فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
العقل يهدي إلى الشرع‏
إن للعقل ثلاثَ مهام فيما يتّصل بالوحي:
1- تصديق الوحي.
مَنْ أنا؟ ما هو دوري؟ ولماذا خُلقت؟ وهل الرب الذي تتجلى حكمته في تنظيم خلايا بناني بذات الدقة التي تتجلى‏في تنظيم تجمعات المجرات العملاقة.. هل الحكيم خلقني عبثاً..؟ كلا..
هنالك يهتزّ القلب لحقيقة المسؤولية، ويبصر-بنور العقل- أبعادها وآفاقها.. ويقول بلا ريب وتردّد:
سبحانك اللِّهم أَعِنَّي على نفسي.. إهدني سبيلي وعرّفني الهدف الذي خلقتني له، ووفقني لأداء أمانتك عندي، وَقِني‏عذاب النار.
كانت تلك رحلة العاقل من عمق صحراء الشك إلى ذروة حقيقة الإيمان وعنها يقول ربّنا سبحانه: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لاَيَاتٍ لاَُوْلِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلْظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (آل عمران/190-192).
وتتموَّج المعارف في ذلك القلب المغمور بنور العقل كما تتموّج المحيطات عند أعتى الأعاصير.
هنالك يعرف العقل حقيقة الرسالة التي هي تجلِّيات الحكمة الإلهية في ضمير الإنسان.. يعرف أن تلك القيم التي‏يدركها عقله، ويدرك أنها تتصل بضمير الكائنات، وبغيب الحياة، وروح الخلائق، إنها تفيض من غيب الربوبية، ومن‏وراء حجب ملكوته الأعلى..
2- فقه الأحكام.
بالتفقَّه في الدين والتدبُّر في آيات الكتاب، يعرف العقل البشري الأصول العامة للشرائع الإلهية ومن خلالها يتدرَّج‏نحو معرفة سائر الأحكام.
إنك حين تتدبَّر في آيات الكتاب لا تجد حكماً شرعيّاً إلا وقد بيّنت حكمته التي يسوقها القرآن الكريم عبر مثلٍ أوقصّةٍ أو أمثولة. وتتكرّر معها عادةً كلمات: "من أجل ذلك"، أو "كذلك"، أو "لكي لا"، أو ما أشبه.
القرآن الحكيم، كتاب حكمة كما هو كتاب شريعة، بل قبل أن يكون كتاب شريعة. وقد قال سبحانه: ( ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً ) (الاسراء-39).
وقد سمّى ربُّنا كتابه الكريم بأنه تذكرة وتبصرة ونور وهدى وضياء وشفاء وما إلى ذلك مما يتناسب وحكمةالشرائع وتفقه روحها وبلوغ مرامها وقيمها.
3- معرفة مصاديقه.
إذا كان الإنسان في مستوى تلقي حِكَم الشريعة، وتنمية مواهبه الفطرية بها، حتى تصبح تلك الحِكَم واضحةً عنده يعرفها كما يعرف المرء ابنه، عندئذ يستطيع أن يستفيد أمرين:
الأول: الرجوع الى القيم لمعرفة الحكم الأولى والأهم والتزاحم وهو ما نتحدث عنه في مناسبة أخرى إن شاء اللَّه.
الثاني: فمن عرف حِكمَ الأمن والحرية والعدالة، فإذا أضرّ عملٌ بأمن الناس، أو سَلَبَهُمْ حريتهم أو كان فيه ظلمٌ‏ظاهرٌ أو خفيّ فإنه يصبح حراماً كما أنه لو توقف تحقيق هذه الحِكم على عمل معين أضحى واجباً.
وبالرغم من أن الشريعة قد أوضحت الأحكام الفرعية التي تحقِّق هذه الحِكَم بصورةٍ كافيةٍ، إلا أن تلك الأحكام‏الفرعية تتصل بالثوابت، وهي بحاجة إلى الإستنباط.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب