فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
مكاسب رمضانية عندما نقترب من نهاية شهر رمضان المبارك، وبعد مرورنا ببرنامج حافل من التزكية وبناء الذات، لابد أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال المهم: كيف نكرس مفاهيم وقيم الايمان وروح التقوى التي حصلنا عليها في هذا الشهر الفضيل في أنفسنا دائماً وأبداً؟ وسبب هذا التساؤل هو أننا نرى -وللأسف الشديد- إن بعض المسلمين -وهم ليسوا بالقليل- لا يصلّون إلاّ في شهر رمضان. فترى الواحد منهم يغتسل أول يوم من أيام شهر رمضان غسل التوبة ويغيّر ملابسه، فلا تلقاه إلاّ في المساجد والمحافل الدينية والروحية، فيصوم النهار، ويتعبد في الليل إلى يوم العيد، ليعود في هذا اليوم إلى موبقاته، وخطاياه، وآثامه، وكأن من الواجب عليه أن لا يكون إنساناً صالحاً إلاّ في شهر رمضان!! ترى ما هو السبيل إلى أن لا نكون ضمن هذه الفئة من الناس، وكيف نمتنع في شهر رمضان عن الغيبة، والتهمة وسوء الظن بالآخرين، وسائر الصفات السيئة، ثم نستمر على هذه الحالة حتى بعد شهر رمضان؟ للإجابة على هذا التساؤل المهم نقول: إن هناك حقيقة أكدت عليها الروايات والأحاديث الشريفة، وهي أن الإنسان الذي يتوب إلى الله جل وعلا، إن قبلت توبته، فان قلبه سوف لا يحن إلى الذنب مرة أخرى، وان لم تقبل فانه يبقى في حالة حنين واشتياق إلى اقتراف الذنب. ونحن في الليالي الأخيرة من شهر رمضان المبارك نؤكد الميثاق مع الله تبارك وتعالى على أن لا نعود مرة أخرى إلى الذنوب، ونستغفر خالقنا بقلوبنا كما نستغفره بألسنتنا. فما علينا في هذه الحالة إلاّ أن نراجع قلوبنا؛ فان كانت تريد العودة إلى الذنوب، فهذا يعني أن توبتنا لم تقبل بعد، وأن علينا أن نجتهد فيما تبقى من شهر رمضان. أما إذا أصبح القلب كارهاً للذنب، و استشعر الندم الحقيقي، فحينئذ ستكون التوبة مقبولة إن شاء الله تعالى. تحديد الذنوب وعلينا نحن أن نحدد أولاً الذنوب التي ندمنا عليها، والتي أقلعنا عنها، أما أن ندعي أننا منزهون عن الخطايا، ونزكي أنفسنا، ونرى أننا طاهرون مطهرون، فان هذا التصور يعتبر - بحد ذاته - أعظم الذنوب. فالعجب، والغرور، وتنزيه النفس، كل ذلك هو من الكبائر. وبناء على ذلك؛ فمما لاشك فيه إننا قد اقترفنا الذنوب، فلنعيّنها بالتحديد. ولنقم بهذه العملية في الليالي الأخيرة من شهر رمضان المبارك من خلال تحديدها، والندم عليها، والاستعاذة بالله العزيز من شر الشيطان الذي دفعنا إلى ارتكابها. فلنبادر إلى تسجيلها، ولنعقد العزم من الآن على أن لا نعود إليها، ولنحاسب أنفسنا يومياً لنرى هل عدنا إلى اقتراف ذنوبنا أم لا، وإلاّ فان من العبث أن نستغفر الله تبارك وتعالى من الذنوب ثم نرتكبها مرة أخرى. فمن يضمن انك بعد تلك الذنوب ستوفق إلى التوبة؟ فهناك من الذنوب ما ينساه الإنسان، فما من أحد يستطيع أن يدعي أنه يتذكر كل ذنوبه. الأجواء الإيمانية وثمة ملاحظة تتمثل في أن الإنسان بإمكانه أن يبقى طاهراً إذا عاش في جو طاهر، وبيئة نقية نزيهة. فهو يتعرض في هذه الدنيا إلى ضغوط الشهوة من الداخل، والمجتمع من الخارج، والشيطان من الداخل والخارج معاً، فلا يدعه كل ذلك يعيش نقياً طاهراً من الذنوب إلا بالجد والإجتهاد. وهكذا فلا بد من أجل أن نحافظ على مكاسبنا الإيمانية التي حصلنا عليها خلال شهر رمضان أن ندخل في حصن الولاية؛ أي أن يجتمع بعضنا إلى بعض، ونكون ضمن تجمعات إيمانية صادقة يوحي بعضها إلى بعض تقوى الله، وتتبادل النصيحة، ويحرض بعضها البعض الآخر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالتالي فان هذه التجمعات ستمنحنا حصانة تحول دون الوقوع في الذنوب مرة أخرى. ربيع الايمان إن شهر رمضان الفضيل هو بالنسبة إلينا ربيع الايمان، وربيع التقوى، وربيع الصفات الحسنة، وربيع تلاوة القران الكريم... ومن المعلوم أن نفوسنا تشحن في الليالي والأيام الأخيرة من شهر رمضان بسيل من التوجيهات والتعليمات، ولو أننا استفدنا من كل توجيه وحديث فائدة حقيقية تنفذ إلى قلوبنا، وإذا ما استوعبنا من كل حديث كلمة معبرة، ونصيحة مؤثرة، فسوف ينهمر علينا شلال من النور، وسيل غامر من الرحمة الإلهية. إن شهر رمضان هو شهر الله، والشيطان الرجيم مغلول ومقيد فيه. فلا بد لكل واحد منا أن يحافظ على هذه الأجواء الروحية، والتعاليم والقيم من خلال الحرص على تشكيل تلك التجمعات، والانضمام إليها. ومن الحقائـق الملموسة في علمنــا، أن كل واحد منا لا يمكنه أن يعيش فرداً، بل لابد له من العيش في إطار تجمع. وحتى المؤمنون في الجنة، فعلى الرغم من انهم في شغل فاكهون هم وأزواجهم، إلاّ انهم يتخذون أصدقاء وأصحاباً يجلسون معهم، ويتحدثون إليهم. وبالتالي فان لذات الجنة لا تشغلهم عن لذة مجالسة اخوتهم. وهكذا الحال بالنسبة إلى الدنيا، فان لذة الإنسان المؤمن تتمثل في لقاء الله جل وعلا، ولقاء الاخوة الذين يحبهم في الله. توحيد القلوب وبالطبع فان هناك بعض الثغرات والنواقص الروحية في نفوسنا، مما يستغلها الشيطان في سبيل إفساد العلاقات الودية فيما بين الإخوان، فلنحاول في شهر رمضان بما استغفرنا ربنا، وبما استطعنا أن نرفع الحواجز التي كانت قائمة بيننا وبين اخوتنا، أن نقترب منهم. فحبهم في ذات الله هو مقياس لمدى إيماننا، ومدى قدرتنا على حل مشاكل مجتمعنا. وللأسف فان بعض المجتمعات تعاني من تخلّف أخلاقي، حيث تدعو إلى التدابر والقطيعة، وتدفع إلى التنابز بالألقاب القبيحة. فلنحاول أن نتخلص من هذه الرواسب. فمن المفترض فينا أن لا نفتش عن أبناء مدينتنا أو جيراننا أو أقربائنا لكي نتخذهم أصدقاء، بل علينا أن نبحث عن اخوة لنا في الايمان حتى ولو كانوا أبناء مــدن وبلدان أخرى لكي نحتضنهم ونتخذهم أصدقاء. وهذا هو المستوى الذي يجب أن نرتفع ونسمو إليه. ولنا في سيرة النبي صلى الله عليه وآله خير قدوة وأسوة حسنة لنا في هذا المجال. فقد جعل صلى الله عليه وآله وسلم سلمان الفارسي من أهل بيته فقال: "سلمان منا أهل البيت".19 وهكذا الحال بالنسبة إلى إبن أم مكتوم الرجل الضرير والمعدم، الذي كان منبوذاً في المجتمع الجاهلي، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي...وهذا هو السر الذي جعل أهل أفريقيا - مثلاً - يؤمنون بالإسلام، ويمقتون العنصرية والجاهلية الغربية، وهو نفسه السر الذي جعل أهل إيران يفتخرون بسلمان المحمدي، ذلك لأنه أدرك أن الإسلام لا مكان للعنصرية فيه. فلنحاول نحن أيضاً أن نعود إلى صفاء إسلام ونقائه وروحه، وان كانت هناك عصبية فلنبتعد عنها ابتعادنا عن الجيفة المنتنة. فقد روي أبي عبد الله الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: " من تعصَّب عصبه الله عز وجل بعصابة من نار ".20 الاستمرارعلى الممارسات العبادية إن الذي نحتاجه من أجل أن نحمل هدى رمضان إلى الأشهر الأخرى، هو أن نحافظ ونواظب على بعض الممارسات التي اكتسبناها من شهر رمضان، مثل صلاة الليل وتلاوة القران وقراءة الأدعية، وما إلى ذلك من الممارسات العبادية. وبالطبع فإني لا أقصد أن يعوِّد أحدنا نفسه على أداء تلك العبادات كلها، فمن الممكن أن تكون هذه العملية صعبة علينا، بل لنحاول أن نتعود على واحدة من تلك الممارسات على الأقل، وأن لا نتركها. كأن نستمر - مثلاً - في تلاوة القران الكريم، ونواظب عليها بعد شهر رمضان المبارك. ولنا في سلفنا الصالح خير قدوة في هذا المجال، فقد كان كل واحد منهم يختم القران الكريم في كل ليلة، فيبدؤون بقراءته من أول الليل ليفرغوا منه في آخره، وذلك في شهر رمضان. أما نحن فلا نقرأ منه سوى جزء في الليلة الواحدة، وبالطبع فانه لا بأس بهذا المقدار من القراءة شريطة الاستمرار عليها بعد شهر رمضان، لان هذا الاستمرار من شانه أن يكرس هذه العادة الحسنة في أنفسنا، ويجعلها تؤتي ثمارها وأكلها المتمثل في تهذيب السلوك، وتعديله على ضوء وصايا وتوجيهات وإرشادات هذا الكتاب العظيم.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|