فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
ضرب القيم الفاسدة
الإسلام يضرب جميع القيم الفاسدة التي قد يتذرع بها الناس في أكلهم لحقوق الآخرين. ومن هذه القيم، قيمة النسب، وقيمة العصبية الجاهلية، وقيمة الغنى.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله، حينما فتح مكة وقام على الصفا، وهو يضرب قيمة النسب:
(يا بني هاشم، يابني عبد المطلب .. إنّي رسول الله اليكم، واني شفيق عليكم، لاتقولوا إن محمداً منّا، فوالله ما أوليائي منكم ولا من غيركم الا المتقون. الا فلا أعرفكم تأتوني يوم القيامة تحملون الدنيا على رقابكم ويأتي الناس يحملون الآخرة)33.
أي إذا جئت يا فلان المنسوب إلى رسول الله يوم القيامة وحملت معك البلاد التي فتحتها والأموال التي انتهبتها وما أشبه، ثم جاء غيرك وحمل معه الزهد والتقوى والعمل الصالح، فإنني - حينذاك - لا أعرفك أنت المنسوب اليّ بالنسب، انّما أعرف ذلك الذي ينتسب اليّ بالعمل الصالح. ثم يضيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
(الا وإني قد أعذرت فيما بيني وبينكم، وفيما بين الله عزوجل وبينكم، وإن لي عملي ولكم عملكم).
وجاء في حديث آخر عن الإمام علي عليه السلام:
(إن أولى الناس بالانبياء أعملهم بما جاؤوا به)، ثم تلى قوله تعالى: ( ان أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا..) ثم قال عليه السلام: (ان ولي محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإن عدو محمد من عصى الله وان قربت قرابته)34.
فولي محمد صلى الله عليه وآله ليس من ينتسب إليه نسباً ويبتعد عنه حسباً وعملاً، انّما العكس هو الصحيح. وكذلك الأمر بالنسبة إلى سائر الانبياء عليهم السلام، وقصة نوح عليه السلام مع ابنه دليل على ذلك. وكذلك سيرة أهل البيت عليهم السلام الذين كانوا يجهدون أنفسهم بالعبادة ولا يكتفون بأنّهم من أبناء رسول الله.
فهذا الامام زين العابدين عليه السلام، الذي كانت حياته خير دليل على هذه السيرة للأئمة عليهم السلام، وهي شاهدة على كذب وبطلان زعم أولئك الذين يحسبون أن مجرد الانتساب إلى رسول الله، يعطيهم صك الغفران يوم القيامة.
فقد جاء في التاريخ أن فاطمة بنت علي بن أبي طالب عليهم السلام أتت جابر بن عبد الله الانصاري صحابي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت له:
(يا صاحب رسول الله، ان لنا عليكم حقوقاً، وإن من حقنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه إجتهاداً، أن تذكروه الله وتدعوه إلى البُقيا على نفسه، وهذا علي بن الحسين بقية أبيه الحسين عليه السلام قد انخرم أنفه، وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه، أذاب نفسه في العبادة) .
فأتى جابر إلى بابه واستأذن، فلما دخل عليه وجده في محرابه، قد أنضّته العبادة، فنهض علي فسأله عن حاله سؤالاً حفياً، ثم أجلسه بجنبه، ثم أقبل جابر يقول: أما علمت أن الله خلق الجنة لكم ولمن أحبكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك؟ فقال له علي بن الحسين عليه السلام:
( يا صاحب رسول الله، أما علمت أن جدي رسول الله قد غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر فلم يدع الاجتهاد له، وتعبد -بأبي هو وأمي- حتى انتفخ الساق وورم القدم، فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟!)35.
هكذا كان علي بن الحسين عليهما السلام. فأئمة أهل البيت لم يكونوا يكتفون بأنّهم من أولاد رسول الله أو من أولاد علي أو من أولاد الحسين، انّما كانوا يجهدون أنفسهم بالعبادة.
كذلك العصبية، فهناك من ينتفع بها تحت رايات شتى كالقومية الضيقة، والوطنية المزيفة، والاقليمية البغيضة التي لولاها لسقطت عروش، ولولا القومية لتحطمت أحزاب مشبوهة، ولولا شعار الوطنية المزيفة، لما استطاع الطغاة أن يتحكموا برقاب الشعوب، فهذه القيم الفاسدة هي التي مكّنت الطغاة من رقاب الجماهير، والإسلام يضرب هذه القيم الفاسدة لكي تعيش المجتمعات على أساس التقوى والعمل الصالح.
وكذلك العنصرية، حتى الأنواع الخفية منها، كالعنصرية الجنسية (حسب ما أسميها) أي تفضيل الرجل على المرأة - في المجتمع وليس في إطار الأسرة - ليس بالعمل، وانّما لمجرد أنّه رجل وأنّها إمرأة.
ان القرآن الكريم يؤكّد بأن الرجال قوّامون على النساء، ولكن بماذا؟ بما أنفقوا من أموالهم، بسبب ما تفضّل بعضهم على بعض بالعمل. فإذا كان هناك إمرأة كاتبة ورجل كاتب، ولكن كتابة الرجل كانت أقل قيمة علمية من كتابة المرأة، فإننا لو قدّمنا الرجل في هذه الحالة، نكون قد كفرنا بقيمة التقوى والعمل الصالح.
ان الإسلام حين يضرب هذه القيم الفاسدة، يصنع لجهودك حصنا، ويكون الامر أشبه شيء بشاطئي النهر اللذين يحفظان مياهه، فجهودك في المجتمع الذي تسود فيه القيم الفاسدة، لا يمكن لها أن تثمر لأنّك مهما عملت واجتهدت فان نتيجة عملك ستكون للآخرين.
إن أحد أسباب التخلف في العالم الثالث هو قلة العلماء والمبدعين، وهذا ليس لأنّ الله خلق البشر هنا أقل ذكاء وفطنة من العالم المتقدم، فالله أعطى للناس قدراً متساوياً من العقل والذكاء، ولكن في العالم الثالث كلما تكونت أدمغة من المفكرين والمهندسين والاطباء والخبراء الاجتماعيين والسياسيين.. هاجرت إلى اوروبا أو إلى أمريكا.
والسبب أنّهم حين يكملون دراساتهم ويريدون ان يخدموا بلدهم، يفاجؤون بأن من هم أقل منهم علماً وخبرة قد أصبحوا رؤساء عليهم لاعتبارات فاسدة كأن يكونوا من الأسرة الحاكمة أو من الحزب الحاكم، أو من بطانة الرئيس.
حتى أنّه في سنة واحدة، استفادت الولايات المتحدة الامريكية أكثر من عشرين مليار دولار من الادمغة الهاربة اليها من العالم الثالث. والسبب في ذلك هو عدم وجود احترام لقيمة العلم، والعمل الصالح وبالتالي لقيمة التقوى في بلادنا، بسبب الأنظمة التي تسودها.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب