فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
المذاهب العلوية
هنا نستعرض دراستنا النقدية عن المذاهب العلوية التي تشمل مدرسة أفلاطون وأرسطو والرواقيين، وأتباع الأفلاطونية الجديدة، وهكذا المدارس العلوية الجديدة.
1/ نقد المدرسة الأفلاطونية
وهذه المدرسة هي امتداد للفيثاغوريين والتي تجد فيها ثلاث قيم رئيسية؛ الطهارة (أو التنسك)، واحترام التضامن (أو ضبط النفس)، والعدالة (العدالة هي المساواة، والإعتدال هو المقياس).
واعتقدوا أنّ كتاب الخلق مكتوب بلغة رياضيّة، وعلى الروح أن تسموا إلى حالة التناسق معها ولن ترتقي إلا بالنقاء والتنسّك.
والمدرسة الفيثاغورية أثّرت تأثيراً بالغاً على سقراط وافلاطون، ومن ثم ارسطو، ومن خلالهم صبغت الفلسفة، عبر تأريخها الممتد، بصبغتها المتميّزة. وهذه المدرسة تبدو خليطاً من تعاليم دينية، وأفكار بشرية، ولعلّ هذا الخلط هو سرّ استمرارها.
وهذه النظرية مردودة، لأن عالم المُثُل الذي اقترحه على أهل الأرض:
أولاً: يمثل طغياناً فلسفياً في الفكر.
ثانياً: ويجسّد إستبداداً في المجتمع.
ثالثاً: كما أنه يورث صرامة في القانون لا تحتملها حالة الضعف البشرية بالرغم من أن افلاطون إنتبه إلى هذه الصرامة فحاول التخفيف منها في تشريع القوانين.
2/ نقد مدرسة أرسطو
يبدو أن النظرية الاجتماعية عند ارسطو، الذي لقّب بالمعلم، لفرط تأثير أفكاره (وبالذات في المنطق) أنها قائمة على ثلاث قيم؛ العدل، والعقل، والحبّ. ولعلّ قيمة الحب هي الأسمى، حيث تعني عنده الانجذاب نحو الصورة الأكمل (المتمثلة عنده في الإله)، بينما العدل وسيلة حياتية (في حياة الفرد وفي حياة المجتمع) للتسامي نحو تلك الصورة الأكمل. أما العقل، فهو تعبير عن الفضيلة وضبط النفس للقيام بالدور المناسب لبلوغ الهدف الأسمى. دعنا نقيم هذه القيم.
أولاً: العدالة كلمة طيبة وجذابة ولكنها غامضة (ولعل هذا سرّ جاذبيتها، لأن كل واحد يفسرها حسب هواه) والحدّ الوسط ليس معياراً، فالحد الوسط من الظلم، ليس مطلوباً، ولا من أكل الخبيث، إنما المعيار هو الحق، وأداء الحق إلى صاحبه هو العدل. فلماذا لا نستبدل كلمة العدل بالحق لنكون أوضح وأصدق.
ثانياً: العقل - بدوره - مفهوم غامض، قد نختلف في أبعاده وآفاقه، فإذا كان العقل مخالفة الشهوات، فليس كل الشهوات (الميول والغرائز) باطلة، بل هي مطلوبة لاستمرار الحياة. وإذا كان المراد منه تطبيق العدالة، فالحديث يعود إلى التساؤل عن ما هيّة العدالة.
ثالثاً: الحبّ - لا ريب - أنه فضيلة، بل هو أفضل فضيلة إذا كان المراد منه التقرب إلى الله رب القدرة والجمال والأسماء الحسنى، ولكنه ليس الفضيلة - الوحيدة - إذ أن المصلحة - التي تتجلّى في زينة الحياة الدنيا - هي الأخرى فضيلة ولو بنسبة أدنى، وعلينا ألاّ ننسى أنها تشكل قيمة أساسية عند أغلب البشر، وبالتالي دافعاً مناسباً لهم لتطبيق العدالة والالتزام بالحق.
3/ نقد المدرسة الرواقية
أول ما يصدمنا من فلسفة المدرسة الرواقية، هو ذلك الخلط العجيب بين الخالق والمخلوق، وهو أهمّ بند من بنود مدرستهم، حيث أنهم يقولون:
1- "الكون الهي" بأكمله، لأنه وليد "نفخة" أو "نار" هي - في الوقت نفسه - الإله والعقل والحياة معاً، وكل كائن (ولاسيمّا الإنسان وروحه) شرارة جزئية منها. أما المادة فليست (كما سيقول "برغسون" فيما بعد) سوى تثاقل انتقالي في هذا "التوتر الخلاق": فهي ليست مبدأ يعارض الذكاء الأعلى، ولكن مجرد حالة دنيا لهذا الذكاء"42.
2- أما البند الثاني، فهو زعمهم بوجود وحي دائم في كل نفس. فالحكمة تعني، فهم هذا النظام وتقبّله، وما هو خير من ذلك، المشاركة فيه طواعية واختياراً من صميم الفؤاد، وأن يعثر المرء في داخل نفسه على الوحي الالهي، الذي يتولد عنه كل شيء، ثم يطور هذا الوحي ويقيه من كل هوى أو أنانية أو رغبة، أي من كل ما هو "مادة"43.
3- أما القيمة الأساسية عندهم، فإنها تتمثل في البند الثالث وهو الانسجام مع النظام. "وهكذا فان الفضيلة تستند بشكل ما هوي إلى فعل وحيد هو التقبّل النهائي - للنظام - وهو فعل شبيه باللطف (الالهي) المسيحي، من حيث أنه يحوّل طبيعة الكائن ويمنحه دفعة واحدة، ذلك الثبات.. ذلك التجانس الداخلي.. ذلك التوافق الذي كان يفتقده مع العالم طالما كانت الاهواء هي التي تقود الكائن.."44.
4- ومن خلال هذه القيم، اهتمت المدرسة الرواقية بأخوّة البشر (وهو البند الرابع في مدرستهم) حيث عمدوا - بعد ذلك - إلى تطوير فكرة كان منهجهم يحتويها بصورة ضمنيّة، وهي فكرة أن جميع البشر (بما فيهم "الغرباء" والعبيد) اخوة، باعتبارهم جميعاً وليدي ذات النفخة الالهية، مما كان من شأنه تعبيد الطريق لاخلاق اجتماعية مستوحاة من نظرة بشرية جامعة ومحبة للانسانية، مختلفة كل الاختلاف عن الاعتكاف المترفّع الذي يستنتج من مذهبهم نظرياً لدى النظر إليه من زاوية أخرى.
5- وألحّوا أيضاً على الجانب الديني (الذي يستطيع شمول جميع العبادات ويأذن بالصلاة) ذلك الفعل المعبّر عن التواضع الواثق تجاه "الفاعلية المهيمنة" وهو الجانب الذي تتضمنه فكرة العقل الكلي.
6- وأشاروا أخيراً -وهذا معنى مقالة ايبيكتيت الشهيرة "سوستين وأبستين" (sustine et Abstine )- إلى المعنى الأخلاقي للاستقلال الذاتي الداخلي (لا تتوقف الفضيلة والسعادة إلا على الرأي الذي نحمله عن الاشياء، وهذا الرأي من فعل ارادتنا وحدها).
7- كما أشاروا إلى باطل الخيرات المزيّفة (كالثراء الخ) مما يجب ألاّ يستعمله الحكيم إلا كما يستعمل "أثاثاً في فندق"45.
وبالرغم من المساهمات الايجابية لهذه المدرسة في التأمل الأخلاقي وأثرها فيه خلال ألفي عام، فانها تنطوي على نقاط ضعف كثيرة في المنهج وفي النتائج نذكرها تباعاً:
أولاً: الخلط الغريب، بين مقام الالوهية السامق ومنزلة العبودية، وقد سبب هذا الخلط في أخطاء كبيرة وقع فيها الفكر الفلسفي عبر قرون. كلا؛ الله سبحانه أكبر وأعلى من أن يتنزل من مقام عظمته ويصبح مخلوقاً، والعلاقة بينه - سبحانه - وبين خلقه ليست العلاقة بين البحر والسحاب، أو النبع والرافد، بل هو الخالق الذي أبدع الكون إبداعاً وأنشأه إنشاءً، وهكذا فإن المسافة قائمة بينه وبين خلقه أنّى اقترب الخلق إليه46.
ثانياً: القلب البشري يتلقّى نوعين من الوحي، ويستمع إلى نمطين من النداء:
ألف- النداء الرحماني الذي يوحي به ملائكة الرب رحمةً منه بالبشر.
باء- النداء الشيطاني الذي منشؤه ضعف البشر وإبليسه المريد.
والمدرسة الرواقية لم تعرفنا كيفية الفصل بين هذين الندائين، ودعت الإنسان إلى التأمل الداخلي، والاستماع إلى وحي ضميره. حقاً إنه مع التمييز بين الوحيين يستطيع البشر أن يكتشف حقائق كثيرة، إلا ان المشكلة في كيفية التمييز بين الندائين، ثم ان ذلك لا يعني إلغاء دور الوحي الالهي غير المباشر للانسان عبر الرسل والكتب، والذي لم تشر إليه المدرسة الرواقية.
ثالثاً: حين اعتبرت المدرسة الرواقية الفضيلة تَقَبُّل النظام طواعية، فانها قرّبت إلينا فكرة التقوى، وهي قمية مباركة. ولكن السؤال الذي بقي عائماً وغامضاً هو: لماذا يتنازل البشر عن ذاته من أجل النظام، وإذا كان تقبل النظام طواعية قيمة أساسية، فلماذا مُنِح البشر حرية اتخاذ قرار التقبل أو عدم التقبل؟
بلى؛ البصائر الاسلامية تبلور فكرة التقوى؛ ألف: عبر بيان سلسلة من الروادع والمرغبات. باء: كما تعتبر حرية الفرد أساساً لوجوده، وتجعل التوبة بعد الذنب أهم حكمة. وهذا ما رفضته المدرسة الرواقية، التي زعمت أن الفضيلة لا تتجزاً، وأن الحكيم هو الذي يلتزم بكل أبعاد الفضيلة، وأن الجزئيات لا أهمية لها47.
رابعاً: أما فكرة الاخوة فهي لا ريب أعظم انجاز للمدرسة الرواقية، إلا أنها قد تتعارض مع فكرتهم عن الاعتزال والترفع، كما سبق..
خامساً: وفكرتهم عن العبادات - بالرغم من صحتها عموماً - تتنافى ونظرتهم عن المخلوقات، فاذا كان الخالق والمخلوق واحداً فلماذا العبادة؟ ومن يعبد من؟
سادساً: إن تأكيدهم على زيف الخيرات الأرضية تتنافى مع الجانب البشري، الذي اعترفوا به. فالإنسان يعيش - بالتالي - فوق الأرض، ولا بد ان يتعامل مع ما يجري في الأرض من عوامل، وقد أوضحنا أن قمية المصالح الأرضية (المادية) يجب ألاّ تُنسى، بالرغم من أن قمية التطلّعات الروحية أعظم.
4/ نقد الافلاطونية الجديدة
في القرن (250/ق.م.) مزج افلوطين الإسكندراني، أفكار افلاطون بالفيثاغورية الجديدة مع تصوّف الشرق، وصنع منها فلسفة طريفة كان لها أكبر الأثر في بعض المذاهب المسيحية، ثم في بعض المذاهب الفلسفية عند المسلمين؛ بل وفي بعض الفرق الاسلامية.
وقيم هذه الفلسفة الجديدة هي التالية:
ترى هذه الفلسفة أن أصل كل شيء هو الواحد، وهو الالهي في كماله وتعاليه، وهو الخير المطلق، ولكنه ينطوي على ميل (واندفاع) نحو الخلاقية والفيض والاشعاع التلقائي المستمر، وبالتالي إلى التكرر في الأرواح الجزئية بصورة لا نهائية، وهذه الأرواح الجزئية هم الكائنات التي تحتفظ كل واحدة منها ببعض ذلك الواحد والكائن المطلق. ومن هنا فان القيمة الأساسية تتمثل في عودة الأجزاء (الكائنات) إلى الكل48.
أما الشر فهو بالتالي الابتعاد عن "الالهي" الأصلي، وأفدح من ذلك الإنغلاق داخل هذه "النهائية" وهذا الانحطاط وارتضائهما. وأما طريق الخلاص فهي في حركة "تحول عكسي" هي عودة الروح تدريجياً نحو الإله، حتى يتم استغراقها فيه من جديد.
أولاً: أساس مدرسة افلوطين قائم على نظرية الفيض التي ترى ان العلاقة بين الخالق والكائنات هي العلاقة بين الشمس وشعاعها، والبحر وقطراته، وهي نظرية باطلة، إذ أنها تكفر بقدرة الخالق على الخلق، وبأي علم وتدبير له (إذ النظرية ترى أن صدور المخلوق من الخالق يتم بغير إرادة منه، وحتى بغير وعي) وتكفر بقدرة الله على تغيير الكائنات وعلى إعادتها بعد فنائها (البعث).
وهي أساساً مجرد فرضية لا دليل عليها، بل ادلّة الوجدان تهدينا إلى خلاّقية الرب، ومالكيته وعلمه وقدرته سبحانه.
كما أن في الكائنات، آيات المخلوقية والمعبودية له سبحانه، وتهدينا تلك الآيات إلى انها كائنات مخلوقة، وليست من ذات الالوهية، كما تهدينا إلى أن خالقها خلوّ عن صفاتها.
ثانياً: حركة المخلوق إلى سماء الخالق تعتبر قيمة سامية، ولكن لن يتم استغراقها فيه، فهي حركة دائمة لا تنتهي إلى نقطة الاندماج، وبالتالي ليست هناك نهاية لتقدم البشر.
ثالثاً: الفضائل التي نعتها افلوطين بالمتواضعة هي - في الواقع - أصل فضائل الإنسان (التعفّف - العدالة). بينما تلك الفضائل التي نعتها بالتأمل عبر العين الداخلية، ليس إلا صدى قيمة الجمال التي اعتبرتها مدرسة اثينا إحدى القيم الثلاث، بالاضافة إلى النظام والعقل.
رابعاً: إن قيم الحياة الدنيا ليست عبثاً، وعلينا أن نهتم بها كما نهتم بالقيم العليا، لأن كلتا المنظومتين من القيم تشتركان في أننا نحس بها وننتفع بها، بالرغم من أن الحياة الآخرة أهم من الحياة الأولى، لما فيها من الخلود والعمق، حيث يقول ربنا سبحانه: ( وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) 49 إلا أن الحياة الدنيا تتسم بأهمية الحضور الفعلي، وبأنها تمهيد للآخرة، فهي بمثابة المرزعة، وتلك بمثابة الحصاد؛ بل ان الحياة الثانية ليست سوى امتدداً للأولى. فأيّ مذهب يتجاهل الحياة الأولى وما فيها من مصالح يعتبر مذهباً خاطئاً وغير قابل للتطبيق. وهذا النقد لا يخص المذهب الأفلوطيني فقط، بل يشمل كل المذاهب الصوفية التي ألغت دور الإنسان في هذه الدنيا، وألغت القيم المادية التي تحركه فيها.
5/ المذاهب العلوية الجديدة
مدرسة مونتاني التي تعتبر خليطاً من الأفكار الرواقية والبيرونية والأبيقورية وحتى المسيحية المحافظة، هذه المدرسة افتتحت عصر التأمل الأخلاقي الجديد في أوربا، وقد اتبعه باسكال في أكثر أفكاره.
وترى هذه المدرسة، وجود نظام طبيعي أنشأه الرب تعالى، ولهذا النظام غاياته التي تقصر عقولنا دون وعيها جميعاً. ومن هنا فلا نقطع بشيء (لا أفكار الملحدين ولا تعصب المتدينين)، وإنما القيمة الأسمى الاستسلام للطبيعة، والسير وراء الأعراف التي سار عليها الأقدمون، وعرفنا صحتها من قدمها، والاستفادة من كل الخيرات في الأرض، وعدم العسر (والتكلّف) والابتعاد عن الطموح (الحرص) وتقبل الموت والألم لأنهما من الطبيعة50.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب