فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
العلاقة بين العقل والشرع‏
إنّ مفتاح هذا الباب معرفة العقل -حسب منطق الوحي- وتمييزه عمّا يسمّيه الآخرون عقلاً، وما هي إلا مناهج يخلط فيها الرأي بالقياس وبأهواء تُتبع وتقاليد تُرعى.
فمن أعانه اللَّه على نفسه فعرف عقله، وزكاه بنور الوحي، وقمع شهواته بروح الإيمان، واستعاذ باللَّه من وساوس‏الشيطان وهمزاته ولمزاته، فاتصل قلبُه عبر نور ولاية اللَّه وولاية أوليائه وعبر ضياء عبودية اللَّه الخالصة، اتّصل‏بالحقائق حتى شاهدها عين اليقين، إنه يرى -يؤمئذ- حقائق الدين، ويستنبط أحكامه من جوامع العلم التي يأخذهامن نبع كتاب اللَّه الصافي ومن ضياء سنّة النّبي وأهل بيته، وبما أوتي من نور العقل.
أمّا من لم يزل في ظلمات الهوى والشهوات وتحيط به غشوات الغفلة والجهالات، فعليه أن يبتعد عن الفتيا. وإنّ من‏مصائبنا أننا بدل أن نفتش عن مناهج الدين في معرفة الأحكام الالهية، ترانا نخوض في غمرات الشك ونتسائل دائماًعن وظيفة الجاهل، كمن لا يعالج بصره حتى يرى الحقائق رأي العين، ويفتش دائماً عن عصى العميان. ولو بذلنا هذاالجهد الكبير الذي صرفناه لمعرفة وظائف الشاك، لو بذلناه لمعرفة سبل المعرفة لكفانا علماً وهدى‏
بلى؛ إنّ بلوغ حقائق الدين ليس بذلك العمل البسيط، لأنه بحاجةٍ إلى التسليم النفسي لأمر اللَّه حتى يتغلّب الإنسان‏على الكبر والغرور في نفسه، وكما أنه بحاجة إلى تزكية نفسه من رواسبها، ومن أغلال الشهوات، وآصار الطغاة.
ولعلّ تأكيد الوحي على التسليم للرسالة والرسول، والتصديق به، وتعزيره، ونصره، وعدم الإحساس بالحرج من‏قضائه؛ كل ذلك يأتي تمهيداً لتخلص النفس من الرواسب المادية، لكي تستعد لتلقي الحكمة الإلهية.
ومن الرواسب التي تتخلّص النفس حينئذ منها-بإذن اللَّه- غرور العلم بالمطلق، حيث ساق جهل الإنسان البدائي،وما أفرزه من فلسفةٍ ناشئةٍ في عهد اليونان الأقدمين، ساقه إلى أن يزعم أنّه قادرٌ على الإحاطة علماً بالكليات ابتداءًمن خالق السموات حتى طبيعة السموات، وجوهر الموجودات وطبيعة الإنسان. لذلك تراه تخبّطَ في أكثر الموضوعات‏خبط عشواء، وتكلّفَ علوماً لم يملك شيئاً من أدواتها، كعلم الفضاء حيث اعتقد بأنّ للسموات روحاً وأنّها عقولٌ مجردةوما أشبه، وهذا الغرور الناشئ من الجهل جعله يعيش حالة الجهل المركّب.
وكان أثر هذه الحالة في مجال المعارف فجيعاً، إذ تراه يبحث فيها عن نوعٍ من اليقين لا يوجد إلاّ في الرياضيّات،ولأن هذا اليقين لم يكن يحصل له بالبحث التجريبي والدراسة الميدانية، والسبل العقلائية للمعرفة، كفر بجدوائية هذه‏الأبواب الطبيعية للمعرفة، وصنع لنفسه هرماً من الأقيسة الرياضيّة لعلّه يقف عليها وينظر من قمتها إلى حقائق‏الأشياء. وكان مصيره بالتالي الجهل العميم الذي يقول عنه الإمام علّي‏عليه السلام: (من ادّعى من العمل غايته، فقد أظهرمن الجهل نهايته‏)1.
ومن هنا ينبغي التخلص من غرور الجهل والإعتراف بحدود النفس في مجال المعرفة، لأنه كما يقول أمير المؤمنين‏عليه السلام:
(غاية العقل الإعتراف بالجهل‏)2.
وكما أن الكمال المطلق لا يوجد في المخلوق، كذلك العلم المطلق، حيث لا يعلم الغيب إلاّ اللَّه؛ حيث يقول ربّنا لرسوله‏الأكرم: ( وقُل ربِّ زِدني علما ) .
والذين يدّعون العلم المطلق يخلطون بين العلم والجهل، ويضلون السبيل، بينما الذين يعرفون قدر أنفسهم يضعون‏حدّاً واضحاً بين ما يعلمون وما يجهلون.
ولعل مراد الدين منا، هو تزويدنا بفرقانٍ نعرف به الحقّ والباطل، ونميّز بين ضياء العقل ووساوس النفس. ولذلك‏أمرنا باتّباع العقل حتى في معرفة الدين وأحكامه، بينما نهانا عن اتباع الرأي واستخدام القياس، وحذّرنا من القول‏بغير علمٍ والإفتراء على اللَّه.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب