فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الثورة الحسينية ملهمة الشعراء
إن كل قطرة دم زكية من دماء الإمام الحسين عليه السلام شكلت رافداً أثار أحاسيس الشعراء، بل إن هذه القطرة صنعت الشعراء. فالإنسان الذي يحمل قضية وإحساساً هو الإنسان الذي يريد أن يعبر عنها بصدق، فيبحث عن وسيلة للتعبير، ليجد وسيلة اللسان والشعر، وهي الوسيلة المناسبة للتعبير عن آهاتهم وأحزانهم وآلامهم وقضيتهم الإنسانية.
وفي أرض كربلاء بدأ أسلوب التعبير عن الثورة بالشعر ابتداءً من أراجيز الشهداء قبل استشهادهم، ثم بعض الأبيات المنسوبة إلى أبي عبد الله عليه السلام كقول:
شيعتي مهما شربتم عذب ماء فاذكروني
أو سمعتم بشهيد أو قتيل فانــدبوني
فأنا السبط الذي من غير ذنب قتلوني
وبجرد الخيــل عمـــداً سحـــقوني
فهذه الأشعار انطلقت من كربلاء نفسها يوم عاشوراء، وقد امتد هذا الشعر إلى الكوفة على يد الكميت، وامتد إلى خراسان على يد شاعر أهل البيت دعبل الحزاعي، واستمر مع الحمدانيين بأبي فراس الحمداني، والشعراء الآخرين من مثل الشريف الرضي، فكانت رسالة الشعر رافداً انطلق من كل قطرة من دم الشهيد المظلوم في كربلاء.
رسالة الكلمة
وبالإضافة إلى ذلك فإن دماء الشهداء أجرت رافداً آخر للتعبير عن أحداث الطف هو رافد الخطب اللاهبة، فقد كانت زينب الكبرى تقذف لهباً وحمماً في وجه الطغاة ابتداءً من كربلاء حيث خاطبت عمر بن سعد في يوم عاشوراء خطاباً مؤثراً حتى بكى وجرت دموعه على لحيته.
وهذا هو ما حدث في الكوفة أيضاً، فعندما ألقت السيدة زينب عليها السلام ذلك الخطاب، أثارت به الجماهير، وكشفت عن واقعهم الفاسد بكل صراحة وبطولة، وحينئذ أخذ بعضهم ينظر إلى البعض الآخر، ولسان حالهم يقول: أنحن الرجال أم أن هذه المرأة هي الرجل الحقيقي؟ فمع أنها فقدت كل أعزتها وأنها وحيدة فإنها لا تتحدث عن ظلم الطغاة وانحرافهم فحسب بل وتكشف عن سكوت الجماهير، ومدى اشتراكهم في الجريمة لو استمروا في السكوت، وهذه هي الشجاعة ، فهي أن يقول المصلح كل الحقيقة التي هي حقاً رسالة الكلمة التي تحولت إلى رافد.
إن الخطب لم تعد بعد كربلاء خطباً فارغة، بل كانت الخطب والأحاديث تبدأ بذكر الإمام الحسين عليه السلام وتنتهي به، وهكذا فقد تحولت كل قطرة من قطرات دمه عليه السلام إلى رسالة للكلمة، وتحولت القطرات الأخرى إلى روافد جرى أحدها في عروق الثائرين عبر التاريخ، وآخر جرى في عروق العلماء والمفكرين، وآخر جرى في شرايين الناس ورفعهم إلى كل معاني الإنسانية والتضحية.. والذي يعنينا هنا هو رافد الثقافة، فبعد أن يقوم الشهيد بدوره يبدأ الدور الأساسي وهو دور الكلمة والثقافة والإعلام.
وهذا الدور هو في الواقع منعطف خطير للثورة، فإن قام به الباقون انتصرت، وإلا فإن مصيرها سيكون على كف متأرجح؛ والإمام الحسين عليه السلام كان يخطط له منذ البدء بأسلوب معين ولذلك أصطحب معه السيدة زينب وسائر أهل بيته(.
إن الإسلام لا يريد للإنسان أن يخضع قسراً لرسالة السماء، بل يريد أن يربطه بالرسلة، وينمي فيه الإرادة والعزم والوعي لكي يصل إلى مستوى الإيمان بالرسالة، والذين يستشهدون في طريق الحق لا يهدفون العلو إلى السلطة ليفرضوا على الناس فكرة معينة؛ فالله لا يريد لعباده المؤمنين أن يتحولوا إلى إرهابيين، بل لكي يفسحوا المجال واسعاً أمام الثقافة والوعي ليلعبا دورهما في رفع الناس إلى مستوى الإيمان.
وقد كان هذا هو هدف كربلاء، ومن الأهداف التي رسمها الله تعالى من فوق عرشه لهذه الأرض، ولبطلها الإمام الحسين عليه السلام فتح المجال أمام الخطباء والكتاب والإعلام ليفهّموا الناس الحقيقة، فعندما نسمع قول النبي (ص) : (والذي بعثني بالحق نبياً إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وأنه لمكتوب عن يمين عرش الله عز وجل: مصباح هدى وسفينة نجاة وإمام خير ويمن وعز وفخر وعلم وذخر..)40، فإن هذا يعني أن الإمام الحسين عليه السلام كان يريد أن يقود الناس المنحرفين إلى الجنة عبر فتح المجال واسعاً أمام هداية الناس.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب