فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
المذاهب الطبيعية
1/ علاقة العلم بالأخلاق
قبل أن ندرس المذاهب الطبيعية التي اعتمدت في الاغلب على العلم، لا بدّ أن ندرس علاقة العلم بالأخلاق، وذلك عبر نقاط:
أولاً: العلم يتكامل.. وما هواليوم صحيح عند صاحبه بكل غرور، يصبح - غداً - باطلاً بكل تأكيد؛ فكيف نربط عجلة الأخلاق به، وهو لا يجرّ حمله54؟
ثانياً: العلم يعطي القوة للانسان، والمفروض أن نلجأ إلى الأخلاق لضبطه؛ فإذا ربطناها به، فان ذلك يكون بمثابة الغاء دور الأخلاق تماماً. وحسب برغسون في كتابه (الينبوعين): إن الخطر الأكبر في العلم في كون الوسائل المادية (التي يوفّرها العلم لنا) غير مصحوب بالضرورة بـ(تمدّد) للروح الإنسانية متناظر (ومساو) مع ذلك التضخّم55.
ثالثاً: العلم يبشر بأخلاق لا الزامية، وهو خلاف ما نتوقعه من الأخلاق. فالهدف من الأخلاق الالزام، وواضح أن العلم لا يمكنه أن يعطينا إياه، فإن "الأساتذة الفرنسيين" عبر حقبة 1880 ظنّوا أن من الممكن إلغاء فرضية الإله التي قدّم بها العهد، وبناء أخلاق علمانية تطرح على الناس "نمطاً انموذجياً" لإنسان عقلاني بصورة تامة ومتناسق، واعتقدوا أن مزيّته القائمة على كونه مثلاً ستصبح ذات تأثير.. غير أن خطأهم كان مزدوجاً: أولاً: إذ ليس هناك أيّة صلة بين العلم والالتزام.. وثانياً: لأنه لا يوجد "ماهيّة للانسان" في مجموعة من الخواص المثالية، علماً بأنه لا يكون الإنسان إنساناً حقاً إلا إذا تمّ تحققها فيه على وجه الأرض56.
بلى من فوائد العلم أمران:
أولاً: إنه يكشف الحقائق بوضوح أكبر - خصوصاً في علم النفس والاجتماع. ومن حق الأخلاق أن تستفيد من هذه الحقائق، حيث يبيّن العلم موضوعة علم الأخلاق.
ثانياً: إن من شأن التقدم العلمي أن يخفف من مصاعب وآلام الناس؟.
ثم إن العلم - أنّى كان حقله - يكشف المتغيّرات في الحياة، والتي تختلف حسب الظروف وحسب مفردات الحقائق، كما وحسب الزمان. بينما الفلسفة - أنّى كان حقلها ومنها الحقل الأخلاقي عموماً - تتناول الجانب الثابت في الحياة. واما القيم فهي نمطان، قيم تتصل بالمتغيرات فتعتمد على العلم، وقيم تتّصل بالثوابت فتعتمد على الفلسفة (العقل). ومن هنا فان خلط موضوعات الفلسفة بموضوعات العلم يفسد العلم والفلسفة معاً.
والأخلاق من اختصاص الفلسفة، وإنما يقوم العلم بدور هامّ في بلورتها. فاذا قررت فلسفة الأخلاق ضرورة التجانس والتناغم في المجتمع، فان علم المجتمع يأتي ويبيّن أبعاد هذا التجانس وآفاقه؛ مثلاً يقول لنا - حسب التجارب - أن أفضل التجانس هو التجانس بين أفراد الطبقة دون إلغاء الطبقة مثلاً، بينما يأتي علم الرياضيات ليبيّن كيف يتمّ التجانس على أرض الواقع بالأرقام.. (توماس مور).
وإذا اعتمدت الفلسفة الأخلاقية مبدأ تدخل الدولة، فان آلية هذا التدخل تكون من اختصاص العلم بالاستفادة من الدوافع والمنفرات. أو بتعبير آخر؛ الترغيب والترهيب (هوبز) وكذلك حين تعتمد فلسفة الأخلاق مبدأ الضرر والمنفعة (على أساس القيم المادية)، فان آراء (متشنيكوف) تنفع في هذا الحقل، لمعرفة ردود كل فعل من المنافع، لتقييم النتائج على أساسه، وهكذا يتدخل علم الطب في حقل الأخلاق.
2/ موجز تاريخي عن المذاهب الطبيعية
يعتمد هذا المذهب على العلم، لانتزاع أخلاقية مناسبة لتطوره..
وأول من ادعى ذلك كان أبيقور الذي طمح أن يكون حكيماً "عالماً" وينشئ فلسفة أخلاقية قائمة على العلم، إلا أن الفترة الكبرى لانتشار النظريات الطبيعية، تقع بشكل خاص في مطلع القرن الثاني عشر، ثم تمتد إلى أيامنا هذه، وكان الشكل الذي اتخذته في البدأ نفسانياً (سيكولوجيا) مع "بايل" و"هيوم" و"هلفسيوس" والخ.. ثم فيما بعد مع "جون ستيوارت ميل" أو "فورييه".. واستندت بصورة أعم أيضاً على علم الاحياء "البيولوجيا" (فأخذت بذلك من جديد بوجهة نظر الرواقية القديمة التي كانت تشكل من إحدى زوايا النظر، "أخلاق أطباء" ترتكز على المعرفة الفيزيولوجية لذلك العصر) فكان ذلك مع "دولباك" Dholbach في أواسط القرن الثامن عشر، ثم لدى أطباء حقبة أعوام فجر التاسع عشر أمثال "كابانيس" Cabanis و "ديستوت دي تراسي".. وانتشرت أخيراً، لاسيّما، في فترة الشعبية الكبرى للنظريات التطورية (حوالي 1880)57.
ومنذ القرن الثامن عشر وحتى اليوم، يتقلّب هذا المذهب بين أحضان مختلف الحقول العلمية، فمع بايل وهيوم وهلفسيوس، ثم ستيوارت ميل وفورييه، ينمو في حضن علم النفس. ثم تراه ينقلب إلى علماء الطبّ مع دولباك. ثم مع فرويد ومتشينكوف - الطبيبين الذين رعياه في المطب النفسي الحياتي - ومع هوبز في حضن الفيزياء، أو مع ماركس في كل هذه الفروع.
ولم تفقد الفكرة قوتها في أيامنا هذه، فقد نشط "متشينكوف" مثلاً و "فرويد" (وكلاهما طبيبان) لكي يبرهنا هما أيضاً على أنه لا يمكن بناء أخلاق صحيحة إلا بالارتكاز إلى معرفة الميول السيكو - بيولوجية (النفسانية - الحياتية) التي تشكل "الطبيعة الإنسانية"58.
إلا أن المحاولة الجادة تمّت على يد دوركايم، ومحاولاته دراسة السلوك بالاختبار59.
3/ المذهب الأبيقوري
قبل كلّ شيء لا بد أن نعرف أنه قد قسّمت المذاهب الطبيعية إلى قسمين:
أولاً: ما استندت إلى طبيعة الإنسان، ولم يتجاوز الطبيعة الفجّة إلى سماء الرّوح.
ثانياً: وما استندت إلى بعض فروع العلم الحديث.
والأبيقورية والمذهب النفعي من القسم الأول. أما الابيقورية (حوالي القرن الرابع قبل الميلاد) فقد تمحورت حول قيمة اللذة والتوازن بين درجتها ودرجة الألم، وحاولت أن تنطلق منها إلى بناء كيان أخلاقي متكامل، لا يعتمد على الدين والخشية من المعاد؛ بل على توازن اللذة والألم، وتجنب التي تسبب من الألم قدراً أكبر… وقسّمت المتع إلى ثلاثة أنواع، فقالت بـ"التمييز بين الحاجات الطبيعية الضرورية من ناحية (كالطعام، والنوم والخ.. وهي سهلة الاشباع دائماً، فيكفيها بعض الماء أو الخبز أو غطاء للنوم) وبين الحاجات الطبيعية غير الضرورية من ناحية ثانية (كالرغبة الجنسية، الخ..) التي يستسلم لها الحكيم إذا اتيحت له الفرصة، شريطة أن يتفادى دائماً (أن) تتكون (عنده) عادة تجعله عبداً لهذه الرغبات، فتسبّب له الألم - بالتالي - إذا لم يستطع اشباعها. وبين الحاجات غير الطبيعية وغير الضرورية من ناحية أخيرة (كالمجد، والثراء، والخ..) والتي يجب على الحكيم أن ينصرف عنها، لأن الحصول عليها يتطلّب جهداً يفوق التلذذ الناجم عنها".
يجب بالتالي أن يعيش المرء, حياة متوازنة وبسيطة ومتواضعة، دون أن يبحث إلا عن لذة الصداقة (تلك اللذة الصافية المتجددة دوماً) ودون أن يؤذي أحداً (مما يجنبه التعرض للانتقام)، ودون أن يحسد أحداً.. كما يجب أن يتحمل الألم (إنه لا يدوم أبداً ويمكن محاربته بأسلوب مدروس قائم على استحضار الذكريات السعيدة). وعلى أيّ حال فإن الحكيم يستطيع دائماً هجر الحياة إذا اصبحت لا تطاق (كما يغادر غرفة اصبحت مليئة بالدخان) ما دام الموت ليس أمراً يبعث على الخشية.
ولكن المشكلة التي غابت عند أبيقور وأصحابه، أن جماح اللذة عن البشر، لا يكبحه سوى الايمان بالآخرة، لذلك تجد النتائج الخطيرة لهذه النظرية، حيث أصبحت شعاراً لكل الفساق والمستهترين بالقيم، والخارجين على القانون وحسب غريغوار:
يتّضح لنا مما سبق أن "ابيقور" يصل بالنتيجة إلى إحياء الفضائل التقليدية؛ التعفّف، والصداقة، والشجاعة، والخ.. ولكن هذه الحكمة العذبة والعقلانية (والتي تقوم ميزاتها الرئيسية على تذكير الناس بأن الألم يتوقف، بنسبة كبيرة، على التقدير الذي نضعه نحن ذاتنا للأشياء) كان من نصيبها أنها (لاقت من النجاح بسبب مقدماتها أكثر مما لاقته بفضل نتائجها) على حدّ تعبير "ريفو".. بل وأصبح المفهوم غالباً مما يعنيه الانضمام إلى الابيقورية (بالنسبة لروما مثلاً) البحث المنهجي الأمثل عن المتع السهلة60..
بالاضافة إلى ذلك فان الابيقورية تضرب في المثالية حتى الاعماق، حيث أنها تفرض وجود حياة هادئة وبسيطة، ورجال حكماء يقدّرون مستوى الألم ومستوى اللذة، ويقدرون أيّهما أعظم، (وهذا - بالطبع - عملية صعبه ومحفوفة بسوء التقدير غالباً)، كما ويستطيعون ضبط أهواءهم بإرادة صلبة.
4/ مذهب المنفعة
أحيت الفلسفة الحديثة المدرسة الأبيقورية في القرن الثامن عشر، وحاولت أن تبني المدرسة النفعية هرم القيم على قاعدة المنفعة، أو اللذة. وهذه المدرسة قامت على أنقاض المدرسة الابيقورية. إلا أنها طعمتها ببعض الأفكار المسيحية، حيث وسعت حدود كلمة اللذة (المنفعة) حتى شملت اللذة المعنوية مما جعلت الكلمة قريبة من معنى السعادة.
وكانت هذه نظرة الكثير من الفلاسفة (أمثال "هوتشسون" و"هلفسيوس" و "ديدرو" و"بكاريا" و"نبتهام") ولكن الذي طورّه أكثر فأكثر كان "ستيوارت ميل" وذلك حوالي عام - 1850 فاستكمل هذا الوحي وقام بتنهيجه، كما يلي:
"لا يكفي أن نأخذ بعين الاعتبار (على غرار "بنتهام" مثلاً) شدة اللذات، وقرب منالها، وسعتها. فهذه جميعاً مفاهيم كمية فحسب، ولكن يجب النظر أيضاً إلى صفتها، ذلك أن هناك سُلَّماً تسلسلياً للذات (برهن على صحته موافقة "الرجال المختصين" - كالقديس أوغسطين - الذين خبروا جميع اللذات بشكل متوال). وهذا مما يجعل بعض اللذات أدقّ صفاء وأرقى تشذيباً من بعضها الآخر، وبالتالي أكثر "خصباً" منها.. فهي منابع لا تنضب لِلَذّات جديدة علينا وعلى أولئك الذين يحيطون بنا، ونجد على رأس هذه اللّذات "العليا" التي تسمو كل السمو على لذات الجسد، نجد لذات القلب كالاخلاص والغيرية، تلك التي لا ينقطع لها معين، وتفيض بمتع جديدة أبداً، تمنحها للمعطي وللمتلقي على حدّ سواء (لأنها تخلق ذلك التلذذ القائم على العرفان بالجميل). وفي الواقع فان المجتمع الذي تسوده "قاعدة يسوع الناصري الذهبية"؛ أي التالية: أحبوا بعضكم بعضاً، هو أصلح المجتمعات بالنسبة للفرد وللمجموعة معاً. ولهذا فان "ميل" يزهو بأن "أخلاقه" نافعة من جميع الأوجه؛ فهي تبين للمرء ما هي لذته الحقيقية، وتدفعه لأن يولد في الآخرين عن طريق تصرفه قناعة خيرة مماثلة، وتفتح الطريق لقيام مجتمع تتوفّر له السعادة الكاملة، وتتحالف المصلحتان الشخصية والعامة فيه بحيث يشدهما رباط لا سبيل إلى حلّه61.
ونقد المدرسة النفعيّة يأتي:
أولاً: بأنه يوسع آفاق كلمات اللذة والمنفعة حتى تشمل معنى السعادة، والتي لا يختلف في أنها هدف الإنسان.ولكن السؤال الهامّ كان ابداً ما هي السعادة (أو قل حسب تعبير مل: ما هي اللذة أو المنفعة)؟
ثانياً: إن أساس لذة الإنسان وعي الحياة (الكينونة)، وهذا الوعي يأتي تارة بالأخذ وتارة بالعطاء وثالثة بالعلاقة الفاعلة مع طرف ثان. ويبدوا أن مل اكتشف بتأمله طرفاً من هذه الحقيقة.
ثالثاً: إن اللذة قيمة ذاتية، وتطويرها حتى تصبح قيمة اجتماعية لا يتم بتلك السهولة التي زعم مل، لأن هناك أكثر من سبب للصراع والتشاح وسوء التقدير مما يسبّب في الخلاف وبالتالي في عدم معرفة أفضل موضوع للّذة. وهكذا تتّضح القيم الاجتماعية كالعدالة والاحسان والتطلع.
5/ المذاهب الطبيعية المعاصرة
فيما يلي ندرس بعض النماذج للمذاهب الطبيعية في الأخلاق، ونضرب مثلاً من واقع الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفياتي (سابقاً) لأنهما أبرز مثلين في عالم اليوم.
ثلاث قيم يقدّسها الشعبان الاميركي والروسي هي:
1- الحيوية والابداع والانتاج.
2- التعاون واشراك الآخرين في الخيرات.
3- الزعامة (القدوة).
من أين استلهمت أميركا وروسيا هذه القيم؟ وكيف اجتمعتا في القيم، وقد كانا قطبين متناقضين (قبل انهيار الاتحاد السوفياتي)؟
إن مصادر الإلهام مختلفة بينهما، بل وحتى التعبير عن القيم ليس واحداً، وإنما جمعهما التحدّي الحياتي الذي خاضاه. فربّما تُلجأ الظروف التاريخية والتحديات المعاصرة، شعباً إلى تبني فلسفة وتقديس قيم أكثر من البحث النظري.
وقد وجدت أميركا ضالتها في المذهب البروتستانتي والصيغة الكالفينية منها بالذات، بينما وجدت روسيا ضالتها في الماركسية والهيجلية وخليط من الفلسفات الأوربية.
لقد تحدثنا عن فلسفة كالفن، وأن لكل انسان رسالة لا بدّ أن يؤديها فوق هذه الأرض، ليساهم بها في الخلق الإلهي (تشبه فكرة الخلافة عند بعض المفسرين للقرآن الكريم). وبالتالي تقدس الكالفينية قيمة النجاح. وهذا النجاح يعود بالخير على الجماعة، حيث يشكل مقدار الفعالية لدى الشخص معيار "قدره المسبق"، وعنه تنبع حقوق وواجبات معيّنة بالتالي، وهي تلك المتعلقة بالزعامة (في مجال ما). وذلك هو مصدر الوحي الذي يستلهمه الاعتناق الأخلاقي الداخلي في الولايات المتحدة، فيستنبط منه تلك العبادة التي يكرّسها للحيوية، وللصراع ضد الطبيعة ولـ"مردود الجهد"، وذلك التبجيل الذي يخصّ به "المنتج الفعال"62.
أما مصدر الالهام عند الاتحاد السوفياتي (قائد المعسكر الشرقي سابقاً) فهو:
1- فلسفة سان سيمون التي اكّدت ضرورة الاستثمار الجمعي لخيرات الأرض (وهكذا قدسوا الانتاج).
2- فلسفة هيغل أن المادة خالدة وأنها تطور نفسها بالابداع.
3- فلسفة "بابوف" و"بلانكى" الفرنسيين في ديكتاتورية الطبقة العاملة، وهكذا قدسوا التعاون (الروح الجمعية)، وهكذا قدّسوا الفعالية والتعاون والقدوة (رمز الطبقة العاملة لينين مثلاً).
ولكن هناك عيباً يشوب هذه النية من وجهة نظر الأخلاق، وهو الكبرياء؛ أي ذلك الاقتناع الراسخ لدى الأميركيين، بأنهم "أعظم شعب في العالم، وخير مقاتلين على وجه الأرض، وأكثر الأمم تطوراً من الناحية الاجتماعية، وأن تاريخهم هو تاريخ انتصار العدالة، وقد اختارهم الله لأجل انقاذ العالم وتطهيره.." كما كتبه أحد علماء الاجتماع الأميركيين (بأسلوب هزلي واضح)63.
كما هناك عيباً كبيراً كان يشوب الاتحاد السوفياتي يتمثل في تبنّي اللاعاطفية، جاعلاً منها قانوناً صارماً، حيث ترى الماركسي يصفي ويطهر دونما إشفاق64.
6/ الأخلاقيات العلمية
وهي تلك التي تقيس حال البشر بالطبيعة، وتستفيد من بعض فروع العلم، مدرسة علمية.. مثلاً استفاد "توماس مور" في القرن السادس عشر، الطوباوية الاجتماعية من الرياضيات، واقترح وحدة الشكل والتماثل والنظامية الرياضية65.
وهوبز (وفاة 1679) استفاد قيمة الدوافع والمنفرات واعتبرها توتّرات ميكانيكية (إيجابية أو سلبية) تثيرها الأشياء الخارجية، واقترح تدخل الدولة المطلق في تنظيم الحياة، وايجاد التوازن بين الشهوات الجزئية66.
أما دي ميستر، فانه استفاد من الفيزياء: أن هناك قوانين صارمة في الكون وضعت من قبل الله (مثل الجاذبية) والأخلاق الحسنة هي التي تتبعها، وهي لا تُعرف إلا من قبل الدين، ولذلك اقترح الاهتمام بالأخلاق الدينية المسيحية67.
أما اوستوالد الفيزيائي فقد عمد لاستخراج قيمة متوخاة من المبدأ الثاني للديناميك الحروري، والذي ينوه بوجود غاية في التطور، وقال: ينبغي تحديد قيم الافعال بمقتضى المردود الموجود بين الطاقة المصروفة، والنتيجة الناتجة68.
وعالم الطبّ متشنيكوف فقد زعم أنه لابدّ من اقامة مجتمع يدار بشكل عقلاني بواسطة أخلاق مبنية على التضامن المنفعي، وعلى التخلّي عن الزيف، وعن اللّذّات الخطرة، وعلى فنّ في الحياة يتيح للإنسان أن يجتاز بسعادة الأعوام التي تستغرقها حياته بصورة طبيعية69.
وفرويد (توفي عام 1939) فقد اعتبر دينامية (حيوية) الكائن، الجنس، وخلقت هذه الدينامية الصراع بين الميول الجنسية العارية وبين التحجيم الصارم لها. وكانت تلك المحظورات القاعدة الأساسية للأخلاقية الاجتماعية.
وزعم فرويد: أن الخير هو النافع وأن الشر هو الضار، ودعى إلى اطلاق حرية كل شخص يعيش حياته الجنسية بالطريقة التي يراها مناسبة70.
أما غويو (الفرنسي) فقد اعتبر الحياة قوة توسعية، وزعم أن أعظم ألوان الحياة ثراء وجاذبية التي تُخرج الإنسان من اطار ذاته نحو الآخرين، وذلك بواسطة الأخلاق والحب.
أما نيتشه الألماني، فقد زعم أن القيمة الأخلاقية تابعة للحيوية الفردية، وأن الانجيل الجديد هو انجيل السادة والفاتحين، وعلى كل فرد أن يمضي قدماً نحو المثل السامي المتمثل في الإنسان الأعلى، الذي لن يبلغه الفرد إلا بالشجاعة والتصوف وبذل النفس بسخاء71.
أما رابليه فقد استفاد من علم النفس، وزعم أن التربية البشرية قادرة على أن تخلق نمطاً من الناس ذوي "غريزة واتجاه يدفعانهم دوماً إلى الافعال الفاضلة"72.
أما هيوم وطائفة من الفلاسفة الموافقين معه، فقد اعتبروا الأخلاق حساسية فيزيائية، واعتقدوا أن بالإمكان خلق احساس أخلاقي لدى الفرد بصورة صنعية عن طريق التربية، وسلم عقلي للعقوبات والمكافآت، بحيث يندفع بصورة آليّة نحو الأفعال الفاضلة73.
7/ الأخلاق الكانتية
تشكل فلسفة "كانت" بمجموعها (كما عرّفها هو ذاته) ثورة شبيهة بتلك التي قام بها "كوبرنيك" في مجال الفلك حين جعل الكواكب تدور حول الشمس، بينما كان علم الفلك القديم يتصور أن الشمس هي التي تدور، ومعها الكواكب حول الأرض74.
وهكذا ترى هذه النظرية ان الإنسان اصل الأخلاق وليس العكس. وزعم كانت بأن الأخلاق صورة مرتسمة في الذهن - أكثر من أن تكون حقيقة في الخارج -.
ولكن إذا كان ذهني يضع الأخلاق، فان ذهن الآخرين يضعه أيضاً، فهم - كما أنا - مشرعون. لذلك يرى أن القاعدة التي يتركّب منها الطابع الأخلاقي، هي في أن يعمل المرء على جعل إرادته متّفقة مع إرادات جميع الاشخاص العاقلين. ويطلق "كانت" اسم "سيادة الغايات" على هذا المثل الأعلى؛ أي ذلك الانسجام (الذي يجب تحقيقه) بين العقول… ومن المستطاع القول بصورة محسوسة أكثر أن الكانتية الأخلاقية تستند بصورة أساسية إلى فكرة الكرامة الإنسانية: (إن الإنسان بعيد عن القدسيّة، ولكن يجب تقديس الشخصية الإنسانية فيه، ويمكن لدى الخلق اعتبار كل ما نشاء كوسيلة.. باستثناء الإنسان)75.
ويفرق (كانت) بين الشيء والشخص، فالشيء وسيلة بينما الشخص غاية. ومن هنا فنحن لا يمكن أن نعتبر الشخص قيمة إلا بصورة مشروطة بوجود وحقوق سائر الأشخاص76.
8/ نقد المدرسة الكانتية
نرى أن (كانت) - وأي فيلسوف آخر - إنما وقع في سلسلة من الأخطاء، عندما كفر بالله خالق السموات والأرض، تلك الأخطاء الشبيهة تماماً بأخطاء علم الفلك القديم، حينما أنكر مركزية الشمس. وكان أحرى بـ(كانت) أن يعود إلى الحقيقة ويؤمن بالله، حتى يعيد الأمور العلمية كلها إلى نصابها الصحيح.
أما في الفلسفة العالية فانه أعلن عجزه عن معرفتها، فقلب الأمر (كما فعل كوبرنيك) وأعلن أن الإنسان مركز الفلسفات العالية وليس العكس؛ لأننا لا نستطيع أن نعرف العالم إلا بالطريقة التي تقتضيها اذهاننا. فدعنا - إذاً نحلل ما يجري في أذهاننا - ودون أن نطمح إلى أن نعرف العالم من حولنا77. وهكذا اعترف (كانت) بما سكت عنه سائر الفلاسفة، وهو العجز عن معرفة كنه العالم المحيط بنا معرفة تعتمد على عقولنا وحدها، لانهم لم يؤمنوا بالرسالات الإلهية ولا بالعقل بصفته نوراً متعالياً عن التأثيرات المادية.
ونقطة الضعف الأساسية في نظرية كانت، هي كيف نوفق بين ما يريده الإنسان (وجدان الإنسان الأخلاقي) وبين ارادة الآخرين.
ويعترف (كانت) بوجود الهوى في داخل الإنسان، وأنه يتميز عن العقل العملي (النابع من الارادة الحسنة)، ولكن لا يعطي مقياساً كافياً للتمييز بين العقل والهوى.
ثم يبقى أن نقول أن الالزام في أخلاقية (كانت)، غير مبّرر بصورة كافية، وبالذات حينما يتصل بالآخرين.
ونظرية (كانت) في الأخلاق، تعتمد على نظريته في المنطق (النسبية الذاتية) وقد تحدثنا في المنطق عن نقد تلك النظرية، وقلنا: إن الزمان والمكان، وسائر المدركات العقلية المسبقة، ليست قوالب جاهزة يضفيها العقل على الأشياء، لأن العقل يجد ذاته (وجداناً واضحاً) بعيداً عنها.
والذي غاب عن (كانت) أن هذا الوجدان ليس نهاية المطاف، اذ يمكن أن يقول أحد: ما الذي يدعوني إلى اتّباعه؟! بل الوجدان بدوره من ومضات العقل البشري الذي يضيء رحاب النفس، وإذا تأملنا - عميقاً - وجدنا هذا العقل هو في كل موقع شاهد وحجة، فهو الذي يمنع التناقض، وهو الذي يعرف الحكمة في الطبيعة، وهو الذي يهدي إلى القيم الأخلاقية، وهو الذي يذكرنا بأن هذه القيم ذات أصول في الحياة، وبالتالي هو الذي يدلّنا إلى ربنا سبحانه.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب