فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
31- لا تدفعن صلحاً وارع ذمتك بالأمانة
فيما يتصل بالعلاقة بين القائد الإسلامي وأعدائه, يوصي الإمام (عليه السلام) بأن يستجيب للصلح إذا دعا إليه العدو وكان فيه لله رضا, ذلك لأن الصلح إستراحة للمحاربين، وراحة للقيادة من هموم الحرب، كما يوفر أمناً للبلاد، ولكن الإمام (عليه السلام) بالرغم من التوصية بقبول الصلح يحذر من سلبياته, ومن أبرزها إحتمال خيانة العدو, فقد يقارب من أجل المباغتة, ويوصي الإمام بعدم الإعتماد الكلي على حسن الظن عند الصلح.
ثم يبالغ الإمام (عليه السلام) بالأمر بالوفاء، فإذا انعقدت بين القيادة والعدو معاهدة صلح, وانشغلت ذمة القائد بميثاق، فلا بد أن يحط عهده بالوفاء, ويرعى ذمته بالأمانة، ويجعل حتى نفسه فداء لما أعطاء من ذمته, ويبين الإمام حكمة ذلك, بأنه ليس من فرائض الله سبحانه بشيء أكثر وأشد إجتماعاً من قبل الناس عليه من تعظيم الوفاء بالعهود, بالرغم من تشتت آرائهم, وتفرق أهوائهم، وحتى المشركون التزموا بالميثاق لما عرفوا في عواقب الغدر من سلبيات، وهكذا حذر الإمام (عليه السلام) من الغدر بالذمة, ونقض العهد، والإختلاء والخداع بالعدو, لأن في ذلك إجتراءً على الله ولا يجترئ على الله إلا جاهل شقي, وقد جعل الله عهده وذمته رحمة لعباده حيث يستريحون في ظلاله.
فلا يجوز الإفساد بالذمة, ولا الخداع فيها, ولايجوز أن يعقد عقداً غامضاً حتى يجوز فيه التعلل بالعلل والأعذار فيتحلل منه, بل يجب أن يكون العقد واضحاً شفافاً فلا يعوِّل فيه على لحن القول (والتورية وما أشبه) فإذا ضاق الوالي أوالحاكم بعهد -ألزم نفسه به- ذرعاً فلا يفسخه بغير حق, فإن الصبر على ضيق يُرجى إنفراجه وحسن عاقبته, خير وأفضل من الإعتذار (لفسخ العهد) بما تخشى عاقبته السوئى، ويطالبك الله سبحانه بطلبة تحيط بك فلا تفلح بدنيا ولا آخرة.
يقول الإمام (عليه السلام):
وَ لا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ و لِلَّهِ فِيهِ رِضًا, فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً193 لِجُنُودِكَ, وَ رَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ, وَ أَمْناً لِبِلادِكَ, وَ لَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ, فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ194 فَخُذْ بِالْحَزْمِ, وَ اتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ. وَ إِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً, أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً195, فَحُطْ عَهْدَكَ196 بِالْوَفَاءِ, وَ ارْعَ ذِمَّتَكَ بِالأمَانَةِ, وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً197 دُونَ مَا أَعْطَيْتَ, فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً, مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ, وَ تَشَتُّتِ آرَائِهِمْ, مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ. وَ قَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ198؛ فَلا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ, وَ لا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ199, وَ لا تَخْتِلَنَّ200 عَدُوَّكَ, فَإِنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلاّ جَاهِلٌ شَقِيٌّ. وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَ ذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ201 بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ, وَ حَرِيماً202 يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ203, وَ يَسْتَفِيضُونَ204 إِلَى جِوَارِهِ؛ فَلا إِدْغَالَ205 وَ لا مُدَالَسَةَ206 وَ لا خِدَاعَ فِيهِ, وَ لا تَعْقِدْ عَقْداً تُجَوِّزُ فِيهِ الْعِلَلَ207, وَ لا تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ قَوْلٍ208 بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَ التَّوْثِقَةِ. وَ لا يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللَّهِ, إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ, فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَ فَضْلَ عَاقِبَتِهِ, خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ, وَ أَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللَّهِ فِيهِ طِلْبَةٌ209, لا تَسْتَقْبِلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَ لا آخِرَتَكَ.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب