فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
7- ربا المعاوضة
القرآن الكريم
1- قال الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْلِلْكَافِرِينَ)(آل عمران،130-131)
هدى من الآية
إن الربا، أو الفائدة على المال التي تتضاعف بصورة طبيعية كلما ازدادت السنين، وتُزيد الفقير مسكنة والغني جشعاً، إن هذا الربا خطر كبير على سلامة ووحدة الأمة الإسلامية، وبالتالي خطر على الشخصية الرسالية المثالية، التي يقدمها المجتمع الإسلامي نموذجاً للحياة السعيدة.
إن الربا قد يبدء بذرة صغيرة، ولكنه ينمو في نفس الغني حتى يصبح شجرة خبيثة للجشع، وينمو في نفس الفقير حتى يصبح جداراً ضخماً من الكراهية، وينمو داخل المجتمع حتى يصبح طبقية مقيتة.
والإسلام حرم الربا، ولوّح بعذاب المتعاطين له كعذاب الكفار، حيث قال بعد آية تحريم الربا مباشرة: (وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).
2- وقال الله تعالى: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)(الروم،39)
هدى من الآية
إن الهدف من المال هو: إقامة النظام الاجتماعي، وتنشيط أجهزة المجتمع، والإنفاق يقوم بهذا الهدف بأفضل وجه، بينما الربا يعوّق ذلك، إذ أنه يقيد المال في حدود فوائد الدائن، ويجعله شريكاً ثقيل الظل لأتعاب الناس وجهودهم، دون أن يتحمل خسارة أو يبذل جهداً.
والربا ينمّي طبقة مستكبرة متعالية وطفيلية في المجتمع، مما تتجاوز أضراره الجوانب الاقتصادية إلى الحياة السياسية فالثقافية والاجتماعية.
ولعلنا اليوم نعي معاني هذه الآية أكثر من آبائنا، لان الربا إنتشر ليس في حدود أبناء المجتمع الواحد، بل في مجال العلاقات الاقتصادية بين الامم المختلفة، وأفرز الواقع المقيت الذي تعاني منه البشرية المتمثل في التمايز بين الدول المستكبرة التي تستأثر بكل خيرات الارض، والدول المحرومة التي تحتاج إلى أبسط مقومات الحياة، فبينما تختزن الدول المستكـبرة مثلاً حوالي 350 مليون طن من الغلال لعـام 1407هـ 1987م وتحتار كـيف تختزنها، بل كـيف تتخلص منها، نرى الـدول المستضعفة محتاجة الى كـل كيلو منها، ويتضور أطفالها جوعاً، ويتساقط الملايين منهم كل عام ضحايا سوء التغذية.
ولعل أعظم أسباب هذا التمايز هو النظام الربوي السائد في العالم، حيث بلغت ديون البلاد المحرومة أكثر من كاترليون (الف مليار) دولار و(350) مليار دولار، وأخذت الفوائد المتضاعفة تبتلع كل جهود الشعوب المحرومة، وتجعل الامل في تقدمها واستقلالها يتلاشى في عواصف الديون.
ولو دفعت البلاد المتقدمة زكاة أموالها للشعوب المحرومة لنشطت من عقال التخلف، وللحقت بركب الحضارة، ولأفادت حتى الدول الصناعية بتبادل التجارة معها.
ولو استجاب المحرومون لنداء القرآن، والغوا الربا في علاقاتهم الاقتصادية، وتحرروا من أغلال الفوائد الباهضة (كما اضطرت البرازيل ودول اُخرى أن تفعل ذلك أخيراً) إذن مشوا خطوة في طريق تقدمهم واستقلالهم.
السُّنة الشريفة
1- روي عن أئمة الهدى عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في وصيته لعلي عليه السلام: «يا علي؛ الربا سبعون جزء، فأيسرها مثل أن ينكح الرجل أمّه في بيت الله الحرام، يا علي؛ درهم ربا أعظم عند الله من سبعين زنية كلها بذات مَحْرَمْ في بيت الله الحرام.»45
2- وروي ايضاً عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «...ومن أكل الربا ملأ الله بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل، وإن اكتسب منه مالاً لم يقبل الله منه شيئاً من عمله، ولم يزل في لعنة الله والملائكة ما كان عنده منه قيراط واحد.»46
3- قال زرارة: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكبائر فقال: «هن في كتاب علي عليه السلام سبع: الكفر بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وأكل الربا بعد البينة، وأكل مال اليتيم ظلماً، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة..».47
4- قال الإمام الصادق عليه السلام: «لا يكون الربا الا فيما يُكال أو يوزن.»48
5- قال منصور: سألته (أي الإمام المعصوم) عن الشاة بالشاتين، والبيضة بالبيضتين، قال: «لا بأس ما لم يكن كيلاً أو وزناً».49
6- وجاء في حديث عن الامام الصادق عليه السلام: «...كل شيء يُكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال، ولا يوزن فلا بأس به اثنين بواحد».50
7- وقال ابوعبدالله الصادق عليه السلام: «كان علي عليه السلام يكره أن يستبدل وسقاً من تمر خيبر بوسقين من تمر المدينة، لأن تمر خيبر أجودهما.»51
8- وجاء عن الإمام ابي جعفر عليه السلام: «الحنطة بالدقيق مِثْلاً بمثل، والسويق بالسويق مِثْلاً بمثل، والشعير بالحنطة مِثْلاً بمثل لا بأس به».52
الأحكام
1- أشرنا فيما سبق53 إلى أن الربا - إضافة إلى تحققه في القرض، وهو مجاله الأهم - يتحقق أيضاً في بعض أنواع معاملات البيع والشراء وبشروط معينة، ويُسمى بـ"الربا المعاملي" أو "ربا المعاوضة".
2- ربا المعاوضة هو: بيع شيء بشيء مثله بزيادة. (مثل أن يبيع الشخص ألف ليتر من اللبن بألف ومأة ليتر من اللبن)، فلأن العوضين من جنس واحد فيكون الألف بإزاء الألف، أما المأة ليتر الباقية فليس بازائها شيء، فيكون أكلاً للمال بالباطل المنهي عنه بصراحة في القرآن الكريم وفي السُّنة الشريفة.
3- والزيادة على أقسام:
ألف: فقد تكون الزيادة عينية، كبيع طن من الحنطة بطن ونصف من الحنطة أيضاً (فنصف طن من الحنطة هنا تقع من دون شيء يقابلها في المعاملة، فتكون زيادة عينية.)
باء: وقد تتحقق الفائدة من خلال التفاوت الزمني، كبيع طن من الرز حالاً لقاء طن من الرز على أن يُعطى بعد سنة - مثلاً - من حين العقد، فالتفاوت الزمني هنا يكون بمثابة الربا، إذ للزمن قسط من الثمن. فلا يجوز بيع شيء بآخر من جنسه نسيئة حتى ولو كانت من دون زيادة، إذ وجود التأجيل الزمني في أحد العوضين المتجانسين يجعل المعاملة ربوية.
جيم: وقد تكون الفائدة بتقديم خدمة إضافية معينة تضم الى عقد البيع، كبيع طن من التمر لقاء طن من التمر وحرث هكتار من الأرض، مثلاً، فبالرغم من أن التعاقد على الشيئين من جنس واحد قد وقع من دون زيادة ولا أجل، إلا أن إضافة العمل( وهو حرث هكتار من الأرض) إلى أحد العوضين، جعل العقد ربوياً.
4- ولا يتحقق ربا المعاوضة الا بتوفر شرطين في الصفقة:
الشرط الأول: أن يكون العوضان من جنس واحد كبيع الحنطة بالحنطة، والرز بالرز، والتمر بالتمر، واللبن باللبن، واللحم باللحم، وهكذا.
الشرط الثاني: أن يكون العوضان من المكيل أو الموزون، فما يباع بالعدد (كالبيض في بعض البلاد) أو بالمسح (كالقماش)، أو بالمشاهدة (كالسمك في بعض المناطق الساحلية) فلا يقع فيه الربا، بل يجوز بيع بعضها بالبعض بالتفاضل، فيصح بيع عشرين بيضة بخمسة وعشرين بيضة، أو بيع عشرة أمتار من القماش باثني عشر متراً منه.
فروع:
الأول: المقصود بوحدة الجنس هو وحدة الأصل، فالحنطة ودقيقها يعتبران جنساً واحداً، والتمر ودبسه كذلك، واللبن والزبدة وكل المشتقات اللبنية تعد جنساً واحداً، وهكذا بالنسبة للعنب وخلّه، والتفاح وعصيره، وما شاكل.
الثاني: تفاوت أفراد الجنس الواحد في المواصفات الفرعية وفي النوعية والجودة لا يخرجها عن وحدة الجنس، فالحنطة الممتازة والحنطة الرديئة يعتبران جنساً واحداً وإن اختلفت قيمتهما السوقية، والرز البسمتي والعنبر يُعدّان من جنس واحد أيضاً، وكذلك الأمر بالنسبة الى أنواع التمور المختلفة.
الثالث: وحدة الجنس في اللحوم تعود الى وحدة الحيوان المتخذ منه اللحم، فأنواع لحوم الغنم هي جنس واحد ، بينما لحم الغنم ولحم البقر جنسان، فلا تجوز الزيادة في الاول ، و تجوز في الثاني.
الرابع: العنوان العام لا يحقق وحدة الجنس، فالرز والحنطة لا يُعدان جنساً واحداً وإن اطلق عليها عنوان (الحبوب)، والتفاح والبرتقال لا يعتبران جنساً واحداً وإن كانا يدخلان تحت عنوان (الفواكه)، وهكذا...
الخامس: الحنطة والشعير يُعتبران جنساً واحداً في هذا الحكم الفقهي، وذلك لورود النص به، فلا يجوز بيع الشعير بالحنطة أو العكس متفاضلاً.
السادس: المعيار في كون الشيء مكيلاً أو موزوناً أو غير ذلك هو عرف البلد وعرف الناس، فإذا اختلفت البلاد في ذلك كان لكل بلد حكمه.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب