فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
المذاهب الفاعلية حين قلب (كانت) المعادلة، فظنّ أن الإنسان هو الأصل في الأخلاق، فتح الباب عريضاً وواسعاً أمام نظريات التطوّر للتدخل في الأخلاق، ونستعرض معاً بعضاً منها: 1/ نظرية التطوّر عند راو عند راو ( Rauh ) 1909م، الإنسان يتطور لأنه ابن الظروف المتغيرة، إذاً أخلاقه يجب أن تتطور، وقيمة القيم في الأخلاق تجربة الإنسان الأخلاقية، التي لا يمكن الاحساس بها إلا عن طريق الفاعلية. قال: بأن الواقع الأخلاقي هو دافع، أيّ شيء ما حيّ ومرتبط بالحياة، مع كونه في صيرورة دائمة على غرار الحياة. وعلى ذلك فلا يمكن الاحساس بالعامل "الأخلاقي" إلا عن طريق الفاعلية. فهناك تجربة أخلاقية تدوم مدى الحياة ونلمس مظاهرها المتعدّدة بواسطة حدس يتعدل باستمرار من خلال احتكاكه بالاحداث.. وليس هناك "واجب" بل توجد واجبات هي دائماً حركيّة وخاصة، دونما "قاعدة" كلية، وهذه تعدّدية يجب ألا تؤدي بنا إلى مذهب الشك الأخلاقي، بل إلى الاقتناع، بأنه يجب علينا أن نعيش عدداً لا متناهياً من التجارب لأجل الوصول إلى اكتمال المثل الأعلى78. ونقدنا لهذه النظرية يتمثل في أمرين: الأول: في القاعدة التي انطلق منها، والمتمثلة في النسبية الذاتية، وأصالة الإنسان (عند كانت) وقد تحدثنا عنهما آنفاً. الثاني: في أن الفاعلية قيمة لا ريب فيها، وهي تبرز ما خفي من كيان الإنسان، وتبلور شخصيته بالاحتكاك المستمرّ مع الحوادث، ولكنها إن لم تكن وفق معايير ثابتة فانها لا تكفي الإنسان ولا تعطيه رؤية واضحة، ودليلنا إلى ذلك، حشد التجارب الفاشلة عند من يملكون الفاعلية دون رؤية، ثم إن أعظم ميزة للبشر، إنما هي قدرته على استيعاب تجارب الآخرين، وقسط كبير من القيم الأخلاقية هي تجارب بشرية متراكمة، فلماذا نتركها ونبدأ من جديد. بلى؛ التجربة الإنسانية المباشرة، هي الأبلغ نفاذاً والأغنى حكمة، ولكنها وحدها لا تكفي. أما الحديث عن متغيرات الحياة، فهو حديث شيق، ولكن شريطة ألا ينسينا ثوابتها، ولا أحد بقادر على انكار الثوابت التي تتدفّق من خلالها حوادث الحياة، كما يتدفق تيّار الماء من خلال نهر أو انبوب، ومن دون الثوابت تضيع مواد الحياة، كما تتلاشى المياه في صحراء واسعة. 2/ الفاعلية الارادية أما برغسون (1932) فقد طوّر هذه النظرية إلى بعد جديد، إذ ميّز بين نوعين من الأخلاق: ألف - الأخلاق "المغلقة"، وهي ليست سوى ضغط اجتماعي بسيط، أو مجموعة من القواعد (الأخلاقية النابعة من العوامل) الخارجية عن الفرد والهادفة إلى تأمين توازن وحفظ بقاء الجماعة. باء - الأخلاق "المنفتحة"، ذات الماهية الشخصية والخلاقة، وهي انفعال يعيشه الفرد فيجيش في نفسه ويتجسد على شكل "اختراعات أخلاقية" تدفع الإنسانية قدماً إلى الأمام نحو مثل أعلى من الاخاء، تتزايد كلّيته باستمرار. فهذه أخلاق قائمة على الفاعلية.، ولا يسعنا - امام هذه النظرية - الا الاشادة بهذا التأمل الاخلاقي، وبالذات في كشف قيمة الفاعلية (التي تعني عنده اخلاقية العطاء) ونضيف: ان الانسان خلق ليتفاعل مع العالم المحيط، فجسده حيّ بالتواصل مع البيئة أخذاً (الطعام والشراب مثلاً) وعطاءً (الحركة والجنس مثلاً) وكلما ازداد تواصلاً مع بيئته ومحيطه ازداد عنفواناً وحياةً. ولكن هذه القيمة السامية التي يكتشفها (برغسون) ليست القيمة الوحيدة، بل هناك قيم الصدق والوفاء وحتى القيم المادية (التي هي قيم الأخذ) التي يجب ألا تنسى، وهي تتكامل فيما بينها لتعطينا حياة سعيدة. 3/ البراغماتية وقد بنى هذه النظرية الكاردنيال "نيومان"79, ولكن الذي طوّره إلى مداه كان "و.جيمس" الأميركي (المتوفى1910) حيث يجب بمقتضى هذه الفلسفة ألا نعرف "حقيقة" فكرة ما، إلا بأنها القابلية فحسب، التي تمثلها، لحملنا على أن "نفعل" بشكل مفيد؛ أي مفيد بالنسبة للفرد، وبالنسبة للجماعة، وبالنسبة للكون بأجمعه… وهذا ما يعني أنه ليس هناك "أخلاق" مصنوعة سلفاً، بل يوجد تجارب أخلاقية مفعولة فحسب، تتجلّى قيمتها بما تجلبه من دعم فعّال إلى الملحمة الكونية، حيث يتقرر مصير "النظام المستقبل" (هذا النظام الذي يصعب تعريفه، إلا إذا عرفناه بأنه ما يلائم إلى الحدّ الاقصى الفعالية والمبادهة والدافع الخلاق الإنساني. وهذه هي الحلقة المفرغة التي يدور فيها فكر "جيمس")80. وإذا أردنا أن نقيم هذه النظرية في القيم لا بدّ ان نقول: إن اندماج الإنسان بالواقع عن طريق الفعل، لا ريب مؤثر في وعيه. ولكن السؤال: ما هو معيار المفيد، فهل هو السلام والأمن أم الرفاه والتقدم أم الحرية والانطلاق؟ ثم المفيد لمن، هل للبشرية؟ أم لي؟ أم لنا؟ ومن نحن؟ هل مواطنوا دولة؟ أم المنتمون إلى حزب؟ أم إلى قومية؟ وإذا تعارضت المصالح فما هو المعيار لمعرفة أكثرها نفعاً واهمية؟ هل العقل أم الوحي أم التاريخ (الأقدم هو الافضل) أم العرف (رأي الاكثرية)؟ إن نظرية وليم جيمس الوسيلية اكتشفت قيمة هامّة ولكنها تبقى ناقصة اذا لم تكتمل بسائر القيم المكتشفة من قبل سائر النظريات. 4/ موريس بلونديل ويرى موريس بلونديل (المتوفى عام 1949) أن قيمة القيم، الفاعلية التي تنتج من إدراك النقص في وجودنا. فان التفكير الأصيل، ليس سوى فاعلية؛ أي ذلك الانطلاق الذي يلازمه ادراك النقص، الذي تتسمّ به كل غاية محسوسة. وهكذا فان الفاعلية وحدها فحسب، في سيرها الدائم وعدم اكتمالها أبداً، هي القادرة على أن تكشف لنا في أعماق ذاتنا عن تطلّب داخلي، أو تطلّع محايث، هو النداء إلى الله.. والاستسلام إلى الله، هو التلبية لهذا النداء81. واضح أن الجديد في نظرية بلونديل ليس سوى ربط تجارب الفرد بالتجارب البشرية التي تراكمت - كما نهر متدفّق - وأصبحت، في رأي هذا الفيلسوف (الكاثوليكية تعني الجمعية) ولكننا نقول: إن التجارب البشرية كثيرة ومتنوعّة، ولا بد أن يكون لدى كل فرد معايير لاختيار الأفضل منها والأهدى سبيلاً، ونرى أنها موجودة فعلاً في العقل المدعم بالوحي، ولَستُ أدري موقف (بلونديل) من هذه المعايير. 5/ الوجودية أما كير كيغارد (المتوفى 1885) الذي اتّبعه الوجوديون بنسبة معينة، فقد رأى أن مصدر الالهام للقيم إنما هو القلق الداخلي للانسان، وأن قيمنا الأخلاقية (وبصورة عامة جميع منجزات "الثقافة" الإنسانية) معلوة علويّة لا متناهية بالقيمة الحقيقية الوحيدة: الايمان الخالص82. وهكذا اتصفت الوجودية عند (كير كيغارد) بالايمان اللاعقلاني، واعتبر مصدر الأخلاق هو الله. أما الوجودية الملحدة التي ترعرعت على يد (هايديغر وسارتر) فقد زعمت ان الوجود هو المصدر الوحيد للقيم. وعندما ضاقت السبل بهم، لتحديد قيمة التعاون مع الآخرين، فقد عمد (سارتر) إلى جعل احترام حرية الآخرين قيمة هامّة أيضاً. ولكن كيف يمكن تصور "أخلاق" إذن في مثل هذه الظروف؟… وباسم أيّ معيار يمكننا إقرار قيمة نعيّنها لكائن آخر هو بالتعريف (حسب سارتر) خالق حر للقيم؟ وهنا - في ظنّي - مشكلة "الكانتية" بكل صورها، ومنها الوجودية الملحدة، فاذا ألغينا الآخر (غير وجودي أنا) ينهار البناء الاجتماعي والأخلاقي ونصل إلى ذروة الفوضوية، وإذا اعترفنا بقيمة الآخر فما الفرق بينه وبين الوجود (الأحياء/ الجمادات و..) ما دامت موجودة وكيف نفرّق بين الإنسان وغيره؟
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|