فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الاستسلام والذوبان .. لا إن مصلحة الإنسان الذي يواجه الحياة الدنيا وزينتها هو الذي يحدد موقف الإسلام منها. فالإسلام لا يريد أن ينفي الدنيا وزهرتها، وإنما يسعى من أجل أن ينفي الجانب السلبي منها وهو الذي يؤثر في النفس تأثيرا ضارا. إن زهرة الدنيا بذاتها حسنة ومطلوبة، والقرآن الحكيم يؤكد عليها بقوله على لسان المؤمنين: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). إلا أن موقف الإستسلام والذوبان في بوتقة الشهوات هو المرفوض في الإسلام. وحينما يقول الإسلام على لسان الإمام الصادق عليه السلام: (حب الدنيا رأس كل خطيئة)48. فبالضبط يعني هذه الحقيقة، بدليل أنه لم يقل شهوات الدنيا رأس كل خطيئة، لأن لكل انسان شهوات، وإنما يقول حب الدنيا، والحب هو الإستسلام للشيء وجعله الغاية. أما أن تأخذ الاشياء لنفسك فليس هذا حباً وإنما هو نوع من التملك. إن الموقف الاستسلامي تجاه زينة الدنيا ومتاعها، هو موقف التبعية والخضوع، وفقدان العقل والرؤية امام حوادث الدنيا ومتغيراتها. وهذا هو الموقف السلبي الذي يحاول الإسلام نفيه. فالزهرة موجودة، والزينة حسنة والمؤمنون أحق بها، وحسب ما جاء في حديث شريف عن الإمام الصادق عليه السلام: (إنّ الله أكرم من أن يسأل مؤمناً عن أكله وشربه)49. وقال عليه السلام: (ثلاثة أشياء لا يحاسب الله عليها المؤمن: طعام يأكله، وثوب يلبسه، وزوجة صالحة تعاونه وتحصن فرجه)50. فالله لا يحاسبك لماذا تأكل أو تشرب أو تنام، ولا يحاسبك لماذا تبني بيتاً أو تقيم حضارة وتعمر الارض. وإنما يحاسبك على أنه أعطاك الدنيا لتسخيرها فأصبحت أنت مسخَّراً لها.. وحينما تُسَخَّرُ للحياة الدنيا وتستسلم لزينتها وجاذبيتها، فإنّك لا تحصل على الدنيا ولا تكتسب الآخرة. فحتى عمارة الأرض، وزينة الدنيا وزهرتها لا تحصل عن طريق الاستسلام المطلق لها. وإنّما يستسيغ الشراب ويستمرئ الطعام ذلك الذي يشرب حين يشتهي بقدر ما يشتهي وينتفع، وهكذا يأكل. أمّا الذي يأكل كالأنعام ويشرب كالبهائم، فان الشراب والطعام لا يهنئان له. واذا أهنئاه الآن فلن يأمن من الآثار السيئة مستقبلاً فلرب أكلة منعت أكلات، ولرب شربة سببت أمراضاً وآفات. الإسلام يريدك أن تُسخِّر الحياة وتتمتع بها وتستفيد منها ولكن بشرط أن تكون أنت المهيمن عليها، إذن موقف الإسلام من الدنيا هو الموقف الذي يحقق للإنسان المسلم أفضل النتائج في العاجل والآجل. فالإسلام ينهى عن الإسراف، لأن الإسراف لا يضر بالدنيا فحسب، وإنما يضر بالإنسان أيضا. يقول الله عزوجل: (يَا بَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لايُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الاعراف،31 والإسلام ينهى عن التبذير بقوله: ( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) الاسراء،27 الكفور هو مقابل الشكور، والتبذير في الدنيا كفر بنعم الله.. أي إستفادة خاطئة وانتفاع شاذ من الدنيا. والإسلام يأمر بالإصلاح في الأرض، وينهي عن الإفساد: ( وَلا تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ بَعْدَ اِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُـحْسِنِينَ) الاعراف،56 ويقول سبحانه وتعالى عن المنافقين: ( وإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) البقرة،205 ويقول عن المؤمنين أن بعضهم يصلح الآخر: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) التوبة،71 فعلاقتهم بالحياة هي علاقة الإصلاح. وهذه الصفة يقررها الإسلام ويؤكد عليها لأن الإستفادة من الحياة تعتمد عليها وهذا هو الموقف الصحيح. إذن، فحينما يأمر الإسلام بالزهد، فليس معنى ذلك أنه يتخذ موقفا سلبيا مطلقا من الحياة، ولا يعني أنه يمنع التفاعل معها والإستفادة من متاعها، فلقد كان الإمام علي عليه السلام أزهد أهل زمانه، حتى قال عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام: (من أراد أن ينظر إلى عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب)51. ولكن أموال علي عليه السلام وثرواته كانت كثيرة، وضياعه وحقوله عديدة، وكان يُتعب نفسه ويجتهد في زراعة الأرض واستصلاحها، وحسب ما جاء في بعض الروايات فإن إيراده اليومي كان يصل إلى سبعين ألف دينار من ضياعه وممتلكاته، إلا أنه بعد أن يحصل على هذه الأموال الطائلة كان يوزعها على الفقراء والمحتاجين وينفقها لخير المجتمع وإصلاحه، ولا يستبقي لنفسه إلا الكفاف. وهذا هو المنهج الصحيح لعمارة الأرض.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|