فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
دور الشورى في التطوير
العرف مصدر تشريعي هام يعتمد العقل والخبرة. قال الله سبحانه: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ((الاعراف/199). وتتصل حجية العرف بالشورى، وللشورى فوائدها:
1/ الشورى معدن خبرات الناس.
2/ وهي توقظ في الناس حس البحث وتجميع الخبرة.
3/ وفي المجتمع قنوات طبيعية لتراكم الخبرة ابتداءً من الأسرة فالعشيرة وصحبة الجوار الى تجمعات المساجد والهيئات الدينية، فلو استغلت بالشورى لكانت مصدراً غنياً للخبرة .
ألف/ الشورى حق وواجب
والشورى وسيلة لاختيار الأفضل، والحياة سلسلة اختيارات تهدف بلوغ الأحسن، وقد قال ربنا سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ((الملك/2)
والوصول إلى الأفضل الأحسن مسؤولية الناس جميعاً، لأنهم جميعاً يتأثرون به. والشورى تزيد المجتمع تلاحماً، كما أنها توظف طاقة الصراع في الاتجاه الإيجابي، أوليست الدنيا دار ابتلاء؟ وإنما بالصراع الإيجابي تبلو وتستخرج معادن الناس، وقد قال ربنا سبحانه: (وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ((المائدة/48)
باء/ قنوات الشورى.
تختلف قنوات الشورى حسب المتغيرات، ولكن علينا أن نثبت بصيرتين:
الأولى: إن مقياس تقدم المجتمع هو مدى تمتعه بالمزيد من قنوات الشورى النشطة.
الثانية: إن تجارب البشرية في التنظيمات والأحزاب والهيئات التمثيلية غنية جداً، وعلينا أن نستفيد منها حسب حاجاتنا.
الولاية الشرعية
إذا كانت الدولة ضرورة حياتية، فإن أفضل دولة هي المنبثقة عن مبادئ الوحي وهي الولاية ، وقد قال ربنا سبحانه: (وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وإِلَى اُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً((النساء/83)
وإليك جملة بصائر في هذا المجال استوحيناها من القرآن الكريم:
1/ الإسلام دين رفض الطاغوت ، ولا يفرض على الناس حكم الولاية إلا بعد انتخابهم؛ فلا إكراه في الدين ، ولكن شروط الولاية هي جملة قيم في الحاكم تدعو إليها فطرة الإنسان مثل العلم والأمانة والكفاءة. قال الله سبحانه (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَمَآ اُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّآ أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِايَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ((المائدة/43-44)
نستفيد من الآية أن التوراة (كما الإنجيل والقرآن) محور الدولة الدينية، وإن الأنبياء يحكمون الناس بذلك الكتاب، والربانيون والأحبار يحكمون الناس كذلك بالكتاب لأنهم استحفظوا ذلك الكتاب وتفقهوا فيه وكانوا شهداء عليه فطبقوه على أنفسهم وراقبوا تطبيقه على الناس؛ ولأنهم كانوا يخشون الله لا الناس ( من أولي القوة)، ولأنهم كانوا أمناء على الكتاب فلم يشتروا به ثمناً قليلاً.
هذه هي صفات القائد الإسلامي الذي يحكم الناس بالدين لا بهواه.
2/ والإسلام يولي اهتماماً بالغاً لمقاومة الطغاة، لكي يربي الناس على الحرية وعدم التسليم للقوة والثروة، يقول سبحانه: (وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ((الاعراف/172-173)
وحتى الطاعة للرسول لن تكون ذاتية، بل بإذن الله لدرء شبهة الشرك. قال الله سبحانه: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً((النساء/64)
وهكذا طاعة الإمام، إنما تكون بأمر الله سبحانه. قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِاَيَاتِنَا يُوقِنُونَ((السجدة/24)
وقد شدد الكتاب النكير على الاتباع الأعمى، وبيَّن أن عاقبته في الآخرة الخسران. قال الله سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ اَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم ْبِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ((البقرة/167)
وهكذا يربي الإسلام المجتمع على الحرية والتمرد على الديكتاتورية .
3/ ولاية الحاكم الإسلامي ليست مطلقة بل هي مشروطة باستمرار مؤهلاته، فلو فقدها فلا طاعة له على الناس.
ولأن القرآن قد صاغ شخصية الأمة، فإن تأثير ثقافته التحررية تدعو الناس أبداً لمراقبة ولاة أمورهم لكي لا يحيدوا عن قيم الدين.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب