الدستور الإسلامي:
مقدمة الدستور الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. البشر هم خلق الله الذي خلقهم ليرحمهم، قال سبحانه: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) (هود, 118-119). وهم يشكلون وحدة واحدة حيث يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات،13). والهدف من تقسيم البشر أن يحترم البعض البعض الآخر، ويعترف بعضهم بحقوق البعض (التعارف)، وبتعبير آخر، الغاية هي أن ينظم الناس وضعهم. ومن الأهداف الأساسية لاختلاف الناس ألسنة وألواناً هو التنافس البنّاء, وإن قصب السبق هو الكرامة التي تتمثل في التقوى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات،13)، وقال سبحانه: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) (الفرقان،20)، وقال سبحانه: (... وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (المائدة،48). فالعلاقة بين الشعوب هي أولاً: التعارف (أي: الاعتراف ببعضهم )، ثانياً: التنافس على الكرامة واستخراج كوامن نفوسهم، ثالثاً: التعاون حيث يقول ربنا سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة, 2). والرسالات الالهية جاءت لكي يتعالى البشر على عبادة غير الله من عنصر أو اقليم أو قوم أو مصلحة مادية, ويتسامون إلى حيث التوحيد والتقوى والعمل الصالح والحب والإحسان حيث قال الله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل, 90)، وقال أيضاً: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء, 58). وتتواصل البشرية فيما بينهم لتحقيق تلكم الاهداف السامية ضمن دوائر مختلفة تلتقي في اطار الحق والعدل والتكامل والتعاون. فمن الدائرة الكبرى المتمثلة في خلق الله تعالى حيث يقول سبحانه: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (النساء, 1) وقال سبحانه - وهو يبين العلاقة الايجابية بين المسلمين والمسالمين من الكفار-: (لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ( الممتحنة, 8) إلى دائرة أهل الكتاب الذين تقاربت ثقافتهم مع المسلمين بالوحي, وقال الله تعالى فيهم: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) (آل عمران, 64) إلى الدائرة الاسلامية التي جعلت الامة الاسلامية كتلة حضارية واحدة, حيث قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون) (الأنبياء,92) وإلى الدوائر الاقرب التي تحقق أهداف طائفة من المسلمين في إطار قومية ( عربية أو أعجمية ) أو في إطار إقليم أو اطار إقتصادي, فانها كلها مقبولة شريطة ألا تتحول إلى التعاون على الاثم والعدوان وألا يصبح وسيلة للاستعباد والاستغلال. ويشكل العالم الإسلامي كتلة حضارية– سياسية واقتصادية وثقافية – وهو جزء من العالم النامي وما يسمى بدول عدم الانحياز, ولكل دولة خصوصياتها. ومن هذه المنطلقات يمكن لكتلة بشرية أن تشكل دولة عصرية لتحقيق أمانيها الدينية أو مصالحها المعاشية في رقعة جغرافية معينة, ولها أن تتخذ من هذا الدستور مصدرا لدستورهم الذي لا بد أن ينسجم مع ظروفهم ايضا.
|
|