فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الأحكام العقلية يستخدم علماء الأصول كلمة (القطع) في موضع الحديث عن العلم والمعرفة واليقين، وهذه الكلمة ذاتإيحاء فلسفيّ باعتبار تواصل علم الأصول والفلسفة في العصور المتأخرة. وهذه الكلمة غريبة عن الأدب القرآني، ولكنها مناسبة للمنهج الفلسفي القائم على أساس الجدال وإسكات الخصموقطع الحديث وحسمه معه. وفي موضعٍ آخر من هذا البحث نتحدث بإذن اللَّه عن بعض الملاحظات على المنهج الفلسفي ولكنّا هنا نجري علىالمصطلح الاصولي ونقول: يرى الفقهاء-قدّس اللَّه أرواحهم- أن حجية القطع ذاتية، ولا مجال للمناقشة فيها، وهيأصل كل حجةٍ أخُرى. ولكي نثير ركام الأفكار التي تجمعت في هذا الحقل الشائك، لنبلغ الحقائق الدفينة، لا بدّ أن نطرح التساؤلاتالمتدرجة التي تشابكت مع بعضها، وربما طرحت بصورة غير مرتبة؛ والتساؤلات هي: أولاً: هل العقل يجب اتّباعه بعيداً عن حكم الشريعة، حتى إذا حكم بشيء وجب الانصياع له دون أن نسأل عنحكم الشرع فيه؟ ثانياً: وإذا حكم العقل بشيء فهل الشريعة تحكم به أيضاً، حتى تصدق المقولة المعروفة: ما حكم به العقل حكم بهالشرع؟ ثالثاً: والمناهج العقلية المتبعة في القضايا الفلسفية، مثل أقيسة المنطق الأرسطي، هل هي مناهج مناسبة ومأمونةللتعرّف على الأحكام الإلهية؟ رابعاً: وإذا توصّلنا إلى حكمٍ شرعي عبر هذه الأقيسة أو عبر الجفر والرمل والسبل غير المتعارفة، فهل يجب شرعاًالتعبّد به فيما إذا وصلت قناعتنا به إلى درجة القطع واليقين؟ يبدو لي أن خلط هذه الأسئلة ببعضها جعل الحديث مشوشاً حتى وكأن البحث في مواضيع مختلفة. مثلاً يقولالمحدث4: لا يمكن حصول القطع عبر المناهج العقلية المعروفة. فيجيبه الأصولي: فإذا افترضنا وحصل القطع ماذا نفعل؟إنك ترى أن الحديث لا يجري في موضوع واحد، بل في موضوعين مختلفين، وقد أشار إلى ذلك الشيخ الآخوند فيالكفاية، حيث قال: (وأما في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية لأنها لا تفيد إلاّ الظن كما هو صريحالشيخ المحدث الأمين الاستر آباديرحمه الله)5. وأنّى كان فإنّ علاقة العقل بالشرع قضية في غاية الخطورة، وقد تشعَّبت الأحاديث حولها إلى علوم كثيرة، ابتداءًمن الفلسفة، وانتهاءً بعلم الأخلاق، ومروراً بالكلام والأصول والفقه. وكانت هذه العلاقة محور الخلاف الرئيسي بين مختلف المذاهب الإسلامية؛ فبين من يلغي أساساً دور العقلكالظاهرية والصوفية، وبين من يعطيه دوراً محدوداً مثل الأشاعرة، وبين من يفسح المجال له كاملاً كما فعل المعتزلة. بينما نعتقد أن أئمة أهل البيتعليهم السلام عرَّفوا العقل بأنه النور الإلهي الذي أودعه اللَّه القلب، وميّزوه تماماً عن الأهواءوالوساوس والظنون، ثم أعطوه دوراً كبيراً في معرفة الحقائق الشرعية وغيرها.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|