فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
القيم الأخلاقية في القرآن
في هذا الفصل نقرء عن العبادة وكيف كانت هدف الخلقة ، وعن علاقة الإيمان بالتمسك بالقيم، وعن دعائم الإيمان وأبعاد الإيمان.
1/ العبادة غاية خلق الإنسان
قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إلا لِيَعْبُدُونِ * مَآ اُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ اُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(92.
استلهاماً من هذه الآية الكريمة نعرف فلسفة القرآن في الحياة والهدف الأساسي لخلقه، وهي - حسبما يبدو لي فيما يتصل بالحياة الدنيا- تتلخّص فيما يلي: العالم خليقة الله سبحانه، والإنسان أكرم خلق الله تعالى في هذه الدنيا. وقد جعل القرآن الكريم عبادة الله، غاية خلقه، وهدف وجوده؛ فما هي العبادة؟ لكي نعرف أبعاد هذه الكلمة (التي هي القيمة الأسمى في هذه الآية) دعنا نتأمل في آفاق معنى الخلق، ثم في معنى العبادة.
الإنسان خَلقُ الله، ماذا تعني هذه الكلمة؟
الجواب:كلمة الخلق تعني أن الإنسان حق، وأنه قائم بالله سبحانه، والكائنات من حوله هي الأخرى حق وهي قائمة بإذن ربها.
ولأن الإنسان مخلوق فهو لا يزال ناقصاً، ويمكن أن يتكامل. وهكذا فإن العالم المحيط به لما يكتمل (والسماء خلقناها بأيد وإنا لموسعون)، ورحمته سبحانه لا تحد وعطاؤه ليس مقطوعاً، وأمام الإنسان فرص لا تحد لكي يتعالى. أما وسيلة تكامله وتعاليه فهي العبادة، لأنها صلة المخلوق بالخالق عبر الوسائل التي أمر بها (الصلاة – الدعاء - العمل الصالح).. وهي تستدِِر رحمة الرب إليه. وهكذا أمر الله خلقه بعبادته ليزدادوا كمالاً وسمواً بالرزق والقوة، لأن الله سبحانه هو الرزاق ذو القوة.
2/ حقيقة الايمان
وعي الحقائق عقل، والعمل وفقها تقوى، وهما معاً ايمان. ومن هنا اتصلت القيم الأخلاقية السامية في السنّة الشريفة بكلمة العقل، حيث اعتبر له جنود من العلم والحلم والصبر والزهد و.. و..93 ، بينما ارتبطت القيم في القرآن بكلمة الايمان. إذ القرآن الكريم يبيّن كافة أبعاد الحياة (وعياً وعملاً)، بينما السنة - التي تفسر الكتاب- قد تفصل بين وعي الحقائق وبين العمل بها، بهدف التبيان، على أن السنّة قد تبّين عدم انفصال التمسك بالقيم عن الإيمان.
وللإيمان درجات، لأنه كلمّا ازداد القلب تسليماً ازداد يقيناً وايماناً قلبياً، وكلما ازداد المرء تسليماً علمياً ازداد تقوى وتسليماً عملياً. وهكذا يتسامى الإيمان درجات، هي كالتالية، فيما نستلهم من النصوص:
1- الشهادة بالحق، والاعلان عن الإنتماء اليه، واشهار ذلك أمام الملأ، ومن ذلك امرنا الله بأن نقول كلمة التوحيد ونشهد بها. قال الله تعالى: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) 94.
2- مخالفة الهوى، حتى يتمّ التصديق بالحق بكل جوانح القلب، وطرد الوساوس والشكوك، وبالتالي جعل الهوى تابعاً للحق وليس العكس. ولعل ذلك يتم بالتزكية التي أمر الله بها، وقال: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) 95.
3- اتّباع الحق عملياً بكل قناعة، وذلك هو الأداء الذي يتجلّى بعمل الصالحات، والذي يعقب الايمان في القرآن الكريم حيث يقول ربنا سبحانه: ( الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَالِحاتِ ) .
4- التوكل على الحي القيوم والذي يجعل عزيمة المؤمن قوية بالله الحق، حتى يستسهل المرء الصعاب ويقتحم غمار الحياة بكل شجاعة.
5- تفويض الأمر إلى الله سبحانه، حيث يستقبل المرء مختلف الحوادث بالسكينة والرضا ودون أدنى اعتراض.
3/ دعائم الايمان
كيف يعتمر القلب بالايمان؟ بكلمة واحدة؛ حين يُسقط الإنسان بعقله حجاب الزمان فيعيش عِبرَ الماضي، وعواقب المستقبل، يعيشهما بذات الوضوح الذي يعيش الحاضر. وحين يسقط حجاب الظاهر وينفذ ببصيرته إلى غيب الباطن، فاذا به لا ينظر إلى شيء حتى يتبصّر أوله وآخره وحكمته وعبرته. وحين يسقط حجاب الذات، فلا يمزج بين هوى نفسه وبصيرة قلبه، ولا بين اُمنياته وعلمه، ولا بين هدى عقله وبين وساوس الشيطان.
4/ أبعاد الإيمان
حيث يكون الحق يكون الايمان. فالايمان يكون بكل الحق، إذ مادام الايمان هو التسليم للحق، فانه لا يكون لهذا التسليم أي معيار آخر غير الحق.
ولعلّ الكلمة القرآنية التالية تبين هذه الحقيقة، وهي "الايمان بآيات الله" في مقابل "الكفر بآيات الله أو التكذيب بها"، لأن كل حقيقة هي آية من آيات الله.
فالايمان بها يعني الايمان بكل حقيقة. وحين يُعبر القرآن بـ(آيات الله) بدل الحق، فانه يسلب من غير الله سبحانه صفة الذاتية، لكي لا يوهم التعبير معنى من معاني الشرك بالله. قال الله تعالى: (وَمَا تَأْتِيهِم مِنْ ءَايَةٍ مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَآؤُاْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ(96.
والإيمان بآيات الله يتجلى في الإيمان بكل حق (السموات ، الأرض، الأحياء و.. و..)؛ ومن الحق الإنسان، فالإعتراف بوجود بني آدم على هذه الكرة وحقوقهم جزء من الإيمان بالحق. قال الله تعالى: ( يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَاُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) 97.
ومن الحق سنن الله في خلقه، والإيمان بها يعني التكيف معها. قال الله تعالى: ( سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ) 98.
ومن الحق رسالات الله، فالإيمان بها نابع من أن الحق حق في كل مكان. ومادام الحق هو معيار الإيمان (والاعتراف)، فلا يجوز أي تفريق بين حق وحق على أساس طائفي أو قبلي أو مصلحي أو ما أشبه. قال الله سبحانه وتعالى: ( ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ اُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كَلٌّ ءَامَنَ بِاللّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) 99
5/ الإنسان بين الإيمان والظلم
والظلم هو النقيض للإيمان، كما أنه الثمرة الخبيثة للكفر. فالشرك بالله ظلم عظيم، حيث يقول الله سبحانه (على لسان لقمان الحكيم): ( يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) 100 وأي ظلم أعظم من إنكار حق الله.
ومن مظاهر الشرك الكفر بالقيادة الربانية وإتباع الطغاة وهذا الظلم سبب تدمير الحضارات، قال الله سبحانه ( وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) 101.
ولعل الظلم يمثل الجانب العملي للكفر، كما أن الجانب العملي للإيمان يمثله العمل الصالح. قال الله سبحانه: ( الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ اُوْلئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ ) 102

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب