فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
ثورة على سلطة العسكر
إن ثورة الإمام الحسين عليه السلام لم تكن بعيدة جداً عن هذا المضمون، فهو عليه السلام لم يشأ أن يخضع للإرهاب أو لسلطة القوة، ولم يرد أن يتدخل العسكر الذين فتحوا أطراف البلاد في الحكم، ومن خلال دراسة التاريخ نجد أن النظام الإسلامي يغض النظر عمن كان يسود النظام، كان منتبهاً إلى هذا الخطر، فكان يعمد إلى عزل كل قائد عسكري يحرز الانتصار لكي لا يفتتن الناس به.
ومن أجل أن يعمل يزيد بن معاوية على تركيز سلطته، فقد اعتمد على القادة العسكريين الذين فتحوا البلاد، فوزع عليهم الأراضي، وقد كان (عمر بن سعد) من ضمنهم، فقد منّاه يزيد بملك الري إن انتصر على الإمام الحسين عليه السلام . وهكذا فعل معاوية من قبل إذ بعث إلى مصر عمرو ابن العاص الذي كان من قبل قائداً فاتحاً لمصر؛ أي ٍإنه حكم القيادة العسكرية على إرادة الجماهير، فكان يزيد امتداداً لمعاوية، وابن زياد امتداداً لزياد ابن أبيه، وعمر بن سعد امتداداً لأبيه سعد بن أبي الوقاص الذي فتح العراق.
وهناك نتيجة أخرى وهي أن الارستوقراطية الاجتماعية في النظام الأموي كانت ثورة الرتب العسكرية، فمن كان أبوه قائداً عسكرياً فإنه يرثه من بعده. وهذا هو أغرب نوع من الإرث، فلأن فلاناً هو إبن القائد الفلاني ينبغي أن يصبح قائداً هو الآخر! فذاك عمر بن سعد يرث عن أبيه قيادة الجيش المعد للفتح، وها هو ابن زياد يهدد أهل الكوفة بجيش الشام، فقد قام قبل شهر واحد من واقعة كربلاء بانقلاب عسكري في الكوفة التي هددها بحاميات من الجيش الشامي للقضاء على إرادة الجماهير، وهذا انقلاب عسكري بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
وقد حول هذا الانقلاب القوة العسكرية التي بُنيت لفتح البلاد الأخرى إلى قوة لقهر إرادة الجماهير، فقاوم الإمام الحسين عليه السلام هذا التحول من أجل مصلحة الأمة الإسلامية، ومصلحة تاريخها وبالفعل فقد نجح في ذلك وأعاد القيادات العسكرية إلى ثكناتها، وهذا هو وجه من العلاقة بين نهضة الإمام الحسين عليه السلام ونهضة الأنبياء، كهود وصالح اللذين قاوما الجبارين.
ولقد كان أصحاب الإمام الحسين عليه السلام يدركون عظمة حركتهم، وأنها امتداد لحركة الأنبياء?، وأن بطش وغرور القوة العسكرية يجب أن يحطما في كربلاء، والدليل على معرفتهم هو بعض ما صرحوا به في يوم عاشوراء. ومن ذاك ما جاء عن حنظلة بن سعد الشامي عندما وقف يوم عاشوراء فوقف بين يدي الإمام الحسين عليه السلام -وهو يصلي صلاة الخوف بأصحابه- يقيه من السهام والرماح والسيوف، ويتلقاها بوجهه ونحره، فنادى أهل الكوفة: (يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب. ياقوم إني أخاف عليكم يوم التناد. يا قوم لا تقتلوا حسيناً فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى)34.
وهكذا ينصحهم هذا الصحابي ويذكرهم بمصير الأقوام السابقة الذين كانوا يسيرون في نفس الخط، وقد تكررت مثل هذه الكلمة من قبل الآخرين من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ، وعلى سبيل المثال فقد تقدم سعيد بن عبد الله الحنفي أمام الحسين عليه السلام عندما وقف للصلاة في ظهيرة يوم عاشوراء، يحميه، فصار هدفاً لنبال الأعداء حتى سقط على الأرض وهو يقول: (اللهم ألعنهم لعن عاد وثمود، اللهم أبلغ نبيك (ص) عني السلام وأبلغه ما لقيته من الجراح، فإني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك)35.
خلوص النية ووضوح الرؤية
وهناك ملاحظة أخيرة نذكرها كدرس أخير من دروس الثورة الحسينية، وهي إن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام قاموا بنصرة إمامهم لله وفي سبيل رضوانه تعالى، لا حباً للجنة وابتغاءً لدخولها. فمن أجل القيام بأي عمل لابد أن ننوي أن يكون هذا العمل لله، لكي يعطينا تعالى الأجر ويزكينا. فالعمل في سبيل الله يجب أن تسبقه النية مثل سائر الأعمال، وهذه النية تلعب دوراً كبيراً في خلوص العمل لله تعالى.
وعلى هذا يجب ونحن نعمل في سبيل الله أن نؤكد لأنفسنا، ونوحي لها باستمرار بأهمية العمل، وأهمية أن ننوي لله تعالى بعيداً عن الذات.
إن من أهم الصفات التي بينها الإمام الصادق عليه السلام في دعائه لعمه العباس عليه السلام في كربلاء قائلاً: "وأنك مضيت على بصيرة من أمرك مقتدياً بالصالحين ومتبعاً للنبيين".36 لاشك إن وضوح الرؤية تجاه أي عمل يعطينا قوة وصلابة واستقامة.. ونظرة إلى أصحاب الإمام الحسين عليه السلام تثبت لنا وضوح الرؤية لديهم. فهذا نافع بن هلال ينشد قائلاً:
أنا الغلام اليمني البجـــــلي ديني على دين حسين بن علي
أضربكم ضرب غلام بطل ويختـــم الله بخــــير عمـــلي37
وهذا رجل آخر من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وهو شوذب الذي يبدو أنه كان من أصحاب البصائر، يأتي هذا الرجل إلى الحسين عليه السلام ويقول له: "يا أبا عبد الله، أما والله ما أمسى على وجه الأرض قريب ولا بعيد أعز عليّ ولا أحب إليّ منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشيء أعز من نفسي ودمي لفعلت". ثم قال بعد ذلك: "السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد أني على هداك وعلى هدى أبيك"38، ثم مضى بالسيف نحو القوم وقاتل حتى استشهد.
وكان بعض أصحاب الإمام الحسين عليه السلام لا ينتسبون في أراجيزهم إلى أنفسهم بل إلى إمامهم، وكان البعض يؤكد على أن هدفه الجنة حيث رضوان الله تعالى، والراحة الأبدية، سعد بن حنظلة التميمي ينزل ساحة الصراع وهو ينشد قائلاً:
صبراً على الأسياف والأسنة صبراً عليها لدخول الجنة
وحور عين ناعمــات هــنّ لمـن يريد الفوز لا بالظنة
يا نفس للراحـــة فاجهــدن وفي طلاب الخير فارغبنه39
لقد كان يعلم جيداً أن دخول الجنة ليس بالأماني بل يجب أن يصبر على السيوف والأسنة ليدخل الجنة.
وبعد؛ فما أعظمها من دروس تلك التي كتبها أصحاب الإمام الحسين عليه السلام بدمائهم، والمؤمنون الحقيقيون هم الذين يستوحون هذه الدروس من مدرسة كربلاء وأصحاب الإمام الحسين عليه السلام ، هذه المدرسة التي كانت مزدحمة بالتلاميذ عبر التاريخ من كل حدب وصوب، ومن كل فئة ولون.
والمهم في كل ذلك أن نسجل أسماءنا في هذه المدرسة منذ هذه اللحظة، أو نجدد تسجيلنا فيها، ونسعى من أجل أن نصبح تلامذة ممتازين في هذه المدرسة، وهذا هو أملنا من الله سبحانه وتعالى.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب