فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
مواصفات القدوة
في حديث شريف نقرأ عن المقياس الذي على ضوئه يجب أن يُنتخب القائد، يقول الإمام الرضا عليه السلام عن الإمام السجاد عليه السلام:
(إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويداً لا يغرّنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب المحارم منها لضعف بنيته ومهانته وجبن قلبه، فنصب الدين فخاً لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فإن تمكن من حرام اقتحمه).
فهذا النموذج من الناس، وهو الإنسان الذي يتخاضع في حركاته، ولا يتحدث الا بلين وبصوت خافت، ويمشي بوقار، ويتصنَّع صفات الأخيار، يحذرنا الإمام منه ويقول: لا يغرّنكم هذا، فإنه قد يكون ذئباً في إهاب شاة، وقد تكون روحه روحاً فاسدة، الاّ أنّ ضعفه وذله وصغاره في أعين الناس، هو الذي يمنعه من أن يقتحم الحرام، وليست إرادته.
ثم يقول عليه السلام:
(وإذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام، فرويدا لا يغرّنكم، فإن شهوات الخلق مختلفة. فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرماً، فإذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدا لا يغرّنكم حتى تنظروا ما عَقَدَه عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع، ثم لا يرجع إلى عقل متين فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه عقله)5.
قد يكون الرجل يعفّ عن المال الحرام ولكنه لا يعفّ عن الشهوات الاخرى، فلا يغرّكم عفافه عن المال الحرام، وقد يكون متقيا، يعف عن سائر الشهوات ولكن لا يكفي ذلك لإتباعه وجعله قدوة، فقد يكون إنسانا متقيا وورعا في الظاهر ولكنه لا يعود إلى عقل سليم في أفكاره وتصرفاته .
ثم يقول الإمام عليه السلام:
(فإذا وجدتم عقله متينا فرويداً لا يغرنكم حتى تنظروا أمع هواه يكون على عقله، أو يكون مع عقله على هواه).
في حالة وحدة الرايات في مسيرة عريضة واحدة، قد يصعب أن تعرف أن هذا الإنسان يمشي مع عقله أم مع هواه، ولكن حينما تتفرق السبل آنئذ يمكن أن نكتشف الرجل في أي إتجاه يسير.
ثم يعطينا الإمام مقياساً آخر فيقول : (فكيف محبته للرئاسات الباطلة، وزهده فيها. فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة، يترك الدنيا للدنيا، ويرى أن لذة الرياسة الباطلة أفضل من لذّة الأموال والنعم المباحة المحلّلة، فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة، حتى اذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم وبئس المهاد).
فقد يكون الرجل تاركاً لكل الشهوات وعقله سليم ووعيه كاف، ولكنه يسقط إذا امتُحِن في مضمار الرئاسة فـ (الولايات مضامير الرجال)6 كما في الحديث، وحينما تأمره بالمعروف تجده يتكبر وتأخذه العزة بالإثم، لان عقدة الرئاسة تمنعه من تقبل النصح من أي كان. لذلك ترى أن هذا الإنسان الزاهد المتعفف، عندما يتسلط عليه حب الرئاسة، فإنه يقتحم ميادينها، وقد حجبت بصره وبصيرته حجب داكنة فيقتحم المهالك، ولا يهتم اذا هلك قومه وشعبه وتضررت أمته.. المهم أن يبقى هو (سيادة الرئيس) فهذا يكفيه. وهو لا يريد الأكل والشرب والراحة! وانما يريد الرئاسة فقط: (فهو يخبط خبط عشواء، يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة، ويمده ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه، فهو يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله، لا يبالي بما فات من دينه اذا سلمت رئاسته التي قد شقي من أجلها، فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابا مهينا).
ونتسائل: ما هي إذن صفات القائد الذي يجب إتباعه؟
يجيب الإمام عليه السلام:
(ولكن الرجل كل الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لامر الله، وقواه مبذولة في رضا الله، يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الابد مع العز في الباطل، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفذ، وأن كثيرما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول، فذلكم الرجل نعم الرجل فبه فتمسكوا، وبسنته فاقتدوا، والى ربكم به فتوسلوا فإنه لا ترد له دعوة)7.
بعد ما يحدد الإمام مقاييس ثابتة لتقييم الرجال ويحدد مواصفات القائد، آنئذ يقول لك: تمسّك بذلك الرجل الذي لا يريد أن يعز نفسه مع الباطل ولكنه يتمسك بالحق ولو أدى ذلك إلى ذلته عند الناس. فالعز في الدنيا محدود حتى لو دام سبعين عاما، إذ ماذا بعد ذلك إذا كان صاحب ذلك العز سيحترق بنار جهنم يوم القيامة؟ فماذا ينفعه لو كان ملايين البشر يمدحونه ويعظمونه؟!
لقد كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مثالاً صادقاً لهذه الصفات التي يحددها لنا الإمام عليه السلام.
يقول الإمام علي عليه السلام وهو يصف أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
(لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فما أرى أحداً يُشبههم منكم، لقد كانوا يُصبحون شُعثا غبراً، وقد باتوا سجّداً وقياماً، يُراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذِكر معادهم، كأن بين أعينهم رُكَبَ المعزى من طول سجودهم، إذا ذُكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادُوا كما يَميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب)8.
أو ليس هؤلاء هم الذين يجب أن نتمثل هداهم ونقتدي بسيرتهم ونختار قياداتنا وفق مواصفاتهم. إن هؤلاء لم يكونوا أنبياء، وإنما كانوا أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إقتبسوا من نور الرسالة شعلة أوقدت في قلوبهم محبة الله وخوف القيامة، وأثارت في نفوسهم تلك الفطرة السليمة التي أودعها الله في كل انسان، ونحن باستطاعتنا أن نكون مثلهم.
وعنه عليه السلام في حديث آخر يقول وهو يتأوه شوقا إلى أولئك الذين كانوا على عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فاستشهدوا أو ماتوا، وتركوه وحيداً:
(أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فَقبلوه، وقرءوا القُرآن فأحكموه، وهِيجوا إلى الجهاد فَوَلِهوا وَلَهَ اللِّقاح - الناقة - إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الارض زحفاً زحفاً، وصفاً صفاً، بعضٌ هلك وبعضٌ نجا، لا يُبشرون بالأحياء، ولا يعزون عن الموتى. مُرْهُ العيون من البكاء، خُمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صُفْرُ الالوان من السهر، على وجوههم غَبَرة الخاشعين، أولئك اخواني الذّاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونَعضّ الأيدي على فِراقهم)9.
انظروا إلى هؤلاء.. فمن جهة تراهم حينما يُدْعَون إلى الجهاد يهرعون إليه كما تهرع الأم إلى أولادها، ويواصلون جهادهم في أطراف الارض زحفا زحفا، وصفا صفا، ومن جهة أخرى عندما يسدل الليل أستاره تجدهم غبر الوجوه، خمص البطون، مره العيون من البكاء ساهرين الليل في التهجد والعبادة.
ان المجتمعات المتقدمة، ينقاد أفرادها لروادها، وهم أصحاب العقول النيرة ذات الإبتكار والإبداع، وذات الرؤية البعيدة والتطلعات السامية.
وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا تلك الصفوة القادرة على الإبداع والإجتهاد، وهؤلاء هم الذين كانوا يقودون الأمة الإسلامية في بداية تكونها، واذا قرأت عن صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه كان والياً في بلد من البلدان، فاعرف أنّه كان يمثل محوراً لكل تحرك في ذلك المجتمع.
وفي الثورات الشعبية، وبالرغم من أنّ الثورة تقوم بها الجماهير، إلاّ أن الذين يوصلون الثورات إلى أهدافها هم مجموعة بسيطة من الثوار المخلصين المتفانين من أجل الأهداف التي يحملونها.
والإسلام إنما يريد تغيير الأقلية الحاكمة في المجتمع لتكون هذه الأقلية القائدة، مختارة على أسس سليمة وليس على إعتبارات زائفة.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب