فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
بصائر في قيم التشريع وفي نهاية بحوثنا هذه نسجل خلاصة تأملاتنا في الكتاب والسنة فيما يتصل ببحث فلسفة القانون ونتحدث عن حكمة خلق الله سبحانه للكائنات وعن ثوابت القيم ومتغيراتها، ثم ندرس القيم المتغيرة والاتجاه العام للمجتمع ومكوناته وحاجته الأهم وروحه وكيفية تكامل المذاهب القانونية وكيفية التعرف على القيم المتغيرة ومعايير أولوية القيم وكيفية معرفتها عند الشرع. 1/حكمة الخلق إطار القيم الخليقة صنيعة الله سبحانه، الذي قدرها وأنشأها وصوَّرها وسوّاها وقدَّر أقواتها وأجرى فيها سنناً ثابتة. والخلق عباد الله الذين لم يقطع عنهم رزقه ومواهبه، بل دعاهم إلى الاستزادة منها لأنه واسع العطاء.. وفطرهم على حب التكامل اليه، والتسامي إلى بعض اسمائه الحسنى.. فالخلق في زيادة، ونظام الخليقة في تكامل، ولا ينتهي عطاء الله سبحانه. ( وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) 122. وللانسان دور في تكامله؛ فكلما تطلع إلى الاعلى وسعى له سعيه، وفّقه الله إلى ذلك وهداه. وتلك هي أعظم أهداف الإنسان ان يتقرب إلى ربه باسمائه الحسنى، وأسماؤه هي قيم الجمال والكمال (معنوياً ومادياً) التي لا ينضب معينها. واذا كان التعالي إلى الله (التقرب إليه زلفى باسمائه الحسنى) وإذا كان النمو في كافة الأبعاد في خط مستقيم وفي وجهة الله سبحانه، هدف كل البشر، فإن ذلك يكون غاية المجتمع الاسلامي، بعد أن تتحدد في قيم واضحة المعالم (السلام، القسط، العدل، استثمار الأرض، اكل الطيبات، عمل الصالحات، الدفاع عن الحق، القتال من اجل السمتضعفين، و. و.). فالمجتمع الاسلامي يهدف التعالي (وتنمية ذاته في كل الأبعاد) بتحقيق أسماء الله الحسنى في حياته، وفي حياة كل فرد فرد من ابنائه. والتشريع الاسلامي مصبوغ بهذا الهدف العام، ولكنه لا يشذ عن أيّ قانون في الهدف الخاص به كتشريع وكقانون، ألا وهو القسط الذي يعني ألاّ يبخس حق أي ذي حق عبر فلسفة الحق التالية. الإيمان بالحق صرح القيم العقل يثق بذاته، وتلك الثقة من حقائق ذاته. وحين يكشف حقيقة لا يرتاب في صحة كشفه، فيؤمن بها، ويعترف بوجودها. وحين يعترف بذلك، يشرع في بناء صرح الحقوق الموضوعية؛ فالسموات حقيقة، وعقلي يكشفها لي ويجعلني أطمئن إلى وجودها، وهنا اعترف بها وأومن بأنها حق. وكذلك الأرض وما فيها من جماد ونبات وأحياء وبشر، وأنظمة طبيعية كلها حقائق لا ريب فيها، (لا أشك فيها، بل تطمئن نفسي بها طمأنينةً كافية) وبهذا الاطمئنان أعترف بها. وهنا نتساءل ماذا يعني الاعتراف بهذه الحقائق (وحسب التعبير القرآني الايمان بها)؟ إنه يعني؛ أن أحدّد موقعي منها باعتبارها قائمة وثابتة، ولها امتدادها وأثرها عليّ. فاذا آمنت بوجود الشمس فاني أعترف بأنها تشرق عليّ، وأنها تؤثر فيّ، وانها ذات أنظمة تسير بها، وأنا شخصياً أتفاعل مع تلك الأنظمة (مثل قربها في الصيف وبعدها في الشتاء، وفائدة أشعتها حيناً وضررها حيناً آخر، وهكذا..). إن هذا الاعتراف يعتبر بذرة الحق في أرض القانون التي تنمو وتنمو حتى تصبح شجرة باسقة، فللشمس عليّ حق، يتمثل في التكيف مع وجودها - مثلاً -اتعرض لأشعّتها عندما أنتفع بها، والابتعاد عنها عند التضرر بها. وكما الشمس يفرض الاعتراف بها عليّ حقاً، كذلك الأرض وما فيها. فكل شيء موجود فوق هذا الكوكب يعتبر ذا حق، لأننا نعترف به، وبأنه موجود ووجوده حق، فعلينا أن نتكيف مع هذا الموجود. مثلاً؛ الغابة موجودة وحقها الاعتراف بها، فقد نسخرها لمصلحتنا، وهذا حقها علينا، وقد نحافظ عليها وهذا ايضاً حقها علينا، لأن اعترافنا بها، يستدعي التكيف معها بصورة أو بأخرى. وهكذا تصبح المحافظة على البيئة الكونية أحد أبعاد هذه الفلسفة، التي تشمل - بالطبع - البشر باعتباره الكائن الأقرب إلينا. فكل إنسان اعترف بوجوده فإني أعترف بحقه، فهو قائم يشغل حيزاً من الأرض (حق الاقامة) وتستمر حياته بالرزق، المأوى، والصحة (الحقوق الطبيعية)، وهو عاقل - كما أنا - فهو يتطلعّ إلى المعرفة (حق العلم) وإلى التكامل المعنوي (فلا يجوز التعرض لشخصيته وعرضه). وهكذا تأتي شرعية الحقوق - حسب هذه الفلسفة - ليس من منفعة الشيء للذات (أنا مثلاً) - ولكن من الاعتراف بوجوده كشيء موضوعي قائم بذاته. على أن الاعتراف بالحقائق انفع للبشر من الاصطدام معها، وبالتالي ينتهي الايمان إلى خير الذات أيضاً. وما دامت الحقوق معترف بها، فلا بدّ من تنظيمها؛ ليس لضرب بعضها ببعض، وإنما بهدف الوفاء بها جميعاً. وهذا التنظيم هو خاصة القانون، وذلك الوفاء هدفه. وهكذا نفرّق بين خاصة القانون وهدفه. 2/ القيم بين الثوابت والمتغيرات لكل مجتمع نمطان من القيم؛ الاولى (الأهداف العليا) وهي قيم انسانية ثابتة ومطلقة. والثانية (الأهداف القريبة) والتي تتصل بظروف هذا المجتمع أو ذاك والمتغيرات التي تطرء عليه، وهما معاً يشكلان روح المجتمع. أ/ الأهداف العليا ينطوي كل تشريع على مبادئ سامية (الأهداف العليا)، وبتلك النسبة يتفاعل القانون مع الأخلاق (بهذا المعنى) وتشكّل الأخلاق ضمانة تنفيذية له، بل وتعتبر معياراً لمدى استقامة القانون. فبالرغم من أن كل قانون وضعى خليط من المبادئ، ومن الضرورات الحياتية، إلا أن الناس يحترمون القانون باعتباره حامياً للمبادئ، ويعتبرون الضرورات نوعاً من الاستثناء. وحسب باتيفول: الأواصر القائمة بين القانون والأخلاق تمارس تأثيراً حاسماً، إذ أنها تضفي على القانون الصفة اللازمة لاكتساب الصفة الشرعية123. ب/ الأهداف القريبة في حديث آت نستعرض إن شاء الله معنى هذه القيم، والتي هي جملة أهداف محددة لمجتمع معين، وهي - عادة - مستوحاة من حاجات هذا المجتمع المادي وتطلعاته في ظروف خاصة. ويبقى سؤال؛ ما هي علاقة النمطين من القيم ببعضها؟ الجواب؛ إن القيم الثابتة تقوم بدورين أساسيين في التشريع. ألف - توجيه الجانب الثابت من حياة الإنسان نحو تحقيق تطلعاته السامية. فالإنسان يبحث عن الأمن والعدالة والتقدم، ويطمح للتقرب إلى الله سبحانه، والأخلاق الفاضلة. وهذه من ركائز البشر الفطرية التي لا تتغير، والقيم تتكفل بها. باء - ضبط المتغيرات لكي لا تشط بحركة البشر. فمثلاً؛ الحرب من الحوادث المتغيرة، ولها دوافعها ووسائلها واستراتيجياتها وأساليبها، ولكن الحرب ذاتها لا تسوّغ إلا ضمن شروط معينة، وعند قيامها، لابد أن تضبط بكوابح وقوانين. فالمعايير التي تضبط حركة المجتمع عند الحرب، تخضع للقيم الثابتة، بينما استراتيجيات الحرب هي القيم المتغيرة. 3/ دراسة القيم المتغيرة وتختلف هذه القيم عبر أربعة مستويات: ألف - مستوى الاتجاه العام للمجتمع، والذي يسميه البعض بالروح . باء - مستوى مكونات المجتمع الأساسية، من بيئية إلى ثقافية، إلى طبيعة الحكم فيه، وما إلى ذلك. جيم - مستوى الحاجة الأهم التي يأتي القانون للوفاء بها، بالتالي المشاكل الحادة التي يعيشها الشعب. دال - مستوى المحددات العلمية، وهو الذي اهتمت به المذاهب القانونية العلمية. وتتداخل هذه المستويات على الأرض، ولكننا إنما نفصل بينها، ليتيسّر البحث عنها، وهكذا ندرسها الواحد تلوّ الآخر. روح المجتمع تتفاعل عوامل شتّى في ضمير مجتمع ما حتى تتبلور - لديه - قيمة أسمى تصبغ حياته كلها، فتصبح تلك القيمة خلاصة تجاربه التاريخية وثقافته وبيئته الطبيعية ومستواه الحضاري وما إليها، ويسمي بعضهم هذه القيمة بالروح فيقول "روح الحضارة"، ويعني بدراستها علم الحضارات، وفلسفة التاريخ، وفي بعد معين منها يقوم علم نفس الشعوب، بدراسته. وروح المجتمع تتجلى في ثلاثة مستويات: الإتجاه العام للمجتمع ومكونات المجتمع والحاجة الأهم له . ألف- الاتجاه العام لقد درس المؤرخ البريطاني المعروف "آرنولد توينبي" فلسفة التاريخ من زاوية التحدي والاستجابة له، وتوصل إلى نتائج هامّة أبرزها؛ أن الشعب الذي حقق حضارة لم يحققها نتيجة لمواهب بيولوجية عليا، أو بيئة جغرافية مناسبة، ولكن حصل عليها استجابه لتحدي موقف ذي صعوبة خاصة، استثاره لبذل جهد لم يقم به من قبل124. وهكذا يرى أن الأحوال الصعبة -أكثر من السهلة- هي التي تولّد هذه الأعمال المجيدة125 (الحضارات). وخلاصة الأفكار التي تُستخلص فيما يرتبط بروح المجتمع، هي التالية: 1- ان لكل مجتمع أو شعب روحاً ناشئة من مرحلة حضارية تتشكل من جملة التحديات الداخلية والخارجية، التي يواجهها في تلك المرحلة، وطريقة استجابته لها. 2- إن هذه الروح تفرز قيماً تناسب تلك المرحلة. 3- إن الرسالات الإلهية تأتي لتنقذ الحضارة البشرية والمجتمع الإنساني، وتنذره قبل دماره بسبب انحلاله الحضاري. وقد يستجيب البشر لذلك النداء الإلهي (مثل قوم النبي يونس عليه السلام) وقد لا يستجيبون (مثل قوم النبي نوح عليه السلام) فيهلكون. 4- إن هذا التحدي وتلك المرحلة الحضارية يشكلان معاً محور القيم المتغيرة (الحياتية)، والتي تصبح -بدورها- مصدراً للتشريعات القانونية، وما لم أجده في كتابات توينبي، السبب الذي يجعل بعض الشعوب تستجيب للتحدي، بينما لا يستجيب له الآخرون. أو يستجيب هذا الشعب للتحدي في فترة ولا يستجيب له في فترة اخرى وقد توصّلت من خلال دراساتي إلى أنّ الفكرة الحضارية، التي عادة ما تكون وحياً الهياً أو قبساً من وحي، هي التي تهبط على أرض التحدي فتنبت الحضارة. باء- مكونات المجتمع ويبدو أن المؤلف الفرنسي المعروف "منتسكيو" كان يبحث عن هذه الروح في كتابه (روح الشرائع) الذي يرى البعض أنه كان أعظم كتاب فرنسي ألف في القرن الثامن عشر126. ولقد فتح باباً واسعاً على علاقة التشريع بطبيعة الظروف، وحاول أن يدرس المتغيرات التي تتدخل في وضع القوانين. ومن هنا سمّى كتابه بـ(الروح) لأنه كان يتصور أن للشرائع ظاهراً وباطناً، وباطنها روحها وقيمها، التي تختلف من شعب لآخر. ويتخذ مقياساً لمعرفة القيم يتمثل في قانون العقوبات، حيث يتبين أهمية القيم عند الأمم عادة عند وضع العقوبات؛ فكلما كانت القيمة اعظم والحاجة إليها أشد، كانت عقوبة تركها أكبر127. ويرى أن القوانين -في أوسع معناها- (يقصد ما يشمل القوانين الطبيعية) هي العلاقات الضرورية المشتقّة من طبيعة الأشياء128. ومن خلال نظرة خاطفة لكتاب (منتسكيو) الضخم، نصل إلى هذه النتيجة التي يريد اثباتها، ولقد وفق لذلك بنسبة كبيرة، هي أن هناك صلة قريبة بين وضع القوانين، وبين الأمور التالية: 1/ صلة التشريع بطبيعة الحكومة من جمهورية (على الطراز الروماني القديم) أو ملكية أو مستبدة. ويتحدث طويلاً عن القيم الأخلاقية التي تناسب شكل الحكومة (النظام السياسي) والتربية المناسبة لها. وكذلك القوانين التي تتلاءم وكل نوع منها. مثلاً؛ كيف يجب أن نزرع في نفوس الشعب في النظام الديمقراطي حبّ الجمهورية وحب المساواة، والقناعة؟ كما أنه يتحدث عن طريقة سن القوانين ومدى بساطتها وصراحتها في كل نظام سياسي، وما هي عوامل الفساد في كل من هذه الأنظمة؟ 2/ يبّين علاقة القوانين بوضع أنظمة الدفاع عن المجتمع، وكيفية تدبير السلامة في النظام الجمهوري أو الملكي، ويتحدث عن الحرب وعن الحرية في مختلف الأنظمة وصلة جباية الضرائب بالحرية. 3/ صلة القوانين بطبيعة الاقليم، فيقول: إذا كان من الصحيح أن سجية النفس وأهواء القلب تختلفان إلى الغاية في مختلف الأقاليم، فان على القوانين أن تكون تابعة لاختلاف هذه الأهواء، واختلاف هذه السجايا129. ويقول: باختصار تسيطر على الناس أشياء كثيرة؛ الاقليم والدين والقوانين ومبادئ الحكومة وامثال الامور الماضية والعادات والأطوار، فيتألف من ذلك روح عامة تنشأ عنه، وعلى قدر ما تؤثر احدى هذه العلل تأثيراً اقوى من غيرها تذعن له الأخرى130. وبالرغم من الملاحظات التي أبدتها المناقشات الموضوعية لأفكار (منتسكيو) وبالذات فيما يتصل بنظرته السلبية تجاه الدين الاسلامي، وكذلك فيما يرتبط بمجمل نظرته إلى الدين. إلا أن محاولاته الجادة لفهم المتغيرات، التي تؤثر في وضع القوانين، تعتبر خطوة شجاعة، نحو إصلاح القوانين في العالم. ولكن أفكاره التفصيلية تبدو اليوم غير كافية، وقد تجاوزها تقدّم العلم في كافة الحقول التي تناولها بالبحث. جيم- الحاجة الأهم حاول الخبير القانوني الأميركي (رسكو باوند) دراسة العوامل المؤثرة في القانون من خلال نظرة تاريخية، بعد أن افترض أن القانون يشرع استجابة لحاجة معينة في المجتمع، (وهي في – الحقيقة - أبرز قيمة يريدها المجتمع في ظرف معين). وهكذا يتناسب القانون وتلك الحاجة، ويرى أربع غايات للقانون حسب الظروف وهي: 1- المحافظة على الاستقرار في أبسط صوره. 2- المحافظة على المؤسسات الاجتماعية. 3- التأكيد على الذات والارادة الحرّة. 4- الوفاء بالحاجات البشرية. ولقد انتقد "د. كاتوزيان" تعميمات (باوند) وأحكامه الكاسحة، وقال: لا نستطيع قبول نتائج بحوث باوند التاريخية، التي استهدفت تحديد غاية القانون في كل مرحلة، إلا بصورة نسبية. وأضاف: إن القضايا الاجتماعية والإنسانية أصعب (وأعقد) من أن نختصر العلاقات الناشئة منها بهذه السهولة131. ونستطيع أن نقول: القانون هو وسيلة يستخدمها حكماء كل أمة للوفاء بأهم حاجاتهم، ورفع الاشكاليات الحادة التي تعتريهم. ومن هنا يجب أن ننظر إلى القانون نظرة مرنة ولا نعتبره أمراً ثابتاً لا يتغير. 4/ مفارقات بين مستويات الروح باستثناء المستوى الرابع الذي سيأتي البحث عنه إن شاء الله وهو (المحددات العلمية)، فان كل هذه المستويات ترتبط بروح الشعب وبالأطر العامة لحركته. ولكنها تختلف فيما بينها ببعض المفارقات التي نتحدث عنها فيما يلي: لقد تحدث (توينبي) عن التحدي الكبير الذي يتعرض له المجتمع، فيستجيب له بفعل استراتيجي في مستواه، وانما التحدي هو الذي يمس أمن المجتمع ويهدده (لولا الاستجابة له بتحد مضاد) بخطر الانقراض. ولكن (باوند) يتحدث عن بعض الاشكاليات التي تعتري المجتمع ولا تصل الى مستوى تهديد كيان المجتمع، بل الى ضعضعة استقراره، وتعريض بعض مصالحه للخطر، والتي يتصدّى لها العقلاء اما بحذف قوانين أو وضع اخرى. مثلاً مع الثورة الصناعية في الغرب والانطلاق الكبير الذي رافقه، برزت اشكالية القوانين الكابحة فحذفت واستبدل بها فلسفة جديدة للقانون، تؤكد على الملكية الخاصة, وتشجيع المبادرات الفردية. ولنفترض مجتمعاً حراً تعرض لخطر تفشّي الامراض (الجنسية منها بالذات مثل الايدز وازدياد عدد الجرائم وانتشار روح الميوعة والتفكك وما اشبه) فان حكماء هذا المجتمع سوف يلجأون الى كهف المبادئ السامية التي تنقذهم من خطر الفناء، وذلك بالتأكيد على فلسفة الأمن والاستقرار، ووصاية القانون على الفرد. وهكذا اذا غطّ مجتمع في سبات، وأقعدته الانظمة البالية من الانطلاق والنشاط، واحاطت به أغلال التخلّف، هنالك يلجأ الحكماء الى مبدأ الحرية وتأكيد الذات، ويفكّون عنه الانظمة الاضافية، ويطلقون طاقاته في ميادين النشاط. كما فعل رسول الله محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بمجتمع الجزيرة العربية حيث قال الله سبحانه ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ.. ) 132. المبادئ السامية كلها نافعة، ولكن التأكيد على بعضها في ظرف معين وجعل التشريع في خدمته، هو من مسؤولية الحكماء. وبكلمة: القانون هو وسيلة يستخدمها حكماء كل امة للوفاء بأهم حاجاتهم، ورفع الاشكاليات الحادة التي تعتريهم. ومن هنا يجب ان ننظر الى القانون نظرة مرنة ولا نعتبره أمراً ثابتاً لا يتغير. ويختلف مجال افكار منتسكيو عن ميدان نظرية باوند. الف - فالاول كان يؤكد على ضرورة توفيق القانون مع البيئة الحضارية (الطبيعية، والثقافية، والدينية، والاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية) مما لها نوع من الاستمرارية، وتشبه افكاره الى حدّ ما نظرية التحدي عند توينبي اللهم الا في المستوى، فالمؤرخ البريطاني، (توينبي) يتناول حديثه حالة الاحساس بالخطر فقط (أي في ظروف الصراع) ويحدد الاتجاه العام للمجتمع، بينما الاستاذ الفرنسي (منتسكيو) يتحدث عن القضايا في الظروف الطبيعية. باء - اما باوند فيبحث عن الاتجاه العام للقانون والاهداف الاهم له في ظرف معين، وانه يأتي لحلّ أي نوع من الاشكاليات الاجتماعية. فحديثه اقرب الى تطور المجتمع وطبيعة القانون الذي يحتاجه. وهكذا ينبغي دراسة كل هذه المتغيرات في حياة المجتمع عند وضع قانون معين - متغير التحدي - متغير الطبيعة - متغير الحاجة. وبقيت لنا كلمة اخيرة عن المذاهب القانونية وكيف يمكن لنا ان نستفيد منها بتكميل بعضها ببعض. 5/ المذاهب القانونية تتكامل عندما استعرضنا - في الفصول الماضية - المذاهب المختلفة في فلسفة القانون، رأينا مدى الاختلاف الكبير بينها، مما يدعو البعض إلى التساؤل: أفلا يدلّ هذا الاختلاف على الجهل بحقيقة القانون؟ والجواب: حقاً إن القانون صورة عن الإنسان، والإنسان لا يزال أكبر مجهول عند نفسه، ولكن اختلاف المذاهب القانونية ربما دلّ على تعمّق العلم في أغوار حياة البشر، حيث اختار كل مذهب جانباً من حياته فتعمق فيه. وإنما ضرب بعض المذاهب ببعضها، وإيجاد التضاد بينها هو الذي سبب في مثل هذا التساؤل. أما إذا أكملنا بعضها ببعض، استطعنا معرفة أبعاد حياة الإنسان، معرفة أفضل. فحين تحدّث مذهب عن دور الارادة في تشريع القانون (المذهب الارادي) لم يترك البحث عند هذا الحدّ، إنما تعمق في معنى الارادة وشرعيتها،133 ومعنى التشريع، وبالتالي أعطانا صورة أوضح مما مضى عن هذا البعد من القانون. كذلك المذهب الصوري (كلسن مثلاً) طوّر نظرية مفيدة في علاقة بنود القانون ببعضها وهكذا المذاهب الاجتماعية، أغنت أفكارنا في علاقة القانون بتطور المجتمع، وهكذا.. فإذاً المشكلة ليست في تعدد المذاهب القانونية، بل في كيفية تجميعها، مما يثير السؤال التالي: كيف نكمّل المذاهب المختلفة ببعضها، حتى نحصل على النظرية الاقرب إلى الواقعية؟ لعلّ البصائر التالية تعطينا الاجابة عن ذلك: ألف: في البدء نعرف أن للقانون مبادئ ثابتة، هي تلك القيم العليا التي تستوحى من العقل والوحي وتتناسب مع سنن الله (وتقديره وقانونه) في طبيعة الإنسان وفي الحياة والتي فطر كل انسان عليها ولا تختلف من عصر لآخر ولا من شعب لآخر. وقد بحث في ذلك المذهب الطبيعي، وتحدثنا عنه في بحوثنا السابقة. باء: ثم إن للقانون شكلاً (صورة) وجوهراً (محتوى). وصورة القانون هي تلك التشريعات التي تبدأ بالدستور، وتنتهي باللوائح، وتمرّ بالمواد القانونية. وهذه الصورة لا تصبح قانوناً، إلا بعد مروره بتشريع مشرع (وحي - أو حاكم - أو مجلس تشريعي). وعن صورة القانون وعلاقة بنوده ببعضه، وارادة المشرّع، يتحدث المذهب الصوري والارادي، ولا ريب في اهمية دور هذين المذهبين في سبر غور القانون وفقه أبعاده. جيم: محتوى القانون يتكيف مع طبيعة الإنسان، والمؤثرات التي تؤثر فيه تنعكس على القانون الذي يشرع من أجله. ومعروف أن الإنسان عقل وارادة عليا، وأيضاً شهوات وأهواء، وحاجات مادية. والقانون الذي يلغي أحد جانبي حياته، يعتبر فاشلاً، ثم لأن الإنسان عقل، فهو يتطلّع إلى اخلاق فاضلة وقيم يتجاوز ذاته بها. ومن هنا ينبغي أن يكون القانون هادياً له إلى حياة أفضل، ولا يجوز أن يكون صورة طبق الاصل لواقعه أنّى كان. وكذلك لأن الإنسان منظومة من الحاجات يجب الاهتمام بحاجاته واحتواء نقاط ضعفه أيضاً . دال: كما أن الإنسان يتأثر بتاريخه، وبتلك التراكمات من التجارب، ولذلك فإلغاء تاريخ البشر في القانون إلغاء لأصله. وهكذا نعلم بأهمية المذهب التاريخي والتجريبي. هاء: والقانون يوضع من قبل دولة حاكمة، فلا يجوز إلغاء دورها وصبغتها التي يطبعها على مجريات القانون. وهذا محتوى المذهب السلطوي (هيجل ورسو). ولكن السلطة ليست صاحبة الحق في تنفيذ اهوائها على الناس. وهنا علينا ألاّ نشتبه بين السلطة المنفِّذة للقانون وبين السلطة المشرّعة له. صحيح ان هناك تفاعلاً بينهما، وتأثيرات متبادلة، ولكن جوهر القانون ومحتواه يجب أن يكون بعيداً عن ميول السلطات وأهوائهم. واو: وانما يوضع القانون من أجل المجتمع الإنساني، والمجتمع كتلة من الحاجات والتطلّعات، ويتطور المجتمع بين حين وآخر، وعلينا دراسة هذا المجتمع دراسة وافية تشمل مكوناته ومتغيراته معاً، حتى لا نضع قانوناً مخالفاً لمصالحه أو قيمه. وهكذا تجدنا وجهاً لوجه مع المذهب الاجتماعي والنفعي والواقعي، وبالتالي مع نظرية الهندسة الاجتماعية لرسكو باوند، التي - تبدو من حيث المجموع - نظرية واقعية تنسجم مع نظرية الحق التي بحثناها سابقاً، ولكنها عندما تتحول إلى تفاصيل قد لا تصلح إلا لتلك الفترة التي عاشها باوند من تطور المجتمع الاميركي الذي صيغت النظرية من أجله. زاء: وسائل الانتاج، ومستوى التقدم الاقتصادي، ذات أثر بالغ على أغلب الناس، ويؤثر بالتالي على القانون، مما يحملنا على دراسة الحياة الاقتصادية وتفاعلها مع القانون. حاء: وهكذا يرتبط اغلب حقول العلم بالقانون من خلال اهتمامها بحياة الإنسان، ودراسة متغيرات حياته، والأنظمة الطبيعية (السنن الإلهية) التي تجري عليها. ومن هنا فإن القانون السليم هو الذي يتواصل مع سائر العلوم الإنسانية، ويستفيد من كافة الخبراء، وذلك عبر شبكة واسعة من مراكز الدراسات القانونية ذات الصلة بالحقول المختلفة للعلوم (مركز لدراسة القانون من خلال تجارب علم الاجتماع، وآخر لدراسته من خلال تجارب ونظريات علم الاقتصاد، وهكذا). 6/ كيف نعرف المتغيرات؟ إذا كانت معرفة المبادئ من اختصاص الدين (الوحي زائداً العقل) وما تسمّى بالحكمة العملية في الفلسفة، فان معرفة المتغيرات من اختصاص العلم، ولكن أيّ علم؟ البصائر التالية تبين الاجابة: ألف: فيما يتصل بالتحديات الحضارية، فإن العلماء والحكماء وكبار المنظرين والقادة التاريخيين والمصلحين العظام هم مرجع تحديدها، شريطة أن يؤمن الناس بهم ويطيعوا أمرهم. أما فيما يرتبط بطبيعة المجتمع والمؤثرات الحياتية فيه، فإن المرجع الأول فيها هم الناس أنفسهم عبر مجالس الشورى (البرلمان - الاحزاب - الجمعيات - المجالس البلدية والقروية وسائر القوى الاجتماعية). باء: كذلك ينبغي دراسة الحاجات الأساسية، التي لابد للقانون أن يستجيب لها، ويمكن اجراء هذه الدراسة عبر مراقبة العرف العام فيما يتصل بالتطورات الظاهرة. أما فيما يتصل بالمؤثرات الدقيقة، فلابد من دراستها من خلال مراكز دراسات متخصصة. 7/ معايير الأولوية في القيم توجد ثلاثة معايير لتقديم قيمة على اخرى: 1- النص. 2- العقل. 3- النظام الهرمي للقيم. وفيما يلي نتحدث عن كل واحد منها باختصار. أولاً: النص حين يلغي الشارع الحكم الذي يلحق ضرراً بالغاً بالنفس أو يسبب حرجاً للإنسان، ويقول: ( إلا ما اضطررتم ) ، أو يقول: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) 134، أو يقول: ( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) 135. أو يقول على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا ضرر ولا ضرار)، حينئذ نعرف أن قيمة حفظ النفس أعظم من قيمة الأحكام الفرعية. ثانياً: العقل وواضح أن العقل لا يحكم بعيداً عن الوحي، كما بينّا في الجزء الأول من هذا الكتاب، وهو يحدد - فيما يبدو - معايير ثلاث للتعرف على الأولوية: ألف: الأهمية الذاتية فحفظ النفس أهم من حفظ المال، وحفظ المال أهم من الراحة، وهكذا. والعرف يقوم ببلورة الرؤية العقلية في نظام الأولويات، وقد شرحنا دوره في الجزء الثاني من هذا الكتاب136. باء: الكمية إذا كانت قيمتان متساويتان، فلا بد من قياس الكمية، وهي نوعان: 1- فقد يكون عدد الأفراد المتضرّرين أو المنتفعين بعمل معين أكثر، فنقدّم قضيتهم على غيرهم. 2- وقد يكون نسبة الضرر أكثر أو نسبة المنفعة أكبر، فإن ذلك يجعلها مقدمة. جيم: المصلحة الاقرب العقل يحكم بأن الإنسان مسؤول عن نفسه أولاً وعن الآخرين حسب درجاتهم، وحسب مدى قربهم منه ثانياً. ثالثاً: نظام الهرم ويبدو لي أن هذا المعيار هو الأهم بين المعايير والأنفع، بالرغم من أنه بحاجة إلى بصيرة فقهية نافذة. وخلاصة هذا المعيار؛ إن علينا أن نجعل دائماً القيمة الأقرب إلى قمة هرم القيم هو المقياس لمعرفة القيمة الأولى، وللتوضيح نضرب مثلين: الف - الأمن قيمة سامية، ويحققها أكثر من وسيلة؛ مثلاً التجسس، السجن، الرقابة على الحدود، واعتقال المشتبه بهم والتحقيق معهم و. و. فإذا تعارضت هذه الوسائل مع بعضها، فكيف نعرف أيّها أفضل؟ إنما بالقياس إلى مدى تحقق قيمة الأمن بهذه الوسيلة أو تلك، فأية وسيلة كانت أقرب إلى تحقيق هذه القيمة كانت أفضل. باء - قيمة الأمن، وقيمة المصلحة (المنفعة)، وقيمة الحرية، كلها تحقق قيمة أسمى هي كرامة الإنسان فاذا تعارضت هذه القيم ولم نعرف أيّها أقرب (في وقت وزمان محدّدين) فعلينا أن نعود إلى القيمة الأسمى (الكرامة، أو الخير العام) ونقيس القيم الأخرى بها، فأيها كانت اقرب اليها أخذنا بها، والله العالم. 8/ كيف نعرف الاولويات عند الشرع؟ هناك أكثر من وسيلة، لمعرفة الاولويات في الشريعة، وفيما يلي نستعرضها، مع التركيز على وسيلة واحدة منها: أولاً: النصوص الخاصة؛ مثل النصوص التي دّلت على اهمية الدفاع واعتبارها اعظم من سائر القيم عند مداهمة الخطر. ثانياً: الاستقراء؛ قد يحصل عند الفقيه من خلال الاستقراء، وعي بالخطوط العريضة عند الشرع، وبسلم الاولويات فيه، بالرغم من ان هذا الطريق محفوف بخطر تأثّر الفقيه بمسبقاته الذهينة، ان لم يعتمد على النصوص، كما ان الاستقراء لا يورث اليقين غالباً. ثالثاً: النظام الهرمي؛ وقد سبق الحديث عنه آنفاً، وكشف النظام الهرمي للقيم، يتمّ بالتدبر في الآيات اكثر فأكثر. رابعاً: نظام القيم في القرآن؛ حيث ان مراجعة السور القرآنية، ومحاولة كشف نظام القيم، وطريقة تدرّجها، قد تعطينا فكرة عن سلّم الأولويات.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|