فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
أغلال العمل الثاني: هناك مشكلة مهمة اخرى عانت منها المجتمعات البشرية على طول التاريخ، وهي وجود الأغلال الكثيرة أمام العمل الايجابي والحركة الهادفة، فبالرغم من أن الإنسان مفطور على العمل والنشاط، وأن هناك وقودا يحركه في هذا الاتجاه وهو الطموح، فان الاغلال الاجتماعية والتي تتحول إلى أغلال نفسية وفكرية تجمّده وتعرقل حركته. ولقد جاءت رسالات السماء من أجل فك هذه الاغلال التي تعيق سير البشر باتجاه التقدم والبناء، يقول القرآن الحكيم: ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) الاعراف،157 وعندما نتأمل الآيات القرآنية والاحاديث الشريفة نجد كثيراً من الآيات والنصوص تسعى من أجل تحطيم الاغلال بكافة أشكالها: 1- الخشية من السلطة أو أصحاب القوة التي تؤدي إلى سيطرة الدكتاتورية، أو الإستسلام لقوات الاحتلال الطامعة. ولذلك يقول القرآن مخاطباً المؤمنين: ( فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) المائدة،3 ويقول: ( أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ) التوبة،13 وهكذا فهو يهدف إلى ازالة خشية العباد التي تقيد البشر وتكبله، والإبقاء على خشية الخالق التي تدفعه في طريق الجد والعمل. 2- الخوف من الأخطار المستقبلية والحزن على الخسائر الماضية مما يحطم معنويات الإنسان، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى عنها: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) الاحقاف،13 ويقول تعالى: ( إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) النساء،104 دعنا نتصور عندما يتحرر الإنسان من كابوس الحزن والخوف كيف يكون إندفاعه في الحياة عظيماً. 3- تأثير الإعلام المضلل من الانباء الكاذبة والافكار الخاطئة التي يقول القرآن عنها: ( يَآ أَيُّهـَا الَّذِيـنَ ءَامَنـُوا إن جَآءَكُـمْ فَاسـِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) الحُجُرات،6 أي لا تصدّقوا كل الأخبار التي تسمعونها ما لم تتأكدوا يقينا من صحتها، كذلك لا تأخذوا الثقافة والأفكار من أي شخص وإنما من المؤمنين المخلصين فقط. يقول سبحانه: ( لاَيَتَّخِدِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران،28 فبدل أن نقرأ كتب الماركسيين والماديين الغربيين وصحفهم، دعنا نقرأ كتب وصحف علماء الإسلام المجاهدين الذين ينقلون لنا الثقافة الإسلامية من معينها الصافي. 4- الاستحياء من الحق الذي هو غل اجتماعي ثقيل يكبل طاقات الافراد، ويمنعهم من أداء كثير من الاعمال الضرورية أو المفيدة. فعندما يريد شخص أن يقوم بعمل بنّاء، فانه يحسب الف حساب لكلام الناس عنه ونظراتهم اليه، فاذا ما أحس أنهم سيسخرون منه . وإن كان عن جهل منهم، فإنه يُحجم عن العمل. والقرآن الحكيم ينسف الخضوع لهذا الضغط حيث يقول: ( وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ) الاحزَاب،53 فإذا كان الله كذلك فكيف انت يا عبد الله؟ إذن لا تحسب لكلام الناس حسبانا، وأقدم على العمل مادمت تراه مفيدا وفي طريق الحق. ويقول سبحانه واصفاً المجاهدين: ( يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ) المائدة،54 فالمؤمنون لا يخافون لومة اللائمين في كل المجالات: في الخطابة وتأليف الكتب بالنسبة للمثقفين المبتدئين في هذا المجال.. وفي أداء بعض النشاطات اليدوية كالزراعة والبناء وغيرها مما يحتاجه المجتمع بشكل ماس في بعض الظروف، بالنسبة لمن يتمتعون بالوجاهات والمراكز.. وفي حمل السلاح ونصب المتاريس وحفر الخنادق والركض هنا وهناك في الحالات التي تتطلب مجهودا حربيا، بالنسبة للعلماء والطلاب وأصحاب المراكز العلمية المرموقة وغيرهم، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة وغير ذلك كثير. ولو درسنا سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وآله والإمام علي بن ابي طالب عليه السلام وسائر الائمة والاصحاب الأجلاء، لرأينا انهم لم يكونوا ليستنكفوا عن أداء أي عمل يكون فيه خير للمجتمع مهما كان صغيراً. 5- اليأس والقنوط، فعندما يرتكب الإنسان ذنوبا كبيرة وكثيرة في حق الله والناس، أو عندما تكون الظروف صعبة ومعاكسة، والظغوط شديدة فإن قنوطه من رحمة الله، ويأسه من انفراج الامور وتحسّن الاحوال يدفعانه إلى التقاعس والقعود عن العمل، ولكن القرآن يرفع هذه العقبات ويفتح طريق العمل من جديد بالأمل فيقول: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) الزُّمر،53 ويقول : ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) الإنشراح،5 وهكذا نرى إن الإسلام لا يقول للناس: إعملوا فقط. بل ويقوم برفع الموانع والعقبات من طريقهم ويفك عنهم الأغلال، فتتحرك طبيعتهم البشرية المحبة للعمل والنشاط، وإذا بهم يندفعون إندفاعاً شديداً بحيث يضطر أحياناً إلى أن يكبح قليلا من هذا الاندفاع محافظة عليهم من الإرهاق فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن لبدنك عليك حقا) ويقول: الإمام علي عليه السلام: (روّحوا قلوبكم، فإنها إذا أكرهت عميت)4 إن رسالات السماء لا تحتاج أن تقول للانسان كيف يشق الذّرة ويستخرج الطاقة النووية، فإن اكتشاف ذلك موكول إلى الإنسان نفسه بما أودع الله فيه من عقل وقدرة، ولكنها تكتفي بتوجيهه إلى الطريقة الصحيحة لاستخدام عقله وقدرته. كذلك فهي لا تقوم بتعليم الإنسان كيف يبني بيتاً، وانما تحدّد له كيف يستفيد منه إستفادة سليمة بعد بنائه. لقد دخل أمير المؤمنين عليه السلام على العلاء بن زياد الحارثي - وهو من أصحابه في البصرة - يعوده، فلما رأى الإمام سعة داره قال: (ما كنتَ تصنعُ بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة كنتَ أحوج؟) فهل يعني هذا الكلام أنه كان على الحارثي أن يبيع داره وينفق ثمنها في سبيل الله حتى يكسب بذلك داراً في الآخرة؟ يجيب الإمام عليه السلام على هذا التساؤل في تتمة كلامه: (وبلى إن شئت بلغتَ بها الآخرة؛ تُقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتُطلِع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغتَ بها الآخرة)5.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|