فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
أهمية التقوى يذكر القرآن الحكيم التقوى في آيات كثيرة ويبين أفكاراً شتى حولها، إلاّ أنك حين تقرأ القرآن وتتدبر فيه تجد أن التقوى هي المحور الأساسي للقرآن.. لماذا الصوم؟ ولماذا الحج؟ ولماذا الزكاة؟ ولماذا شرّع القصاص في الإسلام؟.. كل ذلك للتقوى. وهكذا فالآيات القرآنية تبين أن حكمة أكثر الاحكام الشرعية هي الوصول إلى مستوى التقوى. يقول تعالى: ( يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبَا) النساء،1 فالتقوى هي محور سؤالكم بعضكم عن بعض، ومحور ثقة بعضكم ببعض وبالتالي هي أساس إجتماعكم وقاعدة كيانكم. وفي آية أخرى يجعل القرآن العدالة أحد افرازات التقوى: ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى اَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة،8 وفي آية أخرى يجعل القرآن الخير والرفاه والسعادة مبنية على أساس التقوى: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَاَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) الاعراف،96 وفي آية أخرى يجعل القرآن الحكيم التقوى ركيزة للبناء الاجتماعي الإسلامي ويقول: ( لَمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ) التوبة،108 ثم يبين أن أي بناء لا يقوم على التقوى فهو بناء هاوٍ يكاد يسقط في النار: ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) التوبة،109 ويؤكد القرآن الحكيم على أن الحياة الدنيا والمعيشة الفاضلة والسعادة الدنيوية مبتنية على التقوى: ( الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) يونس،63-64 فهذه الحقيقة ليست مرتبطة ببرهة معينة من الزمن. وانما (لا تبديل لكلمات الله) في كل زمن. ويربط القرآن بين التقوى والاحسان، ويبين بأن التقوى هي أهم نوع من أنواع الاحسان: ( إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُـحْسِنِينَ) يوسف،90 ويؤكد القرآن على أن أي علاقة لا تباركها التقوى، فإنها علاقة هشة يمكن أن تنفصم في أية لحظة: ( الأَخِلآَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ) الزّخْرُف،67 والقرآن الحكيم حين يطرح التقوى فإنه يطرحها كتيار اجتماعي، يعيش ضمن مجموعة بشرية متفاعلة مع بعضها، وليس كعمل فردي: ( ..هُدىً لِلمُتَّقِينَ) البقرة،2 ، ( ..وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) البقرة،66 ، ( ..وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) طه،132 .. وهكذا للمتقين وليس للمتقي كفرد. كانت هذه مجموعة من الآيات تُحدثّنا عن أهمية التقوى وأنها قاعدة أساسية لسائر قواعد المجتمع الإسلامي. وهناك روايات شريفة تدل على ذات الحقيقة نتلوها معاً. * روى أبو جعفر الباقر عن أمير المؤمنين عليهما السلام أنه قال: (إن لأهل التقوى علامات يُعرفون بها: صدق الحديث، وأداء الأمانة، ووفاء بالعهد، وقلّة العجز والبخل، وصلة الأرحام، ورحمة الضعفاء، وقلة المؤاتاة للنساء، وبذل المعروف، وحسن الخلق، وسعة الحلم، واتّباع العلم فيما يقرّب إلى الله، طوبى لهم وحسن مآب)24. ان كل هذه العلامات تتلخص في واحدة وهي الارتباط بالكيان الاجتماعي ارتباطا متينا وحسنا، فصدق الحديث قضية اجتماعية، وكذلك أداء الأمانة، وكذلك الوفاء بالعهد، وقلة العجز والبخل، وصلة الأقارب، ورحمة الضعفاء .. الخ. * وفي نهج البلاغة يقول الامام علي عليه السلام: (كم من صائم ليس له من صيامه الاّ الجوع والضمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه الا السهر والعناء، حبذا نوم الاكياس وإفطارهم)25. فالمجتمع الإسلامي لا يقوم على أساس كثرة الصيام والقيام، إنّما على روح العمل وهو التقوى. * وقال الامام الصادق عليه السلام: (لا يغرنك بكاؤهم فإن التقوى في القلب)26. أن يبكي الإنسان من خوف الله تعالى، هذا وحده ليس تقوى، وانّما التقوى هو أن يحطم الإنسان في قلبه الحواجز التي لا تدعه يفهم الحقائق ويؤمن بها، ولا تدعه يوفق أعماله وفق مناهج الله سبحانه وتعالى. * يقول الامام علي عليه السلام: (التُقى رئيس الاخلاق)27. فسائر الأخلاق تنبني على أساس التقوى. * وفي حديث مفصل يقول الامام علي عليه السلام28: (أمّا بعد، فانّي أوصيكم بتقوى الله الذي ابتدأ خلقكم، واليه يكون معادكم، وبه نجاح طلبتكم، وإليه منتهى رغبتكم، ونحوه قصد سبيلكم، وإليه مرامي مفزعكم، فإن تقوى الله دواء داءِ قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم، وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم، وجلاء غشاء أبصاركم، وأمن فزغ جأشكم، وضياء سواد ظلمتكم). فالتقوى تعطي الإنسان كل ما يحتاجه، فاذا كان يحتاج إلى أن يكون قلبه بصيراً فانّ التقوى ضياء القلب، أو كان يحتاج إلى سلامة الجسد فالتقوى سلامة للجسد، أو كان يحتاج أن يفهم الحياة، فالتقوى عينٌ بصيرة للانسان. ويضيف الإمام عليه السلام: (فاجعلوا طاعة الله شعاراً دون دثاركم، ودخيلاً دون شعاركم، ولطيفاً بين أضلاعكم، وأميراً فوق أموركم، ومنهلاً لحين ورودكم، وشفيعاً لدرك طلبتكم، وجُنة ليوم فزعكم، ومصابيح لبطون قبوركم وسكناً لطول وحشتكم، ونفساً لكرب مواطنكم). ان الامام عليه السلام يبين لنا بأنّه لا يكفي أن يكون ظاهر الإنسان ملتزماً ببرامج الله سبحانه وتعالى، وانّما ينبغي أن يكون قلبه كذلك. انظروا إلى التعابير اللطيفة، ان للانسان شعاراً ودثاراً (الشعار هو ما يلبسه الإنسان تحت ثيابه، أمّا دثاره فهو ثيابه الظاهرة) في البداية يقول الامام لتكن التقوى شعاراً دون دثاركم، يعني لتكن التقوى ثيابكم الالصق إلى أجسامكم، ثم لا يكتفي بذلك فيقول دخيلاً دون شعاركم، أي يجب أن تكون التقوى عند ملامسة الجلد قبل الشعار، ثم لا يكتفي بذلك فيقول ولطيفا بين أضلاعكم، أي لا يكفي أن تكون التقوى ملامسة لجلد الإنسان بل يجب أن تكون مستقرة بين أضلاعه. ولا يكفي أن تكون التقوى توجّهاً كسائر توجّهاتكم، وانّما ينبغي أن تكون أميراً فوق أموركم، أي أن تصبغوا كل أموركم بصبغتها، وأن تكون –أيها المؤمن- وَلِهاً إلى التقوى، وأن تستهدفها قبل كل شيء. لا تفكر أن تبني بيتاً أو تؤسس اسرة.. وانّما فكر قبل كل ذلك أن تكون متقياً. * وفي حديث آخر، وهو من ألطف ما قاله الامام علي عليه السلام حول التقوى، ويقول: (التقوى سنخ الايمان)29 أي إن الايمان الذي لا يثمر التقوى لا خير فيه ابداً. فالايمان هو الذي يعطيك التقوى. أمّا إذا رأيت نفسك مؤمنا بدون تقوى فلابد أن تشك في ايمانك.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|