فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
المذاهب الدينية
1/ المزدكية (الزردشتية)
منذ زرادشت (بين العاشر والسادس قبل الميلاد) الذي منهج الفكر الايراني في الأخلاق، حتى القرن الثالث الميلادي، حيث ولدت المانوية، كان الفكر الأخلاقي الايراني ذات أهمية في إبراز المسؤلية الإنسانية، ولكن بحجج غير مقنعة، حيث كان الفكر السائد عليه، وهو (المزدكية) مذهباً ثنوياً ينصّ على وجود مبدأ للخير هو (مزدا) أو "اهورامزدا" وهو يميل إلى أن يخلق ثانية في الكون، حالة المباهج والكمال، التي عرفها هذا الكون قبل أن يأتيه "اهريمان"، مبدأ الشر، ليفسد كل شيء (في المادة، كما في الروح). وتتضمن عملية الاستعادة هذه مساهمة الإنسان في مساعدة الإله في هذا الصراع الدائر من أجل "السعادة الخالدة". ويصف لنا كتاب المزدكية المقدس (الـ"آفستا") بالتفصيل مراحل هذا الصراع وتطورّاته، والنصر النهائي (الذي يكون لإله الخير أخيراً). وهكذا تتجلى في هذا المذهب مسؤولية الإنسان في مساعدة إله الخير.
2/ الكونفوشيوسية والطاوية
كونفوشيوس (القرن السادس قبل الميلاد) تميّزت ديانته - (الصينية الأصل) - بالاتجاه السياسي، وآمن بالسنّة الموروثة، واعترف بالقيم التي تنشأ أساساً من البر (برّ الأبناء لآبائهم)، حيث رأت هذه الديانة أن البرّ (النقي بالذات) هو المصدر الذي تستمد منه الفضائل الأخرى؛ طاعة ولي الامر، واجبات الزوجة تجاه الزوج، الواجبات تجاه الأسرة، تجاه الصديق، تجاه الآخرين. وهكذا فان هذه الأخلاقية تقوم على الحدب الكلي، المستند - ولنكرر القول - إلى فكرة وجود النظام (أو لعلّه ما يقارب نظاماً) في الطبيعة، وتتجلى في المقام الأول على شكل التهذيب البالغ الذي تتميز به الآداب الإجتماعية51.
وليس في هاتين الديانتين إلا آثار من الديانة الإلهية، التي يبدو انها كانت في تلك البلاد قبل أن تنالها يد التحريف. فوجود نظام أعلى يجب أن نكيّف أنفسنا معه، ووصايا عملية تستنبط من ذلك النظام، وهي على العموم وصايا اجتماعية تخفف من حدّة الصراع بين الناس (الطاعة - الالتزام بالواجبات - التواضع) هذه تشبه آثار الديانات الإلهية.
3/ اليهودية والمسيحية
حصيلة الرؤية اليهودية رؤية أحدية (كما الديانات الكبرى)، وأن المثل الأعلى فيها طهارة القلب واحترام العدالة. فالعالم مملكة الرب خالق الكون، ذلك الرب المهيمن الجبار، الذي يَعِدُ بالثواب الذين يحبونه ويحفظون وصاياه، بينما يوعد عقاباً شديداً من يعصيه.
أما المسيحية فإنها تعتمد - في العموم - ذات المفاهيم اليهودية، وفيها اتجاهان:
1- أما الاتجاه الأول فهو متشائم نسبياً. فالله خالق السماء والأرض، ولكن هناك الشيطان الذي يجرّ الإنسان إلى حيث الخطيئة. وأما الشيطان فهو المخلوق المتمرّد الذي سقط، وجرّ معه في سقوطه آدم وحواء52..
2- الاتجاه الثاني يتمثّل في المذهب الانجيلي المتفائل، لأن "البشارة" المسيحية هي أن الله قبل كل شيء أب لا متناهي الحدب، وأما الناس فهم أطفاله. ويتلخّص إصحاح الناموس والأنبياء بالقاعدتين التاليتين؛ محبة الله "احبب الرب إلهك من كل قلبك" ثم لكي نقدم له خير دليل على هذا الحب، محبة الغير "واحبب قريبك كنفسك". وهذا ما يبرّر - كما تجدر ملاحظته - إدانة كل ما قد يضلّنا عن هذا الحب (كالأهواء والثراء..)
4/ البروتستانتية
التفسير اللوثري للقيم المسيحية، والذي تأثر بالروح الالمانية (التحرر من غلّ الماضي، والانطلاق في رحاب الفاعلية) وأن الوجود لا يتأكد إلا بواسطة السلبية المسبقة، واظهار الطاقات الكامنة)53.
هذا التفسير كان ذا أثر كبير في التقدم الذي نشهده في العالم، لأنه لم يدمّر العقيدة، بل أعاد صياغتها، حتى تحولت إلى طاقة بناء في مسيرة البشر، طبعاً لم يقم لوثر إلا بجانب من هذه العملية، حيث جاء كالفن الفرنسي لتكميل الصورة. فلوثر، أخرج الدين من وصاية الكنيسة، بينما أطره كالفن برسالة إنسانية.
5/ الأديان العلمانية الحديثة
القيم التي دعت إليها الأديان العلمانية الحديثة تتشابه والقيم المسيحية، التي أشبعت أوربا بها، وقامت حضارتها عليها، ولكن تنكرت هذه المذاهب العلمانية لينبوع القيم، وحاولت الإنتفاع بالروافد فقط. ولكنها فقدت بذلك أصالتها وبرهانها. فلماذا - مثلاً- نخلص للعمل لو لم يكن العالم قائماً على نظام عادل يدبره رب حكيم عليم؟ ولماذا العلم المشترك؟ ولماذا تسخير خيرات الأرض، ولماذا التقدم؟ إن الدين يأتي ببيان مفصل ومقنع لأصول هذه القيم، فلو حذفناه حذفناه بلا بديل مناسب.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب