فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
باء: على صعيد المجتمع. على الصعيد الإجتماعي، يشدد الإسلام على عدم تركيز السلطة بيد الأغنياء، بل يجعلهم تابعين للعلماء والمفكرين. والنصوص الإسلامية تؤكد على أن إحترام الغني لغناه جريمة وخطيئة كبيرة، يقول الإمام علي عليه السلام: (من أتى غنيّاً فتواضع له لغناه ذهب ثُلثا دينه)52. كما تؤكد الآيات القرآنية على أن الأغنياء غير الأتقياء هم من شرار الناس. وكمثال على ذلك قصة الجنتين وصاحبهما الذي ( دَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لاَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً) الكهف،35-36 ثم كانت عاقبته أن ( وَاُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَاَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُـولُ يَا لَيْتَنِـي لَـمْ اُشْـرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) الكهف،42 وقصة قارون (في سورة القصص 76- 81) الذي أوتي من الكنوز: ( وءَاتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ اُوْلِي الْقُوَّةِ) 53 ثم كانت عاقبته: ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الاَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) وكذلك يتخذ الإسلام موقفاً صارماً تجاه الأغنياء الذين لا ينفقون أموالهم في سبيل الله: ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) آل عمران،180 كل هذه النصوص والتعاليم تريد أن تفصل المال عن السلطة داخل المجتمع حتى لا يُعبد الأغنياء من دون الله، ولكي لا تتحول الثروة صنماً باسم الاقطاع يوما، وباسم الرأسمالية يوما آخر، وباسم الحزب الحاكم ثالثاً. المهم هو فصل هذا التجمع القائم على المال والثروة عن السلطة الإجتماعية والسياسية، ولكن كيف يتم تحقيق هذا الهدف؟ ما هي الضمانات التي يضعها الإسلام لفصل المال والثروة عن السلطة؟ الضمانات هي: أولا: التوزيع العادل للثروة. وذلك عن طريق فرض الضرائب التصاعدية، وغير التصاعدية، كضريبة الخمس والزكاة، والحق المعلوم لو كان غيرهما، وتقسيم الأموال بالإرث، وكذلك بعض الكفارات والديات المالية. هذه الأحكام الشرعية لا تدع المال يصبح دولة بين الأغنياء يتداولونه كما يحلو لهم، ولا يدعون الآخرين يستفيدون منه. ثم ان الإسلام يؤكد على ضرورة تقسيم المال لو سبب ضررا على المجتمع الإسلامي، ولو كان بغير الطرق السالفة الذكر، حيث: * يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا ضرر ولا ضرار)54 * ويقول صلى الله عليه وآله: (من أحيى أرضاً مواتاً فهي له)55 * ويقول الإمام الصادق عليه السلام: (إن الأرض لله ولمن عمّرها)56. ثانيا: القضاء على احتكار الأرض. إن الإسلام بمعالجته لمشكلة الأرض ذلك المورد الرئيسي والهام للإنسان، وعدم جعلها حكرا على مجموعة خاصة، تستغل الناس يوما بإسم الاقطاع، وآخر بإسم الشركات الزراعية، يقضي بذلك على الاقطاعية القديمة والجديدة. هذا الإقطاع البشع الذي يضيق الخناق على الناس ويعيق مسيرة التقدم في الحياة. ثالثا: محاربة احتكار المواد الأولية الضرورية. إن بعض المواد الضرورية الأساسية (أو ما يطلق عليها اليوم بالمواد الإستراتيجية) وبسبب حاجة الناس الماسة إليها، تكون مشتركة المنافع فيما بينهم، ولا يحق لأحد إحتكارها . وهذا يدل على أن كل مادة أصبحت ذات حاجة اجتماعية شاملة، فالناس شركاء فيها، كالنفط مثلا. ويقول الإسلام في ذلك على لسان رسول الله صلى الله علية وآله وسلم: (الناس شركاء في ثلاث: النار ، والماء، والكلاء)57 رابعا: ضبط التجارة الخارجية. إن التجارة الخارجية في الدولة الإسلامية في ما يختص بالمواد الضرورية الأساسية، كالتي تُعتبر أساسا لسائر الصناعات، مثل الحديد والبترول وما أشبه، أو المواد الغذائية الرئيسية كالقمح والأرز واللحم والسكر وغيرها والتي يحتاج إليها الناس في حياتهم اليومية، وأدنى ما يحتاجونه من الملابس، ووسائل النقل، ووسائل البناء يجب ألا تصبح أداة للإستغلال من قبل التجار. ومن هنا يجب مراقبة التجار وإلزامهم بمراعاة الحدود المشروعة في أعمالهم ونشاطاتهم.. وإذا رأى المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية أن هؤلاء يحتكرون هذه المواد، ويستغلون الناس بها، ويفرضون وصايتهم على الناس عن طريقها، ولا يوفرونها بصورة تكون سببا لرفاه الناس، فمن الواجب على الدولة أن تضبط التجارة الخارجية بما يوفر مصلحة الناس العامة. خامسا: فصل العلم عن الثروة. وهو من الضمانات الإسلامية الهامة في هذا المجال، إذ أن الثروة لا تستطيع أن تستغل الناس إلا تحت غطاء العلم، وعن طريق العلماء. فالعلماء الراكعون على أبواب الأغنياء والتجار، والذين يبيعون علمهم بثمن بخس للمستكبرين، كانوا دائما أداة طيّعة بيد أصحاب الثروة، لكي يحولوا ثروتهم إلى سلطة يفسدون بها في الأرض. سادسا: رفع مستوى الناس علميا واقتصاديا. من الناحية التاريخية ثبت أن المجتمعات التي تحكمها الديكتاتورية، ويتسلط عليها الإستبداد، هي المجتمعات الأقل وعيا والأكثر فقرا. أي أنه إذا ارتفع مستوى الجماهير إلى حد معين من الوعي والرفاه الإقتصادي، فإن قدرة أصحاب المال والثروة على التسلط والإستغلال تتلاشى. فالمجتمع الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، يكون مادة دسمة للمستغلين. لذلك فالأمية خطر على حرية الإنسان. والإسلام يسعى إلى محو الأمية ويعتبره واجبا شرعيا. ويؤكد الحديث الشريف المروي عن النبي الكريم صلى الله علية وآله، على أن: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)58 والإسلام يفرض على المسلم أن يقسم أوقاته أربعة أقسام، يجعل قسما منها لطلب العلم. ولقد كان أحد شروط النبي صلى الله عليه وآله لإطلاق أسرى حرب بدر أن يُعَلِّم الأسير المتعلِّم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة. إن الإسلام يجعل طلب العلم فوق كل الواجبات، ويشترط أن يقترن ذلك بالوعي، فلا يجتهد الناس في طلب علوم بعيدة عن واقعهم، بل ينبغي أن يكون العلم فيما يخص الإنسان مباشرة، ويعالج مشاكله ويلبي احتياجاته التي يواجهها في زمانه، من معرفة أهل زمانه، وطبيعة القوى والتيارات الحاكمة في الحياة، أي أن يكون علما سياسيا بالمعنى الإسلامي الشامل للسياسة. فقد جاء في الحديث الشريف عن الإمام الباقر عليه السلام أن من صفات المؤمنين هو أن يكون: (عارفا بأهل زمانه)59 وأن (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس)60. وكذلك بالنسبة إلى الإقتصاد، فحينما نقول: إن المجتمع الذي يملك أبناؤه مستوى معينا من الثروة والغنى، فإنهم يرفضون الديكتاتورية، ليس المقصود بذلك أن يكون دخل الفرد كبيرا. فلو كان دخله الشهري كبيراً جداً، ولكن كان مصروفه الطبيعي أكثر لكان فقيرا، والفقير في الإسلام هو الذي يكون إنفاقه الطبيعي أكثر من دخله، والمؤمن يجب أن يبتعد عن الفقر الذي هو سواد الوجه في الدارين. ولا يعني ذلك أن يكون همه الحصول على المزيد من المال، بل المقصود أن يقتصد في مصروفه وألا يجعل ميزانيته دائما خاسرة. وعلى المؤمن أن يدخر، فـ (نعم العون على تقوى الله الغنى)61 كما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله . والغنى أن تكون يدك مبسوطة يوم الحاجة، وهو ذلك اليوم الذي يحاول فيه الغني أن يستغلك. فحينما تقرر سلطة الأغنياء أن تتحكم في مصيرك، تكون قادرا على المقاومة بأن تُضرب عن العمل مثلا. وعندما يقطعون راتبك فأنت تمتلك مدخراً تعيش عليه، وتصمد إلى ان ترغمهم أن يعطوك حقوقك، وبالتالي ترغم السلطة السياسية الحاكمة في البلد على الرضوخ للحق. لذلك فإن الديكتاتورية مقرونة بقلة الوعي والمال عند الجماهير. فكلما توزعت الثروة وانتشر الوعي كلما ضعفت سلطة الديكتاتورية. سابعا: اعتبار الخضوع لغير سلطان الله شركا. هنا تأتي الضمانة الدينية، وهي الأهم، حيث أن الإسلام يحرم على المسلم الخضوع لسلطان غير سلطان الله، ولحاكم غير من أمر الله به، ويعتبر ذلك شركا. والشرك عند الله ظلم عظيم غير قابل للغفران. ويضم القرآن الكريم من بدايته إلى نهايته آيات كثيرة عن الشرك والمشركين، وعن ضرورة مقاومة الشركاء من دون الله، والتمرد على الآلهة التي تُعبد من دون الله، ومن هذه الآلهة أصحاب الثروة الذين يتسلطون على الناس ويستغلونهم. إن هدف الإسلام في الحياة الإجتماعية هو أن يجعل المال خاضعا للإنسان وليس حاكما عليه، وأن يجعل الإنسان مسخِّرا للحياة لا تابعا لما فيها من متاع زائل. وهذا الهدف العام يحققه الإسلام عبر مجموعة ضخمة من التعليمات التربوية، والاحكام الإجتماعية، والوصايا الأخلاقية. واذا استطاع مجتمع أن يتحرر من سلطة المال ويجعله مملوكا له وليس مالكاً، فإنه ليس فقط تنطلق مواهبه وتتفجر إمكاناته ويتحرر من الجمود، وإنما تنمو ثروته أيضا، ويستطيع أن يفلت وإلى الأبد من قيد الفقر، فالمال حيث يُعبد من دون الله يصبح فقرا، والمجتمع الذي يحكمه المال هو المجتمع الفقير.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|