فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الفصل الثالث: فلسفة التشريع
تمهيد لا نجد في كتاب الله المجيد حكماً شرعياً، ولا وصية إلهية، إلا وقد قُرِنا ببيان الغاية منهما إما بكلمة (لعل) أو حرف (اللام) أو لفظة (لكيلا) أو ما أشبه. لنتلو معاً الآيات الكريمة: ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ اُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة َوَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) 31. ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ وَلكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) 32. ( وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) 33. وكذلك نجد السنَة الشريفة تبين - عادة - حكمة الوصايا والشرائع. وهذه أيضاً عادة كل المذاهب حينما يرسمون دساتير أو ينظمون قوانين، فما من دستور يكتب إلا ويزين بديباجة يبين فيها الأهداف التي تعتبر روح الدستور، أو روح القوانين. وعند البحث عن الغايات في المذاهب المختلفة نجدها متنوعة، وربما تختلف فيما بينها وتتعارض؛ مما يجعلنا نبحث عن الغاية الأسمى فيما بينها، لتكون هي المرجع عند تعارض الغايات. وهكذا في الإسلام، فإذا كانت الشريعة الاسلامية تهدف بناء مجتمع أمثل، فما هو الهدف العام لهذا المجتمع، وما هي الغاية الأسمى لدستوره ولقوانينه؟ بتعبير آخر؛ ما هو الإطار العام للمجتمع الإسلامي، ذلك الإطار الذي يتناول بالاضافة إلى الجانب التشريعي للمجتمع، الحقول التربوية والاخلاقية والعرف والعادة؟ والإطار العام للمجتمع إنما يعرف إذا عرفنا من هو الانسان؟ وما هو سر وجوده في هذه الدنيا؟ وما هو هدف حياته؟ وما هو مصيره؟ وكيف يعيش عيشة فاضلة راضية؟ بل إذا عرفنا ما هي الكائنات ولماذا خلقت؟ لأن الإنسان جزء منها. وفي الواقع تعتبر هذه الاسئلة مفتاحاً لمعرفة حقيقة الدين، بل ومفتاحاً لمعرفة أفكار الفلاسفة لأنها محور أهم بحوثهم. ويجد الباحث بعض الصعوبة في دمج هذه الحقول ببعضها واستخلاص نتائج واحدة منها، خصوصاً بعد الفصل القسري الذي جرى بينها بعد تقسيم العلوم والفصل بينها، ووضع حواجز بين موضوعاتها؛ وحتى من قبل دارسي الشريعة، حيث جُعِلت الوصايا الاخلاقية كأنها لا تتصل بالفقه، ودُرِسَت العقائد بصورة نظريات لا تتصل بالحياة. أما الأحكام فقد دُرِسَت وكأنها بلا أهداف، وحتى العلل المنصوصة في الشريعة (وما أكثرها) فقد قيل بأنها مجرد (حِكَم) وأنها لا تتصل بالبحوث الفقهية. بينما الحقيقة غير ذلك تماماً، لأن الدين بنيان رصين يعضد بعضه بعضاً؛ فمثلاً حين ندرس الوصايا الاخلاقية في مصادر الوحي، أي الكتاب والسنة، نجدها حافلة بالقيم السامية المستوحاة من العقائد كما نجدها تذكرنا بالأحكام الفقهية. فهل نعتبر هذا المنهج (الذي قام عليه الكتاب وكلمات النبي والأئمة عليه وعليهم السلام)34 خاطئاً، بينما نعتبر منهج الفصل بين العقائد والأخلاق وبينهما وبين الفقه، أو الفصل بين الكتاب والسنة هو الصحيح؟! كلا. إن العودة الى المنهج الشمولي هي الضمانة الأكيدة لفقه الشرائع ومعرفة الأحكام الدينية، وبالذات في المتغيرات (الحوادث الواقعة) والتي أصبحت تشكل نسبة كبيرة من المعضلات الفقهية. بلى؛ سوف ننتهل معرفة الأحكام الفرعية (حتى تلك التي وردت فيها نصوص مأثورة) إذا استوعبنا جوامع حِكم الدين، وأصول الحكمة الالهية. وكذلك الأمر فيما يرتبط بالموضوعات الخارجية التي تحتاج الى الاجتهاد بسبب شدة غموضها وعمق صلتها بالحكم؛ مثل عمليات البنوك والعقود الجديدة، بل وفي مثل طريقة تنفيذ العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة في ظروفنا اليوم ومع المتغيرات الاقتصادية الهائلة، وكذلك مسؤوليات الدولة الحديثة وعلاقات الدول ببعضها وما يتصل بها من أنظمة سياسية واقتصادية وبيئية وما أشبه. فإن فهم حُكم الشرع في هذه الأمور بحاجة ماسة الى فقه قيم الشريعة، والحكمة الالهية المقصودة منها.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|