فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
ما هي فوائد الإيمان؟:
ان الإيمان أثقل ما في ميزان العدالة، فلابد ان يقابل بأجر عظيم. وإذا كانت الأعمال تُقوِّم بما لها من الصعوبة فلابد ان يكون الإيمان أعظمها أجرا لأنه أشقها جميعا. ونحن إذ نشير إلى فوائد الإيمان لا ندعي استيعابها جميعا:
1- الفلاح في الآخرة؛ لنفترض ان وراءنا عالم آخر يصيبنا فيه جزاء أعمالنا ان خيرا وان شرا. فمن هو رب ذلك العالم؟ وما هي الأعمال التي تُجزى بخير؟ وما هي التي تُجزى بشر؟ بكل بساطة: ان رب هذا العالم، الخالق الواحد هو رب ذلك العالم لأنه لا إله الا الله77.
وبكل بساطة إن صفات الصدق والوفاء والصلاح والعمل على خدمة الناس، وعبادة الله، وطهارة القلب من الحسد والبخل والحقد والجبن والكبر والغرور،إنّ هذه صفات و أعمال ان كان هناك خير فإنما هو فيها، وان كان هناك جزاء حسن فإنما هو لها. وان صفات الكذب والنفاق، ونقض العهد، والفساد في الأرض، وهدم المجتمع وتفكيك أواصره والاعتداء على حقوق الآخرين، إن تلك هي الشر الذي لا يمكن أن يبقى دون عقاب.
ان هذا أمر وجداني لا ريب فيه. وهنا نسأل: ما هي الوظائف الدينية التي يلتزم بها المؤمن؟.. من المعلوم انها لن تقع الا في صف الخير فلابد ان يكون جزاء المتدين في الآخرة جزاء حسنا.
إذاً فإن كانت وراء هذه الحياة حياة أخرى فإن المؤمنين هم الفائزون فيها لا ريب في ذلك بشهادة الفطرة والوجدان بأن جزاء الخير لا يمكن ان يكون شرا.
وفي النصوص التالية شهادة على الفلاح الذي يحرزه المؤمنون في الآخرة، ولكن يجب ان نعلم في البدء انه لا يمكن ان نعتقد –ونحن عقلاء- بأن الله يأمر عباده بطاعته ويعدهم بالجزاء الحسن في الآخرة ثم يخلف وعده. فلماذا يخلف؟؟ هل لأنه كان محتاجا إليهم فأراد ان يخدعهم ليطيعوه ثم يخلف وعده، ام انه عاجز عن الوفاء لهم بوعده؟؟ سبحانه!، ليست هذه من صفة الخالق الغني الوهاب. وبعد فلنعرف ما هي حقيقة الفلاح في الآخرة التي أثبتتها النصوص للمؤمنين: يموت المؤمن بعد ان يرى محله من الجنة ثم تزف روحه إلى جنة البرزخ، حتى تتمتع بالملاذ الروحية. ويؤمن من قبل الملائكة عن أهوال يوم القيامة، ثم ينتظر في ظل عرش الله حتى يتم الحساب ثم تزلف إليه الجنة فيدخلها آمنا. ويجد على أبواب الجنة مكتوبا (للخلود) ويهب له الله خيرات ليست الدنيا بالنسبة إليها الا كالرمل في البادية الفضفاضة، له سبعمائة ضعف مثل الدنيا، وله سبعون ألف قبة، وسبعون ألف قصر، وسبعون ألف حجلة، وسبعون ألف أكليل، وسبعون ألف حلة، وسبعون ألف حوراء عيناء، وسبعون ألف وصيف، وفي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفيها ملاذ روحية، وفيها رضوان الله، وفيها أمان من النار، تلك النار التي يصفها جبرئيل (ع) للنبي (ص) بقوله: (ان الله أوقد عليها ألف عام فاحمرت ثم أوقد عليها ألف عام فإبيضت ثم أوقد عليها ألف عام فاسودت، فهي سوداء مظلمة لا يضيء جمرها ولا ينطفي لهبها.. والذي بعثك بالحق نبيا، لو ان مثل خرق إبرة خرج منها على أهل الأرض لاحترقوا عن آخرهم، ولو ان رجلا دخل جهنم ثم أخرج منها لهلك أهل الأرض جميعا حين ينظرون إليه لما يرون به، ولو أن ذراعا من السلسلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه وضع على جميع جبال الدنيا لذابت عن آخرها، ولو ان بعض خزان (جهنم) التسعة عشر نظر إليه أهل الأرض لماتوا حين ينظرون إليه، ولو ان ثوبا من ثياب أهل جهنم أخرج إلى الأرض لمات أهل الارض من نتن ريحه78).. هذا فلاح المؤمن في الآخرة، انه ينجو من هذه النيران.
2- الفلاح في الدنيا؛ فإن الفلاح هي السعادة، فما هي سعادة الإنسان في الدنيا؟
ان السعادة تنشأ من تزاوج عاملين: القضاء على أسباب الشقاء، وتوفير سبب الفلاح. وللشقاء أربعة أسباب نبينها ونشير إلى كيفية قضاء الإسلام عليها أو لا أقل من تهوينها:
أ- الخلق السيئ؛ ان الحسد والحقد والغرور والكبر والقلق وسوء الظن، والشعور بالنقص وعقدة الحقارة وما أشبه تنغص عيش طائفة كبيرة من الناس. ومهما توفرت أسباب الرفاه، فإن عذاب النفس الداخلي لا يدع الفرد يتمتع بالرفاه أبدا. والإيمان يقلع جذور الفساد من قلب صاحبه ويجعل نفسه نقية راضية مرضية79.
وفيما يلي نرى كيف يقضي الدين على ذلك؟ ان الدين يغير نظرة الإنسان المادية فيستهين بالدنيا التي هي منشأ الرذائل، ففي القرآن: [إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] (يونس 62).
وفي الحديث عن الامام الصادق عليه السلام: (أنصف الناس من نفسك، وواسهم من مالك وأرض لهم ما يرضوه، واذكر ثواب الله كثيرا، وإياك والكسل والضجر فيما يقربك منه ...)80 والمؤمن يجيد هذه التعاليم.
ب- ظلم الناس بعضهم بعضا؛ والمجتمع المؤمن يسوده العدل والإحسان. والاسلام –الدين الذي يلزم المؤمن بتطبيق شرائعه - يضمن للناس العدالة التامة ، ويتمتع كل فرد تحت ظله بالكرامة والأمن لا فرق في ذلك بين عربي أو أعجمي، أبيض أو ملون، صغير أو كبير، فقير أو غني، ويضمن لهم حقوقهم جميعا ويقول: [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ](الزلزلة7-8).
هكذا يعالج الإسلام الظلم لو كان المجتمع المؤمن قائما وأما لو لم يكن فإن المؤمن يتمتع أيضا بالكرامة والأمن في ظل المجتمع الجاهلي ذلك لانه لا يظلم أحدا أبدا.
ومن لا يَظلم لا يُظلم. ولو أنه ظُلِم، فلأنه يحتسب مظلمته عند الله، فإن شقاءه سوف يخفف كثيرا لأن هناك فرقا نفسيا كبيرا بين من يعلم بأن بعد هذه الحياة يوما ينتقم الله من الظالم أضعافا مضاعفة، ومن لا يعلم ذلك فإن الأول يستسلم لما لابد منه راضيا بالإنتقام الآجل بينما يحترق الثاني بنار الحقد والقلق الذي لا مناص له منها. هذا فيما إذا كان الظالم أقوى منه وان كان أضعف فمن خصال المؤمن العفو عمن ظلمه، وهذا العفو تنازل اختياري عن الحق المشروع فلا يكون شقاء عليه81.. إذا فالإيمان يجنب الإنسان من الشقاء المتسبب عن مظالم الناس بعضهم لبعض بطرق ثلاثة:
1- تشريع نظم تضمن للناس - كل الناس - حقوقهم العادلة.
2- تحريم الظلم الفردي مهما كان صغيرا ورد المظالم مهما كانت حقيرة.
3- تسلية النفس المؤمنة بالرضا لما لابد منه في انتظار يوم القيامة. أو العفو عن الظالم لمن انتصر على الظالم، وهذه معالجة نفسية، وتلك معالجة خارجية عامة وخاصة.
قال الله تعالى: في صفة المتقين-[الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُـحْسِنِينَ*وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ](آل عمران134-135).
وجاء في الحديث عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
(ان لأهل الدين علامات يُعرفون بها: صدق الحديث، وأداء الأمانة، و وفاء بالعهد، وصلة الأرحام، ورحمة الضعفاء، وقلة المؤاتاة للنساء، وبذل المعروف وحسن الخلق وسعة الخلق82 واتباع العلم وما يقرب إلى الله عز وجل زلفى)83.
ج- الحوادث الطبيعية؛ (الزلازل، الأوبئة، الفيضانات، حوادث السير، الحرق، الغرق، العواصف، الأمطار المهلكة، والجفاف الطبيعي وغيرها).. ان هذه أسباب أخرى لشقاء البشر والإيمان يدفع هذه بطرق عديدة نتعرض لبعضها:
1- تدبير الغيب؛ النظر الرشيد في الكون يهدينا إلى ان هناك نظاما دقيقا ومرنا في الكون، ولابد لكل نظام من مدبر يجريه. وبالرغم من اننا لم نكتشف الا القليل من هذا النظام، واننا نزعم ان لا نظام ولا تدبير في بعض حوادث الكون (كالزلازل والفيضانات)، وبالرغم من ذلك لابد ان نعترف انه لا ريب في انها خاضعة لنظم دقيقة. إذ ان مدبر الشمس والقمر لا يعجز عن تدبير الزلزال والفيضان، بل هناك إذن إرادة موجهة لها، وهي إرادة الله، فإذا آمن به البشر وسألوه وهو الغني الكريم فلماذا لا يعطي ولا يدفع البلاء84.
2- ان طائفة من الآفات –كموت الفجأة- تتسبب عن أسباب طبيعية ، والدين الإسلامي يشرع أحكاما للتحصن ضدها، وبذلك يتخلص الملتزم بأحكام الشرع منها85.
3- وبالرغم من ان بعض الآفات تصيب المؤمن، فإن وراءها حكمة الإبتلاء ، حيث ان الله يمتحن العباد المؤمنين ببعض البلاء ، فإن صبروا واستقاموا أعطاهم أجرهم مرتين؛ مرة في الدنيا ومرة في الآخرة، وبذلك يبدل الله عزا وأملا86.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب