فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الطليعة شهداء حاضرون بين الناس تأكيداً لضرورة تواجد الطليعة المؤمنة في أوساط الجماهير نورد بعض الأحاديث الشريفة التي توضح لنا هذا الأمر. * في وصيته للزهري، يقول الإمام زين العابدين عليه السلام: (أما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك، فتجعل كبيرهم منك بمنزلة والدك، وتجعل صغيرهم منك بمنزلة ولدك، وتجعل تربك - أي الذي يساويك في العمر - بمنزلة أخيك . فأي هؤلاء تحب أن تظلم؟ وأي هؤلاء تحب أن تدعو عليه؟ وأي هؤلاء تحب أن تهتك ستره؟ وإن عرض لك ابليس لعنه الله أنَّ لك فضلا على أحد من أهل القبلة، فانظر إن كان أكبر منك فقل قد سبقني بالايمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإن كان أصغر منك فقل قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني، وإن كان تِرْبَك فقل أنا على يقين من ذنبي وفي شك من أمره فمالي أدع يقيني لشكي. وإن رأيت المسلمين يعظمونك ويوقرونك ويبجلونك، فقل هذا فضل أخذوا به، وإن رأيت منهم جفاءً وانقباضاً عنك فقل هذا لذنب أحدثته. فانك إذا فعلت ذلك سهّل الله عليك عيشك وكثر أصدقاؤك وقلّ أعداؤك، وفرحت بما يكون من برهم ولم تأسف على ما يكون من جفائهم)16. إنَّ هذا الحديث يؤكد لنا ضرورة محبة الآخرين من المسلمين والتواجد بينهم بعد اعتبارهم آباء وأولاداً واخوة، وحتى الذين يشك في عدالتهم، بل على كل انسان أن يشك في عدالته هو شخصياً، ولا يقول انّي منزّه ومزكّى، وأنّي أفضل من الآخرين، وانّما عليه أن يعتبر نفسه أبدا أقل منهم، ولذلك يعظمهم ويحترمهم، ويكون قريبا منهم. * وفي حديث آخر يقول الامام الصادق عليه السلام: (حسنُ المعاشرة مع خَلق الله تعالى في غير معصيةٍ من مزيد فضل الله عزوجل عند عبده. ومن كان خاضعاً لله تعالى في السر - أي كان خاضعاً في سرّه لله سبحانه وتعالى - كان حَسَن المعاشرة في العلانية. فعاشر الخلق لله تعالى، ولا تعاشرهم لنصيبك من الدنيا، ولطلب الجاه والرياء والسمعة، ولا تَسقُطَنَّ بسببها عن حدود الشريعة من باب المماثلة والشهرة . فإنهم لايغنون عنك شيئاً وتفوتك الآخرة بلا فائدة ) عاشر الناس ولكن لا تتبع طريقتهم ولا تنحرف عن طريقتك السليمة من أجل مماثلة الناس أو الاشتهار بينهم، فالطليعة يجب أن تبقى داخل الجماهير ولكن دون أن تذوب في سلبيات المجتمع، وإنّما عليها أن تحتفظ بميزاتها وحيويتها وبأخلاقها الحسنة وتعاشر الجماهير بأخلاقها وبأعمالها العامة. فإذا قلت: حشر مع الناس عيد. فان هذا الحشر سيكون بالتالي إلى النار، وهل الحشر مع الناس في نارجهنم عيد للانسان؟ ثم يؤكد الامام عليه السلام نفس الفكرة التي أكدها الإمام زين العابدين عليه السلام ويقول: (واجعل من هو أكبر منك بمنزلة الأب، والأصغر منك بمنزلة الولد والمثل بمنزلة الأخ، ولا تدع ما تعمله يقينا من نفسك بما تشك فيه من غيرك. وكن رفيقا في أمرك بالمعروف، شفيقا في نهيك عن المنكر، ولا تدع النصيحة في كل حال. قال الله عزوجل: وقولوا للناس حسنا)17. * وفي حديث آخر يوجه الامام ابو عبد الله الصادق عليه السلام خطابه إلى شيعته ومواليه، والشيعة هم أولئك الطليعة الذين لم ينفصلوا عن سائر الجماهير بل كانوا في الجماهير من أجل إصلاح الناس وهدايتهم، يقول: (عليكم بالصلاة في المسجد، وحسن الجوار للناس، وإقامة الشهادة، وحضور الجنائز، إنه لابد لكم من الناس، إنّ أحداً لا يستغني عن الناس حياته، فأما نحن نأتي جنائزهم، وإنما ينبغي لكم أن تصنعوا مثل ما يصنع من تأتمّون به. والناس لابد لبعضهم من بعض، ماداموا على هذه الحال حتى يكون ذلك ثم ينقطع كل قوم إلى أهل أهوائهم). ثم يقول عليه السلام: (عليكم بحسن الصلاة، واعملوا لآخرتكم، واختاروا لأنفسكم فان الرجل قد يكون كيّسا في أمر الدنيا فيقال ما أكيس فلانا، وانّما الكيّس كيِّس الآخرة)18. ثم الامام ما لبث أن أوضح بأن الحضور مع الناس والاختلاط بالجماهير لا يعني الذوبان في بوتقتهم، وانّما يجب المحافظة على الدين، وعلى الميزة الرسالية، أما البقاء مع الناس فهو من أجل هدايتهم فقط وفقط. * وجاء في الحديث أن الامام علي عليه السلام حين حضرته الوفاة جمع أولاده وأوصاهم بهذه الوصية التي هي لي ولك أيضا، يقول الامام عليه السلام: (يا بنيَّ عاشروا الناس عشرة إن غبتم حنّوا إليكم، وإن فُقدتم بكوا عليكم. يابنيّ إنّ القلوب جنود مجنّدة تتلاحظ بالمودّة، وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض)19. * وجاء في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام: (اتقوا الله وعليكم بالطاعة لأئمتكم. قولوا ما يقولون واصمتوا عما صمتوا. فإنّكم في سلطانِ من قال الله تعالى: وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال - يعني بذلك ولد العباس - فاتقوا الله فانكم في هدنة، صلوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وأدّوا الأمانة اليهم، وعليكم بحج هذا البيت فأدمنوه، فان في إدمانكم الحج دفع مكاره الدنيا عنكم، وأهوال يوم القيامة)20. هذه الرواية تبين الوضع الإستثنائي الذي كان يعيشه الإمام وأصحابه في ظل جور الطغاة المتحكمين في رقاب الناس. وحين يعيش الرساليون وسط الجماهير، لا يمكن للسلطات الظالمة أن تضربهم بسهولة باتهامهم بالمروق عن الدين، أما إذا كانوا مجموعة شباب يبتعدون عن الجماهير، ليتركوها طعمة للدعايات المضلّة، آنئذ يمكن للحكام الطغاة، وأعوانهم أن يبثّوا حول تلك الشبيبة المؤمنة الدعايات ويتهموهم بأنّهم مرقة وكفار وفاسدون.. فاذا كنتَ أنت الرسالي بعيداً عن الناس، فإن أحداً لا يستطيع أن يرد الاعلام الكاذب الموجّه ضدك، أما إذا كنت مع الناس وفي صميم المجتمع، آنئذ لا يستطيع أحد أن يصدق الإعلام المضلل، لأنّه عندما يقول عنك أنك مارق فان الناس يعرفون بأنك ممن يحضر الجماعة ويصلي بخشوع. وإذا قالوا عنك بأنك سارق، فان الناس يعرفون بأن افضل الناس اداء للامانة هو أنت. وإذا قالوا عنك أنك رجل لا تعترف بالقيم، فان الناس يقولون نحن نراه كل سنة في الحج، فكيف لا يعترف بالقيم؟ وكيف لا يطبق الفرائض؟! وهكذا تتبخر كل الدعايات المغرضة.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|