فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الشريعة بين الثوابت والمتغيرات
التشريع -أنّى كان مصدره- يقتضي الاستقرار، لأنه يستمد شرعيته من الفطرة والقانون الطبيعي والديني، وهو مستقر ولكن المتغيرات التي تطرء على الحياة تقتضي تغيير بعض التشريعات. وهنا يحدث الجدل، فما هو الثابت الديني الذي لا ينبغي تغييره، وما هو المتغير ؟
يبدو أن الثابت هو الذي يتصل بالثوابت من الوحي والعقل والفطرة والواقع الذي لم يتغير، وما عداه يمكن تغييره. ومقياس الثبات العقل وما يحكم به من القيم، والقرآن كتاب هدى وآياته إثارة للعقل.
ثوابت الشريعة
1/ وأسماء الله ثابتة، وتتجلى في الحق الذي به خلق الله السموات والأرض. قال الله سبحانه: (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ((الجاثية/22)
2/ ويتمثل الحق في سنن الله، حيث يقول ربنا سبحانه: (اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السِّيئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ اِلاَّ بِاَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِد َلِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً((فاطر/43)
ومن سُنَنِ الله ما جرت في الأمم الغابرة (فلسفة التاريخ ) ، حيث يقول ربنا سبحانه:
(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِــــــيرُوا فِي اْلأرْضِ فَانْظُـــــــرُوا كَيْفَ كَـــــانَ عَاقِبَةُ
الْمُكَذِّبِينَ((آل عمران/137)
ومن السنن الأعراف الحسنة التي مصدرها العقل والوحي، يقول ربنا سبحانه: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ((النساء/26)
ومن سنن الله ما خلت في الأولين من كفرهم ودمارهم. قال الله سبحانه: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الاَوَّلِينَ((الانفال/38)
ومن سنة الله في رسله، أنه لا حرج عليهم فيما فرض الله من أكلهم الطعام ومشيهم في الأسواق (للتجارة) قال الله سبحانه: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً((الاحزاب/38)
ومن سنة الله أمر الله في المنافقين، حيث يقول ربنا : (لَئِن لَمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا اُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً((الاحزاب/60-62)
3/ وسنن الله سبحانه تتجلى في حكمته البالغة في الشريعة، والتي هي كلماته التي تفيض منها قيم الوحي وغايات الدين، فإنها لا تتغير مثل قيمة الإنسان وحرمة دمه وماله وكرامته، وكلمته في الأمن والقسط والكرامة البشرية، وسائر كلماته التي ندرسها لاحقاً بإذن الله سبحانه.
4/ ومظهر الدين شعائر الله التي لا تتغير؛ مثل الصلاة والحج والصيام قال الله سبحانه: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ((آل عمران/191)
5/ ومنها حدود الله التي هي أحكامه وفرائضه التي لا يجوز التعدي فيها، وقد وردت هذه الكلمة في القرآن في القضايا الأسرية ابتداءً من المباشرة الجنسية وانتهاءً بالإرث ومروراً بقضايا الطلاق والظهار والعدة للمتوفى عنها زوجها. قال الله سبحانه: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُدُوا مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلآَّ اَن يَخَافَآ اَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فإِنْ خِفْتُمْ اَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَاُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فإِن طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَنْ يَتَرَاجَعَآ إِنْ ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ((البقرة/229-230)
وقد جاء في الحديث المأثور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها وحدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها"29.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب