فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
في استقبال العيد وعندما نقف على أعتاب نهاية شهر الله، ونقترب من ليلة العيد، لابد أن نتساءل: ما هو واجبنا في الأيام المتبقية من شهر رمضان الكريم؟ وللجواب نقول: لابد أن نلح على الله عز وجل في أن يغفر لنا فيما بقي من شهر رمضان، إن لم يكن قد غفر لنا فيما مضى منه، وأن لا يدع هذا الشهر الكريم ينقضي عنا دون أن يشملنا بواسع رحمته. فليالي شهر رمضان كلما اقتربت من نهايتها، كلما كانت أكثر استيعاباً للرحمة الإلهية، واستجابة الدعاء. وفي ليلـة العيد يغفــر الله عز وجل لعباده بقدر ما غفر لهم في ليالي رمضان بأجمعها. فإن فاتتنا المغفرة فيما مضى من هذا الشهر، فلنسع جاهدين من أجل أن لا تفوتنا فيما بقي منه، وهذا هو واجبنا الأول. أما الواجب الثاني فيتمثل في ضرورة التهيؤ النفسي والسلوكي لاستقبال عيد الفطر. فكيف نستعد لهذا العيد، بل ما هو هذا العيد أساساً؟ إن العيد ليس إلاّ دعوة لمراجعة الماضي، وإعادة النظر فيه، ومحاولة تحقيق مستقبل أفضل من واقع الإنسان الذي مضى ليبدأ مرحلة جديدة ذات مواصفات جديدة. فالعيد يكرس الخصال الحميدة التي اكتسبناها خلال شهر رمضان أو فيما سبقه من الأيام. ومن الناحية المبدئية هناك عيدان رئيسيان للمسلمين؛ العيد الأوّل هو عيد الفطر الذي يحل بعد شهر رمضان، حيث يغتسل الإنسان في بحار رحمة الله تعالى، ويخرج من ذنوبه. أما العيد الثاني - وهو عيد الأضحى المبارك - فيأتي هو الآخر تتويجاً لرحلة ربانية أخرى يقوم بها الإنسان أثناء الحج بجسمه، في حين يقوم بها المسلمون في كافة أنحاء الأرض ممن لم يوفقوا إلى الحج بقلوبهم وأرواحهم، لتتوج هذه الرحلة في نهاية المطاف بالعيد. تكريس المكاسب الروحية وبنـاءً على ذلك فـإن العيـد - في معنـاه الدقيـق- هو تكريـس وتثبيت لتلك المكاسب الروحية التي حصل عليها الإنسان المسلم خلال شهر رمضان، أو أثناء العشرة الأولى من شهر ذي الحجة التي تمثل موسم الحج. وهكذا فان العيد هو تثبيت للمكاسب السابقة، وتدشين للمرحلة القادمة، وتأكد من سلامة مواقعنا السابقة، وعزم على البدء بمرحلة جديدة. وإذا كان العيد هكذا، فان استقبالنا له ينبغي أن يكون وفق هذا الأفق والرؤية، وذلك من خلال البرامج التي نريد أن نطبقها فيما بعد يوم العيد. إننا نكتسب في كل عام خلال البرامج الروحية لشهر رمضان آداباً ورؤى جديدة، وبذلك يرتفع مستوانا الروحي على المستوى السابق ارتفاعاً ملحوظاً، فعلينا أن نكرس هذا الارتفاع في العيد أوّلاً ثم نبدأ بوضع برامج تفصيلية للمرحلة القادمة، لكي نحافظ على هذا المقدار المبارك من المكاسب التي حصلنا عليها خلال شهر رمضان الفضيل، سواء كانت هذه المكاسب علمية أو روحية أو حتى سلوكية. ونحن نكتشف خلال هذا الشهر المبارك أن كل واحد منا يعاني من نقائص؛ كأن يكون فينا مقدار من الكسل، أو شيءٌ من الضجر والقلق، أو الأنانية والذاتية، أو قدر من الانطواء والانغلاق، أو عدم الالتزام الكامل بالعهود والمواثيق، وعدم تطابق القول مع الفعل، وما إلى ذلك من صفات سلبية يكتشفها الواحد منا في ذاته خلال شهر رمضان، ثم يعقد العزم الراسخ على أن يقتلعها بكل وسيلة ممكنة. إننا إذا أردنا أن نقتلع هذه الصفات السلبية من نفوسنا، فلابد من أن نضع لأنفسنا برامج تربوية. فنحن لا نستطيع أن نغيّر حياتنا إلاّ من خـلال هذه البرامج التربوية التي يجب أن نستغل كل لحظة من لحظات أوقاتنا في سبيل وضعها، والتفكيـر العميق فيها، وذلك من خـلال تنظيـم هذه البرامج وفق المكاسب التي حصلنا عليها خلال أيام شهر رمضان. تمتين العلاقات الاجتماعية ومن البرامج المتعارف عليها في العيد، عودة الإنسان إلى المجتمع. فمن العادات والتقاليد المعروفة في هذه المناسبة التزاور، والتهادي، وتبادل التهاني والتبريكات. وبناء على ذلك فان أيام العيد تعتبر فرصة ثمينة لتمتين أواصر العلاقات الاجتماعية، لأننا إذا تركنا هذه العلاقات تزداد سوءاً وانهياراً حتى تصل إلى الصفر، فان من الصعب علينا - حينئذ - أن نعيد بناء هذه العلاقات. فلا بد من أن نبقي هذه العلاقات في مستوى، بحيث نستطيع أن نوثقها متى ما شئنا، ومتى ما شعرنا في أنفسنا بحاجة إلى تمتينها. ولذلك فـان من الواجب على كل واحد منا خـلال أيام العيد، أن يحاول إعادة علاقاته السابقة، كأن يكتب رسالة تهنئة أو يتصل هاتفياً، أو يزور إخوته وأقاربه أو من تعرَّف عليه في يوم من الأيام من خلال سفرة أوفي أيام الدراسة.. وليكن اهتمامنا في هذا المجال منصباً على صلة الرحم. إن الإنسان لا يمكنه أن يعيش من دون المجتمع. فالمجتمع ليس فكرة هُلامية في الفضاء، بل هو خلايا متصلة مع بعضها. أقرب هذه الخلايا إلى أنفسنا أسرتنا وأقاربنا، ثم شعبنا وأمتنا. ولابد أن نبدأ بالخلية الأولى فنعمل على تمتين علاقتنا بها، ثم الخلية الثانية، والثالثة وهكذا. فلنحاول أن نعطي من أنفسنا لإخواننا بقدر ما يعطون لنا، ففي هذه الحالة سوف لا نخسر شيئاً، بل سنربح لأننا بهذا الأسلوب سوف نكسب حب الآخرين لنا، ونكرس حبنا فيهم. وسواء أحَـبّك الآخرون أم أحببتهم فان هذا يعد مكسباً عظيماً. كم هو جميل أن نشارك أولئك الذين لا عيد لهم كاليتامى والأرامل والمرضى ونزلاء المستشفيات والغرباء المنبئين هنا وهناك... وفي هذا المجال ينبغي أن نضع في أيـّام العيد برنامجاً لزيارة بيوت المساكين وتفقّد أحوالهم، وعيادة المرضى الذين لا يستطيعون أن يعيشوا بهجة العيد مع الآخرين، ولنشارك الضعفاء والمساكين والمستضعفين فرحتهم في العيد من خلال تقديم العون والمساعدة لهم، ومن خلال الدعاء لهم، وزيارتهم في بيوتهم، والاطلاع على أوضاعهم الاقتصادية المتردّية. وفي هذا المجال علينا أن لا ننسى في أيّام العيد إخواننا المؤمنين في السجون والمعتقلات، ولنحاول أن نفكر فيهم، وفي كيفية إنقاذهم من تحت سياط الجلاّدين، ولننظر في مدى عطائنا لشعوبنا الإسلامية، ولنحاول أن نزيد من عطائنا لهم عبر توعيتهم، وتزكية نفوسهم، وتربية الكوادر فيهم، والاهتمام بأوضاعهم، وما إلى ذلك من أعمال وممارسات نستطيع بواسطتها أن نساهم في إنقاذهم، تجسيداً للمفهوم الحقيقي للعيد. هذا المفهوم الذي يعني بالدرجة الأولى تمتين الأواصر الاجتماعية، ونشر المحبة والوئام بين أوساط المجتمع، والعمل على إزالة كل ما من شأنه الإخلال بوحدة وتلاحم المسلمين.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|