فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
التقوى والعمل
في وصيته لأبي ذر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أبا ذر، كن بالعمل بالتقوى أشدّ اهتماماً منك بالعمل)36.
وذلك لسببين:
الأول: إن التقوى ليس فقط تدفعك إلى العمل، وانّما توجد فيك تلك الدوافع المباركة التي تدعوك إلى الاستمرار في العمل.
فكثير من الناس يندفعون إلى العمل من وحي العواطف وبسبب ردود الأفعال، وهؤلاء سرعان ما تخبو في أنفسهم جذوة العمل ويتوقفون ويتركون العمل ويكون ضررهم على العمل حينذاك أكثر من نفعهم، كالذي يحفر الارض ويضع الأساس ويبني إلى النصف ثم يترك البناء، فالارض كانت صالحة والمواد الانشائية كانت مفيدة للبناء، امّا الان فإنّه أشغل الارض وأفسد المواد الانشائية.
بينما الذي يعمل بدافع التقوى، فانه يستمر في عمله، ولذلك جاء في الحديث عن الإمام علي عليه السلام:
(قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه)37.
الثاني: إن التقوى تصحح العمل. فالعمل إذا كانت وجهته وجهة باطلة، فإنّه قد يكون كبيراً ومفيداً في الظاهر، ولكنه في لحظة واحدة يتحطم ويكون مثله مثل بقرة حلوب، تعطي مقداراً كبيراً من اللبن السائغ ولكن في آخر لحظة تضرب برجلها اناء الحليب فتقلبه.
كثير من الناس يعمل الواحد منهم ويجتهد، ولكن في سبيل أي شيء؟ في سبيل أن يصل إلى الحكم، وحينما يصل إلى الحكم، تراه يتحالف مع الشرق والغرب كي يستقر في الحكم، حتى لو كان تحالفه هذا على حساب مصالح الشعب.
والقوى الكبرى كذلك تجتهد وتبني المصانع والمعاهد وتقوم بالدارسات العلمية المكثفة، ولكن من أجل ماذا؟
من أجل صناعة وإنتاج أسلحة الدمار الشامل كالقنابل الذرية، والهيدروجينية والنيترونية وذلك لفرض سيطرتها على العالم!
إذن، التقوى ضمان لوجهة العمل، فالعمل الذي يكون وراءه دافع فاسد يكون ضرره أكبر من نفعه، ولذلك فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما رأى في إحدى غزواته رجلاً مقتولاً، قال هذا شهيد الحمار، لأنّ هذا القتيل كان قد خرج مع المسلمين إلى المعركة، طمعاً في حمار كان في جبهة العدو. ولكن الدائرة دارت عليه فقتله صاحب الحمار، وهكذا خسر دنياه وآخرته. ومثل هذا في الحياة كثيرون، حيث تكون نتيجة جهدهم هباء منثوراً.
وفي يوم الخندق حينما جلس الإمام علي عليه السلام على صدر عمرو بن عبد ود العامري، بصق عمرو في وجه الامام عليه السلام فقام الامام ومشى خطوات ثم عاد واحتزّ رأسه، فتعجب المسلمون من ذلك وقد كانوا ينتظرون قتل عمرو ويخشون أن تحدث مفاجأة غير مرتقبة، فسألوا علياً عن السبب فيما فعله.
قال لانه بصق في وجهي فثار غضبي وكنت أريد أن يكون قتلي له خالصاً لوجه الله عزوجل دون أن يداخلني غضب لنفسي وانتقام لشخصي. وهكذا الإسلام يجعل العمل في اطار التقوى محوراً للمجتمع.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب