فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الفصل الثاني: حكمة التشريع
تمهيد من أي محطة ينطلق قطار التقدم نحو المستقبل الأفضل؟ من أي أفق تشرق شمس النهضة الشاملة، فتعم العالم ضياء ودفئاً وأملاً؟ ومتى تشهد بلادنا مواسم الغيث والخصب والرفاه، وتنعم شعوبنا بالعيش الرغد والسعادة الهنيئة؟ أما آن لشفاه أطفالنا أن تستقبل بسمات الأمل؟ ألم يأن ميعاد رحيل الفقر والقلق والتخلف عن بلاد الشرق الاسلامي؟ الى متى تسمر عيوننا على درب الحياة، تنتظر السلام و الرخاء و العزة؟ نقطة البداية العقل، أليس نور العقل هو أول ماخلق الله؟ أوليس أصل الانسان عقله؟ أوليست ميزته على الخليقة عقله؟ وكيف يتسنى للعقل أن يقود سفينة البشر الى شاطىء السعادة؟ إنما ينفع العقل من يؤمن به، ويثق بهداه، ويستنير بضيائه.. أما الذين يتبعون أهواءهم، ويستسلمون لرياح الظروف المتقلبة، أو يتبعون التقاليد من دون تمحيص، أو يتبعون الأمم الغالبة من دون تفكر فيما يصلح لهم أو لا يصلح، فانهم لا يكسبون تقدماً ولا يبنون تمدناً ولايتمتعون بحضارة. ومتى ما يبتعث العقل من سباته، وينفض عن نفسه غبار الجمود والانطواء وإحباطات الهزائم والنكسات؛ يومئذ يخطو الانسان على درب الحضارة، إذ يحدد الهدف ومن خلاله يحدد الاستراتيجية، وتنتظم خطته عبر قنوات الاستراتيجية ليندفع نحو تحقيق الهدف. ويومئذ يعي بصائر الوحي بصورة أمثل، ويميز بها ما ينفعه من جديد العصر عما يضره، وما ينفعه من تراث الأولين عما يضره. ذلك لأن ممارسات المسلمين في التاريخ- كممارسات المسلمين اليوم- ليست كل احتمالات الحضارة الاسلامية، بل إن بعضها كان ولايزال غطاء يخفي اشراق الاسلام الحقيقي. إن الاسلام الحق، يمكن أن يعطي الانسانية حضارة روحية مادية، عظيمة المنفعة والروعة؛ وعلينا ان نستخرج من (كنوز الاسلام) حضارة أسمى. فمن خلال نظرة سريعة إلى القرآن الكريم نجد أن الله تعالى لم يبين فيه إلا أحكاماً قليلة، وركز-في بقية آياته- على منظومة من القيم التي أراد ترسيخها في وعي الأمة بشكل كامل؛. إنما فعل ذلك ليفتح أمام الأمة أبواب التطور.. والنبي محمد صلى الله عليه وآله لم يكتب لنا أسفاراً مطولة في التشريع، انما بين أصول العلم والحكمة ورسخ قيم القرآن بتشريعاته الرشيدة، ثم وجه الأمة الى خلفائه المعصومين، فقال: (إني تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي)11. وخلفاء الرسول عليه وعليهم السلام لم يؤلفوا كتباً مطولة في الأحكام الفقهية، إنما قالوا "علينا بالأصول، وعليكم بالفروع" ووجهوا الأمة من بعدهم الى الفقهاء، وقالوا: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة أحاديثنا)12. ولكن السؤال: هل قمنا نحن -حسب مسؤوليتنا الدينية- بتطوير الأحكام وفق متغيرات العصر؟ أم تمسكنا بالجانب الثابت من الشريعة وضخمناه وأعدنا صياغته من جيل الى جيل، بينما المتغيرات تركناها لاجتهادات الناس؟ وتبعاً لذلك هناك مئات الاسئلة العريضة حائرة اليوم وتتطلب أجوبة صحيحة وواقعية وواضحة، فأنّى لنا بذلك. لو لم تصبح القضايا اليومية الملحة هي محور الدراسة، ولم نعالجها بشجاعة و حكمة، ولو لم تتم التضحية بكثير من التقاليد التي أصبحت عند البعض من المقدسات، فان حسابنا سيكون عسيراً أمام الله ثم أمام التاريخ.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|