فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
ما هو العقل؟
ماذا يهديك إلى النور، أليس النور ذاته؟ كذلك عقلك يهديك إلى ذاته، وهل يبصر أحدنا عينه بغير عينه؟فيجب-إذاً- ان لا نبحث في الظلمات عن النور، لأنّنا لن نجده هنالك، بل سوف نزداد عنه ضلالاً.
كذلك ضلَّ أكثر الناس عن العقول، فلم ينتفعوا بهذه الموهبة الإلهية إلاّ قليلاً. وترى بعضهم ينكر عقله أساساً،ويحتجُّ على إنكاره ببعض الحجج، ولا يدري أنّ احتجاجه ذاته دليله إلى عقله. وكيف يتسنىّ لمن لا عقل له أنْ يحتجّ‏على شي‏ء بشي‏ء؟
فالعقل يكشف ذاته بذاته، ولا يحتاج أحدنا إلاّ إلى التذكرة به، واستثارته كالمصباح الذي رانت عليه الأوساخ ‏يكفيك أنْ تنظّفه لتراه ثم ترى الأشياء به.
ومما لا ريب فيه، أن العقل موهبة عظيمة، وغفلة الإنسان عنها هي المسؤولة عن ضلاله وجهله، كما لو سدّ الإنسان‏ نافذته عن الشمس، أو سد عينه، أفيرى شيئاً؟!
وهكذا تكون الثقة بالعقل مفتاح المعارف، لأنّ مَنْ يشكّ في عقله يغفل عنه، ويهمل الانتفاع به.
والثقة بالعقل، تعني اكتشاف الإنسان لذاته، لأنّ عقل الإنسان أعظم ما فيه، وهو يرفد كل كمال وجمال. والمنهج‏السليم لاعادة الثقة بالعقل بعد التذكرة به، التعرُّف على الحقائق التي لا تحصى التي تعرَّفنا عليها بالعقل، وقياس أنفسنا بمن لا عقل له، وقياس ذوي العقول بغيرهم؛ وقياس حالاتنا المختلفة ببعضها لنعرف مدى الفرق بين حالتي التعقل ‏والجهالة، وكذلك بين حالتي العلم والجهل، أليس من يعيش في صحراء مضاءة بنور الشمس لا ظل فيها ولا ظلام، قديغفل عن مصدر النور، ويظن أن النور حالة طبيعية في ذرات التراب، فإذا غابت الشمس هنالك يعرف قيمة الشمس؟
وحين نتدبَّر في القرآن والسنَّة نجد أنّ هذا هو المنهج الذي اتّبع فيهما، سواءً في التذكرة بالعقل أو بتنمية ثقة الإنسان‏به.
والوحي إثارة للعقل وتذكرة به، وقد خلقه اللَّه من نورٍ مخزونٍ مكنونٍ عنده فأكرمه وحّمله المسؤولية، حين قال له:(بك أُثيب وبك أُعاقب‏).
وقد فصّل قادة الإسلام القول في العقل، كما فعل الإمام الكاظم‏عليه السلام في وصيته الحكيمة لهشام بن الحكم حيث بيّن‏فيها دوره في تلقّي الحقائق من الوحي، وبيّن كيف أنّه يكتمل بالعلم والخُلُق الفاضل، وأنّه حجة اللَّه ورسوله في الباطن،وأنّه لا يختلف عن الوحي شيئاً3.
العقل في المصطلح البشري‏
لأن الفلاسفة تكلّفوا علم الكيف وتساءلوا: كيف يعقل الإنسان الحقائق؟ وتكلّفوا علم الذات وتساءلوا: ما هو ذات‏العقل؟ فإنهم تصوّروا العقل سلسلة معقولات وحُجبوا عن معرفة ذلك النور الذي يكشفها، لأنه أساساً لم يكن ليعرف‏بغيره، ولأنه أعلى وأسمى من أن يعرف ذاته أو يحاط علماً بكيفياته..
وهكذا وقع الفلاسفة في ضلالٍ عظيم حيث زعموا أن العقل هو تلك الأحكام المسبقة الضرورية والبديهية كقانون‏العلية وقانون امتناع التناقض،وما أشبه. وهذه البديهيات ليست سوى حقائق يكشفها العقل كما يكشف غيرها من‏الحقائق الكثيرة؛ بل لو لم يكُن العقل مع الإنسان في كل خطوة من خطواته، وكل مرحلة من مراحل حياته، لكانت‏الدنيا عليه مظلمة ولما عرف شيئاً.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب