فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
المطلَّقة وحق السكن
13- ولكي لا يظلم المرء زوجته التي عافتها نفسه، ومشى الشيطان بينهما بألف عقدة وعقدة، يأمر القرآن بان يختار لها زوجها سكنا مناسبا لوضعهما الاجتماعي، حيث يقول سبحانه:
(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ (
والوُجْد: ما يجده الانسان ويقدر عليه، وفي كتب اللغة: انا واجد للشيء أي قادر عليه. والآية تحدثنا بالإضافة إلى واجب إسكان الزوجة، عن نوع السكن أيضاً، وأنّ الواجب على الرجل ليس السكنى فحسب، بل إسكان زوجته في العدة بالذات كما يسكن هو، فلا يصح أن يسكن هو في المكان المكيف صيفا وتشاء - مثلاً - ويُسكنها فيما دون ذلك.
ويحرم الاسلام أن يضر الرجل بزوجته أثناء العدة ليضطرها للتنازل عن النفقة او الخروج من بيته قبل انتهاء العدة باستخدام الضغوط المختلفة المادية او المعنوية (نفسية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية أو ما اشبه) مما يحقق نفس الغرض، بل لابد أن تجد الزوجة الراحة والسعة من جميع جوانبها قدر الامكان، يقول ربنا سبحانه:
(وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ (
و لعل ابلغ ضرر تناله المرأة المطلَّقة من زوجها هو جراحات اللسان، قال الامام الصادق عليه السلام : «لا يضار الرجل امرأته اذا طلقها فيضيق عليها حتى تنتقل قبل ان تنقضي عدتها فان الله قد نهى عن ذلك»11 وواضح إن وجوب الإسكان والنفقة في فترة العدة إنما هو بالنسبة للمطلَّقة غير البائن، وللمطلَّقة الحامل، فعن ابي بصير عنه عليه السلام أنه سأله عن المطلقة ثلاثا لها سكنى ونفقة؟ قال: حبلى هي؟ قلت: لا، قال: لا12. وعن زرارة عن ابي جعفر عليه السلام أنه قال: «المطلقة ثلاثا ليس لها نفقة على زوجها، إنما ذلك للتي لزوجها عليها رجعة.»13
وكما تمتد عدة الحامل الى الوضع، كذلك يجب أن يسكنها وينفق عليها حتى تضع حملها، لان الولد له، يقول تعالى:
(وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (
وجاء في اصول الكافي عن ابي جعفر عليه السلام أنه قال: «الحامل أجلها أن تضع حملها وعليه نفقة بالمعروف حتى تضع حملها»14، ولو أنها أرضعت وليدها بعد الوضع فلها الحق أن تتقاضى أجراً على الارضاع، لانه من الناحية الشرعية ليس الإرضاع واجبا على الام بشكل عام حتى حينما تكون في عصمة الزوج وتحت قيمومته، فكيف بالمطلقة التي تنتهي عدتها وقيمومة الرجل عليها بعد الوضع، فالحليب ملكها وإن كان من الناحية التكوينية يتكون مع الحمل وبسببه.
والعلم الحديث يقر هذه الحقيقة، وعلى أساسه دعت التشريعات الحديثة ألى تخصيصات للمرأة أثناء الرضاعة، وبعض البلدان تُشرف على طعام المرأة الحامل والمرضع، وتدعو الى الاهتمام بطعامها في هاتين الفترتين:
(فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (في مقابل الرضاعة.
أما السكنى والنفقة فليسا واجبين على الزوج بعد الوضع.
ولا يحق للزوج أن يُلزم زوجته - وبالذات المطلَّقة - بالرضاعة. بلى، يجوز التفاهم فــي هــذه المسألة بين الطرفين بعيداً عن أي لون من الضغوط والسبل الملتوية، بل بالحق، حيث يقول الله عزوجل:
(وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ (
أي ليأمر بعضكـم بعضا بالمعروف وذلك بالتشاور والتحاور، ولابد أن يتم ذلك في إطار صحيـح لا يتنكـر له العقلاء حتى يستقر التآمر على رأي يرضاه الطرفان. أما إذا حدث الاختلاف فان الحق للأم في أن تقبل الرضاعة أو ترفضها لتكون المرضعة غيرها:
(وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (
ولا يجوز للأب أن يجبر أم ولده على رضاعته كحل للتعاسر، لان ولاية الرجال على النساء لا تمتد إلى هذه الحدود في الظروف الطبيعية فكيف بعد الطلاق؟! ونهتدي من خاتمة الآية أن للحاكم الشرعي أن يُلزم الام بالرضاعة لو توقفت حياة الولد عليها، فيكون الزوج حينئذ مُلزما باعطاء أجرة المثل.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب