فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
التطوير بين الحدود والعقبات عوامل الجمود الإنسان من أكرم الكائنات، وعقل الإنسان أكرم ما فيه شريطة أن ينتفع به، ولعله هو محور أمانة الخلق التي قال عنها ربنا سبحانه: (اِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الاِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً((الاحزاب/72). والرجال الذين يؤدون الأمانة هم الأقلية، ولكن حضارات البشر هي من صنعهم. ولكن لماذا لا ينتفع أكثر الناس بعقولهم ؟ الأسباب هي التالية: أولا: لأن نزعة الإتِّباع، وخشية الإبداع، والخوف من قوى المحافظة على التقاليد؛ كل أولئك تمنعهم. ثانياً: الهزائم التي تمنى بها الشعوب أمام القوى المعادية، أو عوادي الطبيعة تدعوهم إلى الانكفاء والتقوقع والعيش في ظلال الأحلام، والقمع الذاتي للتطلعات، وتبرير اليأس والخنوع، والمبالغة في التمسك بقشور المبادئ وترك روحها الوثابة. وجاء النبي الأمي صلى الله عليه وآله لفك الاصر والأغلال عن البشرية، كما قال الله سبحانه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي اُنْزِلَ مَعَهُ اُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ((الاعراف/157) ويواجه الذكر الحكيم الافتراء على الله الذي برّر به الكفار جمودهم، فحرموا ما أحل الله لهم من الطيبات، فيقول الله سبحانه: (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين * قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِاَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَيُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ((الانعام/149-150) ويحارب القرآن الحكيم القشرية، وترك روح التشريع ومحتواه الحياتي، فيقول الله سبحانه: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الاَخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ الْسَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَاتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِ اُوْلَئِكَ الَّذِين َصَدَقُوْا وَاُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ((البقرة/177) الاحتياط في الدين الاحتياط في الدين يتمثل في وعي حقائق الدين كلها، وتطبيقها جميعاً، أما الغلو في بعض جوانبه على حساب ترك لبابه وجوهره، فهو تفريط في جنب الدين. وقد جاء في الحديث (في الترغيب في الاحتياط): "أخوك دينك فاحتط لدينك "13. وجاء: "حلال بيِّن ، وحرام بيِّن، وشبهات بين ذلك. فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك ، والمعاصي حمى الله فمن رعى حولها يوشك أن يدخلها"14. وتهدينا هذه الأحاديث إلى أن الاحتياط هو منهج لتطبيق الشريعة، وليس كمنهج تشريعي يضيف إلى الدين ما ليس فيه بلا دليل. ومن هنا وجب الاحتياط في الفتيا. قال الله سبحانه: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ والفؤاد كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً((الاسراء/36) وهكذا تدل النصوص الناهية عن البدعة في الدين، على ضرورة التقيد التام بالأدلة في الفتيا، قال الله سبحانه: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَة ًوَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَأَتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ((الحديد/27) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: "وما أحدثت بدعة إلا ترك بها سنة، فاتقوا البدع وألزموا المهيع ، إن عوازم الأمور أفضلها، وإن محدثاتها شرارها"15. ويقول المحدث الكبير المجلسي في تفسير البدعة: البدعة كل رأي ، أو دين، أو حكم، أو عبادة لم يرد (نص) من الشارع بخصوصها ولا في ضمن حكم عام16. والحديث التالي يدل على ذلك؛ إذ روي عن حماد، عن الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله (الإمام جعفر الصادق) عليه السلام: ما أدنى ما يكون به العبد كافراً؟ قال: "أن يبتدع شيئاً فيتولى عليه ويبرأ ممن خالفه"17. وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "من دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضال"18. التكلف في الدين والتكلف في الدين هو استحداث طقوس لم يأمر بها الشرع، أو التشدد على النفس بما يتنافى وسماحة الشريعة. وقد جاء في حديث شريف عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله حدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها، وفرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وسنّ لكم سنناً فاتبعوها، وحرّم عليكم حرمات فلا تنتهكوها، وعفى لكم عن أشياء رحمة منه من غير نسيان فلا تتكلفوها"19. ومن أبعاد التكلف في الدين، التشدد في مظاهر الدين على حساب روحه وقيمه، فقد جاء في حديث عن روح الله عيسى بن مريم عليه السلام، مخاطباً علماء اليهود المهتمين جداً بالمظاهر على حساب القيم، قائلاً: "يا عبيد الدنيا تحلقون رؤوسكم ، وتقصرون قمصكم وتنكسون رؤوسكم، ولا تنزعون الغل من قلوبكم"20.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|