ولكنها تفتقر إلى جيش يدافع عنها أمام الاخطار الخارجية، أو انها تفتقر إلى الجهاز الامني الذي من طبيعته المسارعة في كشف الاخطار، إن مثل هذه الدولة تصاب بالعطب والانهيار غالباً.
وعلى ذلك فإن الصحة والأمان نعمتان لا يمكن الاستعاضة عنهما بأية مميزات أخرى، سواء على الصعيد الخاص أو العام.
فالأمة التي تستطيع الدفاع عن نفسها، حيث تمتلك الشرف والإباء والحماسة وقدرة مقاومة الأخطار، هذه الأمة تبقى أمة شامخة. أما الأمة التي تفتقر إلى نظام دفاعي، أو لا تجد في قاموسها مكاناً لمعاني الشرف والحماسة والرغبة في التصدي، فإنها أمة سرعان ما تنهار وتذوب في مطامح الأمم الاخرى. وفي هذا الصدد، يقول ابن خلدون: (إن الدول إنما تقوم على أساس العصبية)، ومراده من العصبية الغيرة والحمية والشرف والاستعداد الدائم لمقاومة الأعداء والأخطار حتى الموت.
فالأمة التي تملك هذه القيمة، ويعرف أبناؤها أنّ هناك ما هو أغلى من الحياة والعيش لبضعة سنوات يبقى فيها المرء صاغراً، هذه الأمة تبقى ولا تنهار. إن هذه القيمة الإنسانية الراقية عبّر عنها أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بقوله مخاطباً أصحابه: "فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين"، (72) أي أن مصداقية حياة الإنسان لا تتحقق إلاّ بكونه منتصراً، وأن الموت يهيمن على الإنسان بكل ثقله مادام مقهوراً منهزماً وإن حلا له تصور كونه حياً...
لقد عاشت وتعيش أمتنا المسلمة منذ ما يزيد على ألف وأربع مائة سنة متحدية للزمن الصعب، حيث مرت بها حوادث كانت الواحدة منها حرّية بتدمير أي أمة من الأمم الأخرى، ولكن الأمة الإسلامية قاومت وتصدت بفضل ما تملك من نظم دفاع ووقاية. فهل تعرف أن الحروب الصليبية قد استمرت حوالي مائتي عام؛ أي ستة أجيال كاملة، وأن بعض تلكم الحملات كانت تضم ما يزيد على المليون مقاتل صليـبي تجمعوا للاستيلاء على الشرق وبالذات على بقعة صغيرة منه هي بلاد الشام أو فلسطين؟ وهل تعرف أن الحملات التترية على المسلمين قد أبادت مدناً باكملها؟ ولكن الأمة الإسلامية ظلت مقاومة صامدة بفضل تعاليم القرآن، وبفضل الملاحم التاريخية الفذة التي سجلها المسلمون بأحرف من نور، وبفضل القيم التي كرّسها المؤمنون خلال مواقفهم البطولية في الصدر الأول للإسلام، وبفضل ما غرسته ثورة الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء في نفوس المسلمين من قيم وتعاليم وبصائر.
وقد سألني أحدهم -وأنا واقف في عرفة أثناء الحج- عن السبب وراء ما أرّدده على لساني من ذكر الإمام الحسين عليه السلام رغم ان الجميع يعرف أن منادياً ينادي من قبل الله سبحانه وتعالى في يوم عرفة: "انصرفوا مغفورين فقد أرضيتموني ورضيت عنكم"(73) في وقت يراني فيه جالساً أو واقفاً وأنا أقول: "السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك.. ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم، السلام على الحسين وعلى عليّ بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين…" أو يسألني عن سبب بكائي على الحسين في عرفة واهتمامي البالغ في قراءة دعاء الإمام الحسين الذي قرأه هو في يوم عرفة..؟ ولا أجد ما أجيبه سوى القول: بأن كلما نملك فإنما هو من الإمام الحسين عليه السلام، فهو الذي علّمنا كيف ندافع عن أنفسنا في مقابل الطغاة، وأن نعيش أعزةً، وألاّ نموت إلا بعزة، فهذه الشعلة المتقدة فينا قد امتلكناها من الحسين، حيث قال سلام الله عليه: "اني لم اخرج أشراً، ولا بطراً، ولا ظالماً، ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"(74) وهذه رسالة ليس من شأنها أن تكتب بيد عادية، بل كتبت بدم الحسين ودم أبنائه ودم رضيعه سلام الله عليهم اجمعين.
اعطى الذي ملكتْ يداه إلهه حتى الرضيع فِداه كلُّ رضيعِ
لقد تعلمنا من ثورة الإمام الحسين عليه السلام وما قدمه من تضحيات
طالت أعزَّ مالديه، أن الحياة التي كتبها الله سبحانه للإنسان ليست هذه الحياة التي يضطر فيها الواحد منّا إلى الاستجداء أو خدمة الظلمة والخضوع لهم.
وقد استلهم أتباع هذا الإمام العظيم هذا الدرس المقدّس في أرض المقاومة في لبنان، حيث قدحت شرارة الدفاع المقدس في جنوب لبنان، وتمكن الشباب الثائر من إلحاق الهزيمة النكراء بالقوة الصهيونية التي كانت تقف وراءها جيوش سبع عشرة دولة. وقد سطرت المقاومة الإسلامية في لبنان آلاف الملاحم البطولية لتحقيق هذا الإنجاز العظيم، وكان في كل ملحمة من هذه الملاحم ما يهز قلب وفكر الإنسان بما للكلمة من معنى، وذلك لأن شيعة الحسين عليه السلام في الجنوب اللبناني قد فهموا الدرس الحسيني الخالد جيداً، كما أخذوا على أنفسهم أن يتأسوا بسيرة علي الأكبر و القاسم بن الحسن المجتبى، وكيف أنهما -كما يشير التاريخ الموثق لملحمة كربلاء -لم يوليا أهمية للدنيا، لأنهما قد عرفا ما حاق بالدين من خطر ماحق، وما ينتظرهما من حياة أبدية سعيدة إذا ما نهضا بوجه الظلم والطغيان. ومن هنا قال عليٌ الأكبر لأبيه الإمام الحسين عليه السلام بعد أن عرف بأن الحق معهم: "يا أبة لا نبالي بالموت"، (75) ومن هنا أيضاً رأينا كيف إن القاسم بن الحسن لم يأبه بتلك الجموع الظالمة وجلس ليصلح شسع نعله وهو محاصر بين ألسنة النيران ووابل الحجر ووميض السيوف والرماح.
واليوم نجد أن نفس هذه الروح المقدسـة قد انتقلت من المجاهديـن
اللبنانيين لتستقر في ذات الشباب الفلسطينيين الذين يتسابقون فيما بينهم لينالوا شرف الشهادة في سبيل الله، ذلك لأن قصص وملاحم التضحية والفداء قد انتقلت هي الأخرى إليهم.
أما في العراق؛ فأقولها بصراحة: إن نظام صدام لم يدع وسيلة قمع وإفساد إلا واستخدمها، ولو أننا لجأنا إلى الإحصاءات في هذا المجال لوصلنا إلى ارقام نجومية. فقد تمتع صدام بدعم كافة القوى العالمية، وكانت كافة الإمكانات الدولية تحت تصرفه بسبب ما كان يؤديه من خدمات للصليبية والصهيونية العالمية بموقفه المجرم وحربه الشعواء ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا يزال الغرب يرى ان من مصلحته التعامل مع صدام كرئيس ضعيف في المنطقة. ولكن مع كل ذلك لايزال الشعب العراقي شعباً مقاوماً، وأبرز دليل على ذلك تمسك هذا الشعب بأصالته الدينية والثورية المتمثلة في إقامة الشعائر الحسينية بمختلف الطرق رغم الحجر والمنع والتخويف والإثارة، زرافات الناس تنهمر انهمار السيل على كربلاء متحدّين موقف السلطة الظالمة ازاء احياء الشعائر الحسينية، ومقاومين لطغيانها وبطشها..
إن ملحمة كربلاء علمتنا وعلمت أبناءنا كيف نحارب في لبنان وفي فلسطين وفي أفغانستان وفي العراق لندافع عن قيمنا وشرفنا، وبهذا صار الامام الحسين عليه السلام مصباح هدى وسفينة نجاة. فأمتنا لابد لها من تجاوز الذات لتحقيق المصالح الكبرى، إذ أن الدفاع عن القيم فوق الذاتيات وفوق المصالح الفردية العقيمة، وعندئذٍ ستتحول أمتنا إلى خير أمة سواء في الدنيا أو الآخرة.
فالله تبارك وتعالىلم يقل: كنتم خير امة أخرجت للناس لأنكم تملكون الثروة أو النفط أو الموقع الاستراتيجي أو لأنكم تمتلكون نظاماً تشريعياً جيداً. كلا؛ فالذي يملك كل ما ذكرناه ولكنه يفتقر إلى قدرة الدفاع عن نفسه، يذهب كل ما يملكه هباءً منثوراً، تماماً كما الإنسان الضخم الجثة ولكنه جبان خائر العزم، لا قيمة له ولا يهابه أحد.
ربنا سبحانه وتعالى يقول: (كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر..ِ((آل عمران/110) وهو الأساس في المسألة برمتها.
ولقد قرأنا عبر الروايات التاريخية الخاصة بمقتل الإمام الحسين عليه السلام أن الطاغية يزيد قد أمر بأن يطاف برأس الإمام عليه السلام في مختلف المدن والقرى في البلاد الإسلامية، وأن الرأس الشريف كان إذا ما وضع في موضع من هذه المدينة أو تلك يقرأ قوله سبحانه وتعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ ءَايَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَاَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ لَن نَدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَآ إِذاً شَطَطاً * هَؤُلآءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْووا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيّءْ لَكُم مِن أَمْرِكُم مِرْفَقاً ( (الكهف/9-16) وذلك ليبين للناس بأنه يمثل قصة أصحاب الكهف في التاريخ المعاصر؛ أي كما قام الفتية من أصحاب الكهف وانتفضوا وبينوا الحقيقة ودافعوا عن القيم من داخل حالة الظلم، فدافع الله عنهم ونصرهم فغلب دينهم على الدين الآخر، كذلك الإمام الحسين كرر القصة نفسها، لأنه كان قد ملأه الإيمان والتصديق بوعد الله القائل: (فَلَن تَجِد َلِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً((فاطر/3).
واليوم نجد أن خط وفكر الإمام الحسين هو الذي ينتصر في كل مكان رغم ارادة الظالمين الذين مارسوا ويمارسون أنواع القمع والديكتاتورية.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يتبع نهج الحسين عليه السلام ونهج جده وأبيه المرتضى وأمه الزهراء واخيه المجتبى والأئمة المعصومين من ذريته عليهم الصلاة والسلام، وأن يجعلنا من المدافعين عن الدين والمبادئ، وأن يحيينا حياة محمد وآله ويميتنا ممات محمد وآله، وأن يثبّت لنا قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب