فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
كيف ولماذا ندرس فلسفة الأخلاق؟ إنما نهدف من خلال دراسة فلسفة الأخلاق (في المذاهب الفلسفية الكبرى) معرفة هدف الحياة الأسمى والقيمة الأساسية فيها. وتتخذ هذه الدراسة أهمية كبرى، لأن إنكار الماديين العقل والروح والأخلاق العلوية، أدخل الفكر البشري في مآزق؛ فمن جهة لا يمكنه أن ينكر الحقائق القائمة فيما وراء الذات، لأنه آنئذ يقع في المشكلة التي هرب منها، لأنه في الأساس يريد أن يفلسف الأخلاق بصورة أو بأخرى ولكنه - من جهة ثانية - لا يمكنه أن يبررها لأنه جعل القيمة في الذات. وبتعبير أوضح؛ الفكر المادي إذا أنكر الحقائق وراء الذات تجرد من الأخلاق كلياً، وذلك هو الخطر الذي يريد أن يتجنبه، وإذا اعترف بها لم يجد تبريراً كافياً لاعترافه لأنه جعل محور الكون ذاته وليس أي شيء آخر. فإذا كان يريد قبول الحقائق الماورائية (ماوراء الذات) فلماذا أنكرها، وإذا كان ينكرها فلماذا الأخلاق؟ 1/ بين الفلسفة والأخلاق أهم سؤالين فُرضا على الفكر البشري منذ القدم هما: ماذا نعرف؟ وماذا نعمل؟ وقد عنت الفلسفة منذ نشأتها بهما؛ وقد أنزلت الشرائع الالهية للإجابة عنهما. والسؤال عما نعمل، هو الذي يتكفل الإجابة عنه علم الأخلاق، بينما السؤال الآخر عمّا نعلم، يقودنا إلى سائر بحوث المنطق والفلسفة. 2/ لماذا ندرس المذاهب الأخلاقية؟ لماذا ندرس المذاهب الأخلاقية، وماذا نستفيد من مقارنتها ببصائر الوحي؟ تأتي ضرورة دراسة هذه المذاهب من أنها تشكل قاعدة السلوك في الحياة البشرية، ومن دون معرفتها ونقدها، كيف يمكن التعامل مع مختلف أنواع السلوك؟ وقد جاءت الرسالات الالهية بكل ما يحتاجه الإنسان في كل عصر، كما سعى الفلاسفة - بدورهم - من أجل وعي حقائق الكون، وكانت تقودهم فكرة سامية، هي وعي الحقائق كلها. وبالرغم من أنّ البشرية لا تزال تحبو في هذا الطريق، فان هذا الطموح يعتبر بذاته من نعم الله على الإنسان. 3/ تقسيم المذاهب الأخلاقية يرى البعض أن المذاهب الأخلاقية الكبرى تعتمد على واحدة من النظرات الثلاث التالية: أولاً: إن في الكون نظاماً أسمى (النظرة العلوية). ثانياً: لا نظام للكون (الطبيعية). ثالثاً: إن هناك نظاماً لَمّا يكتمل (الفاعلية)40. ما هي نظرة الإسلام والدين - بصفة عامّة - إلى الأخلاق ضمن هذا التقسيم؟ يبدو أنها تتمثل في النقاط التالية: الأولى: وجود نظام شامل للخليقة (السنن الالهية). الثانية: أنه نظام يهيمن عليه الربّ ويدبره. الثالثة: أنه نظام يمكن أن يتجدد أو يتكامل أو يتغيّر بالدعاء من عند البشر وبالبداء من عند الله سبحانه. فنظرة الإسلام شبيهة من جهة بالنظرة (الفاعلية) من حيث ايمانها بدور الإنسان في تطوير النظام وتغييره وبالتالي في تكامل الخلق وذلك بالدعاء وبالعمل الصالح وبالإيمان بالقدرة الإلهية وأنه يخلق ما يشاء وان يده مبسوطة. وهي - من جهة ثانية - قريبة من النظرة العلويّة، حيث أنها قائلة بوجود نظام أسمى قائم فعلاً على الرغم من امكانية تغييره وتكميله. 4/ الطاعة في المذاهب الأخلاقية المذهب الأخلاقي - أنّى كان - منظومة من التعاليم والأوامر، وعلى الإنسان الانصياع لها، وبالتالي طاعة ذلك المذهب فيها. وهنا يفرض السؤال التالي: لماذا الطاعة؟ وما الذي يبررّها؛ سواءً في الدين أو في الفلسفة؟ سوف نستعرض فيما يلي طائفة من الحجج التي أقامتها المذاهب الدينية والفلسفية على ضرورة الطاعة. ألف/ الطاعة في المذهب الديني: الأسباب التالية تدعونا في المذهب الديني إلى الطاعة: أولاً: لأن الله سبحانه اهل للطاعة، بالعاطفة الجيّاشة، والحب العميق. ذلك لأن النفس قد جبلت على أمرين: 1/ حب الجمال والكمال، وبالتالي حب من له الأسماء العليا والصفات الجميلة. 2/ التقرب إلى الحبيب باتباعه وطاعته. وعندما يعرف البشر ربه، وتتجلّى لقلبه أسماؤه الحسنى، وصفات الكمال والجمال التي لا توصف، هناك يختار طاعته. وهذه أسمى درجات الطاعة، حيث يناجي الإمام علي عليه السلام ربه فيقول: "بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك".. أو يقول: "وهبني صبرت على حرّ نارك فكيف أصبر على فراقك"41. باء/ الطاعة في المذاهب الفلسفية أما المذاهب الفلسفية فقد بررت الطاعة بصور شتى: 1/ منها أن الطاعة إنما هي لازمة لأن علينا الإستسلام لقوى الطبيعة، ولكن هذه النظرية لا يمكن لها أن تبرر الطاعة الواعية، بل التبعية القسرية التي يحتل الفرد كرسيه في مهب العاصفة، كما أنها تؤكد في ذاته الكراهية للطبيعة وقوتها. 2/ ومنها إن الطاعة نابعة من الحب المنزه غير العقلائي، بل وحتى المخالف لأي عقل. وهذه النطرية أثارت استنكار الكثير من العقلانيين، وأدت إلى تعارض حاد بين العقل والإيمان أو قل بين العقل والأخلاق.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|