فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
جيم : آداب الطعام
وردت في السنة الشريفة وصايا كثيرة بشأن الطعام، ترجع في الأغلب إلى الحقول التالية:
1- نية الطعام وما يتصل بالتقوى والتزكية.
2- الهدف من الطعام وما يرتبط بصحة الإنسان وقوته.
3- الجانب الاجتماعي في الطعام.
4- البُعد الاقتصادي في الطعام.
وفيما يلي نستعرض نبذاً من هذه الحقول مع ذكر النصوص الواردة بشأنها:
أولاً: الطعام تقوى وإحسان
1- النية تصبغ عمل البشر وصبغة المؤمن النية الصالحة ، ونيته من الطعام التقوّي على طاعة الله: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ((الانعام،162)
2- وينفي الكتاب التحرّج من الطعام، فإذا كان الطعام للتقوّي على عبادة الله فلا جناح فيه: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ امَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَامَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُـحْسِنِينَ((المائدة،93)
3- والمؤمن يسمّي أول الطعام ويحمد آخره، قـال الإمام الصادق عليه السلام :إذا وضع الطعام فسمّوا، فإن الشيطان يقول لأصحابه اُخرجـوا فليــس لكم فيه نصيب، ومن لم يُسمِّ على طعامه، كان للشيطان معه فيـه نصيب.8.
4- كما أنه يدعو الله أول الطعام وآخره، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا وضع يده في الطعام قال : بسم الله ، بارك لنا فيما رزقتنا وعليك خلفه. وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه كان يقول بعد الأكل: الحمد لله الذي أطعمنا في جائعين، وسقانا في ظمآنين، وكسانا في عارين، وهدانا في ضالين، وحملنا في راجلين، وآوانا في ضاجين، واخدمنا في عانين وفضّلنا على كثير من العالمين9.
5- ولأن مائدة الطعام قد تكون مظنة الفخر والغرور، فان المؤمن يجلس عليها جلسة العبد ليكسر في نفسه سورة الغرور والحمية والانانية. قال أمير المؤمنين عليه السلام:فتأس بنبيك الأطهر الأطيب صلى الله عليه وآله، إلى أن قال: ولقد كان صلى الله عليه وآله يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري ويردف خلفه10
6- والمؤمن لا يبقي شيئاً من الطعام في قصعته، بل يلعقها لعقاً، قال أمير المؤمنين عليه السلام: من لعق قصعته صلّت عليه الملائكة، ودعت لـه بالسعة في الرزق، ويكتب له حسنات مضاعفة.11
7- كما يستحب للمؤمن أن يمص أصابعه بعد الطعام، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: من أكل طعاماً فليمص أصابعه فإن في مص أحدها بركة.12
8- والمؤمن يكرم ما أنعم الله عليه من خبز وحنطة وشعير، ويتحاشى إهانتها، حيث روي عن الإمام الصادق عليه السلام، أنه سئل عن الصلاة على كدس الحنطة، فنهى عن ذلك، فقيل لـه: فإذا افترش وكان علـى السطح؟ فقال: لا يصلى على شيء من الطعام، فإنما هو رزق الله لخلقه ونعمته عليهم، فعظّموه ولا تهاونوا به فإن قوماً ممن كان قبلكم وسع الله عليهم في أرزاقهم، فاتخذوا من الخبز النقي مثل الافهار فجعلوا يستنجون به، فابتلاهم الله عز وجل بالسنين والجوع فجعلوا يتتبعون ما كانوا يستنجون به فيأكلونه وفيهم نزلت هذه الآية:
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِاَنْعُمِ اللَّهِ فَاَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ((النحل،112)13
9- وهكذا المؤمن تتمتع روحه بالطعام فيشكر الله عليه وعلى العافية والأمن قبل أن يطعم وأثناء الطعام وآخره، ويتذكر المؤمن عند الطعام انه كم نعمة يفقدها الآخرون ووفرها الله له ، فله الحمد والشكر.
ثانياً: الطعام لذة وصحة
لعل كلمتي الهنيء والمريء، تعكسان حاجة الإنسان إلى اللذة العاجلة عند الطعام، وإلى العافية بعده، وعلى الإنسان أن يختار طعامه إختياراً دقيقاً؛ أولاً: ليتهنأ به، فلا يأكل كما تأكل الأنعام التي لا تهدف إلا امتلاء البطن وأداء وظيفة فيسيولوجية، وثانياً: لينتفع به في المستقبل صحة وقوة ونشاطاً.
وهكذا المؤمن يتفنن في أصل الطعام، وفي مائدته وظروفه وأوانيه بإناقة وجمال، ودون إسراف وترف:
1- إنه يأكل باليمين، لان في اليمين الشرف والاحترام، فقد روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: لا يأكل الرجل بشماله ولا يشرب بها ولا يتناول بها إلا من علّة.14
2- والمؤمن يأكل مجتمعاً مع أهله وإخوانه، لان لذة الطعام أهنأ بالاجتماع، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أحب الطعام إلى الله ماكثرت عليه أيدي المؤمنين، وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال: أكثر الطعام بركة ماكثرت عليه الأيدي15.
3- إنه يتجنب الأكل في السوق، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه، قال: الأكل في السوق دناءة.16
4- ولا يأكل الطعام الحار. روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: اُتي النبي صلى الله عليه وآله بطعام حار جداً، فقال صلى الله عليه وآله: ما كان الله ليطعمنا النار، اقروه حتى يسكن (ظ) فإن الطعام الحار جداً ممحوق البركة، للشيطان فيه شرك17.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: اقروا الحار حتى يبرد ويمكن أكله، ما كان الله ليطعمنا النار، والبركة في البارد.18
5- وإنه يجيد الطعام إجادة. فقد روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام، أنه قال لبعض أصحابه وهو يأكل معه: يعرف مودة الرجل لأخيه بجودة أكله، وأنه ليعجبني الرجل يأكل من طعامي فيجيد في الأكل، يسرني بذلك.19
وهناك تعاليم أخرى كثيرة في الالتذاذ بالطيبات يجمعها قوله سبحانه:
( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ((الاعراف،32)
فالزينة والطيبات من رزق الله للمؤمنين، ولهم أن ينتفعوا بها بالتمام والكمال.
وأما ما يتصل بالصحة فإن جانباً كبيراً من وصايا الإسلام وتعاليم الكتاب والسنة يرتبط بها، وإنما نستعرض فيما يلي بعض الأمثلة فقط:
أ- يكره الشبع وكثرة الأكل، كما يكره الأكل على الشبع، فقد روي عن رسول الله أنه قال: لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلوب تموت كالزرع إذا كثر عليه الماء.20
وقال صلى الله عليه وآله: إياكم والبطنة، فإنها مفسدة البطن ومورثة للسقم، ومكسلة عن العبادة.21
وعن النبي صلى الله عليه وآله أيضاً قال: من تعوّد كثرة الطعام والشراب قسى قلبه.22
وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: من كثر أكله، قلت صحته، وثقلت على نفسه موتته.23
ب- ويستحب الاقتصار في الأكل على الطعام غدوة وعشاء؛ أول النهار وأول الليل. فقد روي عن علي بن أبي الصلت ابن اخي شهاب بن عبد ربه قال: شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام ما ألقى من الأوجاع والتخم، فقال: تغد وتعش ولا تأكل بينهما، فإن فيه فساد البدن، أما سمعت الله عز وجل يقول: ( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً( (مريم،62)24
ويكره ترك العشاء خصوصاً للشيخ والكهل، فقد روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام، أنه قال: وينبغي للرجل إذا سن أن لا يبيت إلا وجوفه مملؤ طعاماً.25
ويستحب أكل شيء ولو خبزاً وملحاً قبل الخروج من البيت، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إذا صليت الفجر فكل كسرة تطيب بها نكهتك، وتطفى بها حرارتك، وتقوم بها أضراسك، وتشد بها لثتك، وتجلب بها رزقك، وتحسن بها خلقك وبهذه التعاليم نظم الإسلام وجبات الطعام26
ج- أما عن طبيعة المائدة وما فيها فقد وردت أخبار كثيرة عنها :
1- من المستحب إجادة الطعام. روي عن الصادق عليه السلام قال: لو أن رجلاً أنفق على طعام ألف درهم وأكل منه مؤمن ، لم يعد سرفاً.27
2- كما يستحب أن يكون عليها البقل، فقد قال أبو عبد الله عليه السلام: لكل شيء حلية، وحلية الخوان البقل28.
3- ويستحب أن يكون فيها اللحم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سيد طعام الدنيا والآخرة اللحم.29
4- ويستحب تفضيل خبز الشعير على القمح، وقد روي عن أبي الحسن عليه السلام، قال: فضل خبز الشعير على البُـر كفضلنا على الناس، ما من نبي إلا وقد دعا لأكل الشعير وبارك عليه، وما دخل جوفاً إلا وقد خرج كل داء فيه، وهو قوت الأنبياء وطعام الأبرار، أبى الله أن يجعل قوت الأنبياء للأشقياء.30
5- ويستحب أن يختار لحم الضأن، وروي : كُلِ اللحم النضيج من الضأن الفتى أسمنه، لا القديد ولا الجزور ولا البقر.31
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ، قال: إن الله عز وجل اختار من كل شيء شيئاً (إلى إن قال): واختار من الغنم الضأن.32
6- ولا بأس بلحم البقر على كراهته، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من أكل لقمة سمينة نزل من الداء مثلها من جسده، ولحـم البقر داء وسمنها شفاء ولبنها دواء، وما دخل الجوف مثل السمن.33
7- ويستحب أكل الفراخ، فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: أطيب اللحم، لحم فراخ نهض أو كاد ينهض.34
8- ويستحب اختيار الذراع والكتف، روي عن الرضا عليه السلام، قال: اشتر لنا من اللحم المقاديم ولا تشتر المآخير، فإن المقاديم أقرب من المرعى وأبعد من الأذى.35
9- ويستحب أكل الكباب لدرء الضعف، روي عن موسى بن بكر الواسطي قال: أرسل إلي أبو الحسن عليه السلام فأتيته، فقال: مالي أراك مصفراً؟ وقال: ألم آمرك بأكل اللحم؟ فقلت: ما أكلت غيره منذ أمرتني، فقال: كيف تأكله؟ قلت: طبيخاً، قال: كله كباباً، فأكلت، فأرسل إلي بعد جمعة، فإذا الدم قد عاد في وجهي.36
10- وكذلك تناول الخل والزيت لذات السبب، روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام، قال: نعم الادام الخل ، ونعم الادام الزيت، وهو طيب الأنبياء وإدامهم وهو مبارك37 ويستحب ألاّ يخلو البيت من الخل. قال أبو عبد الله عليه السلام: وأدمنوا الخل والزيت في منازلكم، فما افتقر أهل بيت كان ذلك ادمهم.38
11- ويستحب أكل تمرات على الريق (صباحاً) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أصبح بتمرات من عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر.39 وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كلوا التمر على الريق فإنه يقتل الدود40.
12- ويستحب أكل التفاح والتداوي به ، قال أبو عبد الله عليه السلام: لو يعلم الناس ما في التفاح ما داووا مرضاهم إلا به، وإنه أسرع شيء منفعة للفؤاد خاصة وانه نضوحه.41
13- كما يستـحب تناول الهندباء، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: كل الهندباء، فما من صباح إلا ويقـطر عليه من قطر الجنة42، وعن الصادق عليه السلام، قال: من أكل الهندباء كُتب من الآمنين يومه ذلك وليلته43.
14- وهكذا يستحب التداوي بالكراث ، روي عن الإمام الباقر عليه السلام: انه شكا إليه رجل من أوليائه وجع الطحال، وقد عالجه بكل علاج، وانه يزداد كل يوم شراً، حتى أشرف على الهلكة، فقال عليه السلام: اشتر بقطعة فضة كراث، واقله قلياً جيداً بسمن عربي، وأطعم من به هذا الوجع ثلاثة أيام فإنه إذا فعل ذلك برىء إن شاء الله تعالى.44
وهناك تعاليم كثيرة اُخرى في طبيعة الأكل لا يسعنا استقصاؤها، ويجمعها الاهتمام بالمائدة من الناحية الصحية لتكون متكاملة، سواء من ناحية الفواكه والبقول، أو من ناحية الخبز والادام، وأن تكون غنية بكافة المواد التي يحتاجها جسم الإنسان، والتي تزيد الإنسان صحة ونشاطاً.
د- أما عن طريقة الأكل ، فهناك تعاليم كثيرة أيضاً، منها:
1- غسل اليدين قبل الطعام وبعده، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال: من غسل يديه قبل الطعام وبعده بورك له في أول الطعام وآخره.45
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: غسل اليدين قبل الطعام وبعده ينفي الفقر ويجلب الرزق46
وعن الصادق عليه السلام أنه قال: إذا غسلت يدك من الطعام فامسح بهما وجهك من قبل أن تمسحهما بالمنديل، وقل: اللهم اني أسألك الزينة والمحبة وأعوذ بك من المقت والمغضبة.47
2- كراهة الأكل متكئاً ومنبطحاً، فقد روي عن علي صلوات الله عليه ، أنه قال: لا تأكل متكئاً كما يأكل الجبارون، ولا تربع.48
وعن الصادق عليه السلام، أنه قال: لا تأكل متكئاً، وان كنت منبطحاً هو شر من الاتكاء.49
3- ويكره أن يضع رجلاً على رجل عند الطعام، روي عن أبي عبد الله عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، آنه قال: إذا جلس أحدكم على الطعام فليجلس جلسة العبد، ولا يضعن أحدكم إحدى رجليه على الاُخرى، ولا يتربع فانها جلسة يبغضها الله عز وجل، ويمقت صاحبها50.
4- كذلك يكره الأكل ماشياً، روي عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: لا تأكل وأنت ماش، إلا أن تضطر إلى ذلك.51
5- ويستحب بعد الأكل أن يستلقي ويضع رجله اليمنى على الأخرى، روي عن الصادق عليه السلام، أنه قال: الاستلقاء بعد الشبع يسمن البدن، ويمرئ الطعام، ويسل الداء.52
وعن الرضا عليه السلام: ومن أراد أن يستمرء طعامه فليستلق بعد الأكل على شقه الأيمن، ثم ينقلب على شقه الأيسر حتى ينام.53
6- ويستحب أن يبدأ بالملح ويختم به، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: من افتتح طعامه بالملح وختم به عوفي من اثنين وسبعين داء، منها الجذام.54
7- ويكره أن ينفخ في الطعام، روي عن علي عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن أربع نفخات ؛ في موضع السجود، وفي الرقا، وفي الطعام، والشراب.55
ويستحب عند الأكل أن يلاحظ عدم الأكل من رأس الطعام وأن يأكل مما يليه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا أكلتم الثريد فكلوا من جوانبه، فإن الذروة فيها البركة.56
وقـال رسـول الله صلى الله عليه وآله: إذا وضعت المائدة فليأكل أحدكم مما يليه ولا يناول ذروة الطعام فإن البركة تأتيها من أعلاها، ولا يقوم أحدكم ولا يرفع يده وان شبع حتى يرفع القوم أيديهم فإن ذلك يخجل جليسه.57
8- وأن يأكل بثلاث أصابع، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الأكل بإصبع واحد أكل الشيطان، وبالاثنين أكل الجبابرة، وبالثلاث أكل الأنبياء عليهم السلام.58
9- ويستحب تخليل الأسنــان بعد الأكل، قال رسول الله صلى الله عليـه وآلـه: تخللوا على اثر الطعام، فإنه صحة للناب والنواجذ ويجلب على العبد الـرزق.59
وقال النبي صلى الله عليه وآله: نقوا أفواهكم بالخلال، فإنه مسكن الملكين الحافظين الكاتبين، وان مدادهما الريق وقلمهما اللسان، وليس شيء أشد عليهما من فضل الطعام في الفم.60
10- ويستحب أن يغسل الفم بالسعد بعد الطعام (للتطيب)، وربما يستحب كل طيب، روي عن الباقر عليه السلام: أنه كان إذا توضأ بالاُشنان ادخله فاه فتطاعمه ثم رمى به.61
11- ويستحب غسل خارج الفم بالاشنان (أو بكل منظف آخر).
ثالثا: الطعام صلة اجتماعية
بالطعام تنشرح النفس، وهو نشرة من الانقبـاض والضيق، وهكذا فهو مناسبة
للعلاقة الاجتماعية سواء في إطار العائلة أو خارجها. من هنا أدب الاسلام المؤمنين بجملة آداب في الطعام تزيد من علاقاتهم ببعضهم، منها ما يلي:
أ- يكره أن يأكل الانسان زاده وحده ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : أنه لعن ثلاثة؛ آكل زاده وحده، وراكب الفلاة وحده، والنائم في بيت وحده.62
ب- ويستحب الاجتماع على الطعام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه أيدي المؤمنين.63 وعن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال: أكثر الطعام بركة ما كثرت عليه الأيدي.64
ج- ويستحب إقراء الضيف والاحتفاء به، روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: إن من مكارم الأخلاق إقراء الضيف.65
د- وتستحب إجابة دعوة المؤمن ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال: من لم يجب الدعوة ، فقد عصى الله ورسوله.66
هـ- ويستحب مؤكداً إطعام الطعام ، روي عن علي عليه السلام، انه قال: لأن اجمع نفراً من إخـواني على صاع أو صاعين، احب إلي من أن اخرج إلى سوقكم هذه فاعتق نسمة67 وعن جعفر بن محمد عليهما السلام، انه قال: إطعام مؤمن يعدل عتق رقبة.68
و- وحتى يستحب تناول المؤمن اللقمة، إذ روي عن النبي صلى الله عليه وآله ، قال: من أُلقم في فم أخيه المؤمن لقمة حلو لا يرجو لها رشوة ولا يخاف بها من شره، ولا يريد إلا وجهه تعالى، صرف الله عنه بها مرارة الموقف يوم القيامة.69
ز- ويستحب لأهل البلد استضافة من يرد عليهم من إخوانهم، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: إذا دخل رجل بلدة فهو ضيف على من بها من أهل دينه حتى يرحـل عنهم، ولا ينبـغي للضيف أن يصوم إلا بإذنهم لئلا يعملـوا له الشيء، فيفسد عليهم، ولا ينبغي لهم أن يصوموا إلا بإذنه لئلا يحتشمهم فيترك لمكانهم.70
ح- ويستحب إكرام الضيف وتوقيره، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.71
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: اكرم ضيفك وإن كان حقيراً72.
وهناك تعاليم كثيرة في طريقة إكرام الضيف، وآداب الضيافة تزيد المؤمن علاقة بأخيه، وتحوِّل الطعام إلى مناسبة اجتماعية بهيجة.
رابعاً: الطعام وتدبير المعيشة
وعلى الإنسان أن يقتصد في معيشته، ويهتم بطعامه بقدر سعته، فلا يتكلف ما ليس لـه، وقد وفر الله سبحانه أكثر ما يحتاجه البشر من الطعام، بحيث يمكن أن يدبر المؤمن نفسه دون تكلف ودون أن يتضرر بشيء، وفيما يلي بعض التعاليم في هذا الشأن:
أ- يستحب أن يقدر الإنسان الطعام بقدر سعته، روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام، أنه قال: ليس في الطعام سرف.73
ب- وعادة تكون مناسبة الضيافة وسيلة للتكلف في الطعام، وقد نهى الإسلام عن ذلك، حيث يستحب للضيف ألا يكلف صاحب المنزل شيئاً، روي عن الحسين بن علي عليهما السلام، قال: دعا رجل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال له: أجبت على أن تضمن لي ثلاث خصال، قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: أن لا تدخل عليّ شيئاً من خارج ، ولا تدخر عني شيئاً في البيت ولا تجحف بالعيال، قال: ذلك لك. فأجابه علي عليه السلام.74
ومن جهة اُخرى يستحب إلا يستقل الضيف ما يُقدَّم لـه من نعم الله، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: ومن احتقر ما يقرب إليه أخوه لم يزل في مقت الله يومه وليلته.75
كما يستحب ألا يحتشم منه، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: أكرم أخلاق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين التزاور في الله، وحق على المزور أن يقرب إلى أخيه ما تيسر عنده ولو لم يكن إلا جرعة من ماء، فمن احتشم أن يقرب إلى أخيه ما تيسر عنده، لم يزل في مقت الله يومه وليلته.76
ج- ولا يجوز أن يبتغي المرء بطعامه الرياء والسمعة، مما يكلفـه فوق طاقته عادة، روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أطعم طعاماً رئاء وسمعة، أطعمه الله من صديد جهنم، وجعل ذلك الطعام ناراً في بطنه حتى يقضي بين الناس يوم القيامة.77
د- وقد يسبب التساهل في الانتفاع بالطعام الاسراف، وهكذا وردت تعاليم إسلامية للاهتمام بالطعام، فيكره رمي الفاكهة قبل استقصاء أكلها. روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام، أنه نظر إلى فاكهة قد رميت في داره لم يستقص أكلها فغضب ، فقال: ما هذا؟ إن كنتم شبعتم، فإن كثيراً من الناس لم يشبعوا، فأطعموه من يحتاج إليه.78
ويستحب إذا حضر الخبز ألا ينتظر به غيره، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: أكرموا الخبز، فإن الله تبارك وتعالى انزل له بركات السماء، قيل: وما إكرامه؟ قال: إذا حضر لم ينتظر به غيره79.
ويستحب تصغير الرغيف ، روي عن النبي صلى الله عليه وآله ، أنه قال: صغروا رغافكم، فإن مع كل رغيف بركة80.
ويستحب إكرام الخبز ، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنه قال: من وجد كسرة خبـز ملقاة على الطريـق، فأخـذها فمسحها ثم جعلها في كوة، كتب الله له حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، فإن أكلها كتب الله له حسنتين مضاعفتين81.
نسأل الله أن يوفقنا للتفقه في الدين، والانتفاع بتعاليمه التي هي حياة القلب والجسم، انه ولي التوفيق.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب