فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
وعي حقيقة الإيمان ووفق هذا المنهج القرآني نتابع وإياك – أيها القارئ الكريم- بحوثنا حول الإيمان حينما نتلوا آيات الله التي بينت حقائق الإيمان، وحقائق الكلمات التي تعبر عنه، مثل التقوى والصلاح وبيوت الإيمان والبيعة (بين العبد والرب عن طريق الإيمان الحق) وآفاق علامات المؤمنين التي هي تجليات الإيمان في حياة المؤمنين، نعرف أن الهدف منها - فيما يبدو- هو وعي حقيقة الإيمان وعياً عميقاً، وبعيداً عن الحجب النفسية. وعند إلقاء نظرة شمولية الى تلك الحقائق والعلامات الإيمانية نعرف أن اختلافها في ذكر بعض الحقائق دون غيرها، أو في بيان بعض العلامات دون سواها، إنما جاء تبعاً للسياق القرآني، وموضوعات السور القرآنية. وبالتالي لم يكن الهدف منها استقصاء حقائق الإيمان وعلاماته في موضع خاص، بل بيان ما يتناسب والسياق القرآني في تلك السورة فقط. بلى؛ عندما نجمع هذه الآيات الى بعضها، نستوحي منها أبرز تلك العلامات أو تلك الحقائق. ونحن بحول الله إستعرضنا بإسهاب وتفصيل في تضاعيف هذه الموسوعة ما نجملها هنا، من بيان حقائق الإيمان وعلاماته. أما هنا فالغاية من ذكرها بإجمال هو وعي الإيمان من خلالها، وهذه هي الغاية التي يبدو أن تلك الآيات تهدفها. وأنى كان، فعلينا - عند تلاوتها – الاهتمام بتلك الروح التي هي وراء هذه الحقائق (الإيمان)، وليس بتجلياتها أو علاماتها وتفاصيلها. الحق محور الإيمان والحق محور الإيمان، حيث أن الإيمان لا يتجزء بين حق وآخر، وأن ادعاء الإيمان باطل لمن لم يتسع إيمانه لكل حق، لأن الإيمان الحق هو الخروج من سجن الذات الى رحاب الحق، ومن معيارية الهوى الى معيارية الحق والهدى. وهكذا نعرف أن (الحق) هو أصل القيم ومحور الإيمان، وأنه من عند الله، وأن الله هو حفيظ الحق (يحفظه بكلماته وبنصره)، وإن الحق هو محتوى كتاب الله ورسالات الأنبياء، وأن الحق أداة الخلق وغيرها من الموضوعات التي تدور حول (الحق). التسليم قاعدة الإيمان والتسليم قاعدة الإيمان. فلولا التسليم للحق تسليماً قلبياً وعملياً، كيف تكتمل حقيقة الإيمان في النفس؟ والتسليم هو لله أولاً وأخيراً، وكان النبي إبراهيم عليه السلام قدوة ومثلاً في التسليم، حيث سلم إبنه لله وأراد ذبحه بأمره. والتسليم للحق مظهر التسليم لله، وهو يعني رفض التقاليد والحميات؛ كما أن التسليم للرسول دليل التسليم لله، والتسليم للسنن الإلهية، ولقدر الله وقضائه دليل آخر على ذلك. التقوى لباس الإيمان والتقوى لباس الإيمان ومظهره، وأن الإيمان هو روح التقوى (الإيمان بالله واليوم الآخر وبالرسول) والدواعي التي تبعث على التقوى (ثواب الله للمتقين في الدنيا والآخرة، وخشية عقابه لغيرهم في الدنيا والآخرة). عن الإيمان؛ معارجه وذراه هدف المؤمن ابتغاء مرضاة الله، لأن قلبه مشكاة معرفة الله وحبه، فشوقه دائب الى التقرب الى الله. إنك ترى المؤمن دائب الركوع والسجود ابتغاء مرضاة ربه، وشديد الحذر من أن يشتري سخطه برضا أحد من خلقه. وابتغاء مرضاة الله، يجعل المؤمن على خط مستقيم، لأن الأهواء لا تميل به كل حين الى طرف. والعبادة هي التسامي الى الله عبر سبيل قويم بالتخلص من الخضوع للجبت والطاغوت، واجتناب الأنداد والأولياء من دون الله، ثم الانسجام مع الكائنات في التسليم لرب العالمين، والطاعة التامة له ولرسله. وهكذا تكون الطاعة أجلى مظاهر العبادة، وبالذات الطاعة لرسول الله، والانقياد التام لما يأمر به. وعادة تكون الطاعة في الأمن والخوف (في السلم والحرب)، وفي القضاء بين الناس ورد الاختلافات إليه، وفي الانقياد للرسول في الحقل السياسي والاقتصادي والثقافي.. وللأولياء الذين اصطفاهم الله من بعد الرسول.. وإذا اكتملت الطاعة والعبادة وابتغاء مرضاة الله، فان الحديث يحلو عن لقاء الله. ووعي لقاء الله سبحانه يزيد المؤمن تقوى وورعاً، كما أن الكفر بلقاء الله يزيد المنافق طغياناً وكفراً. وهناك علاقة وثيقة بين انتظار لقاء الله والهدى، وبينه وبين الصفات المثلى. كما أن عدم رجاء لقاء الله والكفر به أم المفاسد، لأنه يجعل الإنسان يستحب الحياة الدنيا. وهكذا يتسامى المؤمن عبر درجات القرب حتى يبلغ أعلى ذرى الكمال. الإيمان؛ ذكر وشكر ذكر الله قيمة إيمانية، وهو ميراث وعي أسماء الله، ويبعث في القلوب سكينة، تحصنه من وساوس الشيطان، وعواصف الهوى، ولا يترك المؤمن ذكر ربه أوَليس يستدر رحمة ربه؟ وحين يذكر الله المؤمن يتذكر نعمه التي تبدء بالخلق والرزق وتستمر مع الهدى والفلاح، كما يتذكر حال فقدانها، فلا يبطر بالنعمة، ويصبر عند فقد بعضها. ومن آفاق ذكر الله تسبيحه؛ فما من ظاهرة تثيرهم أو حالة يتقلبون بها، أو خطيئة يرتكبونها.. إلا ويسبحون الله. ومن آفاق ذكرهم قيامهم بالليل، حيث يتهجدون عندما تنام العيون، فيناجون ربهم ويتزودون بالتقوى واليقين. ومن آفاق الذكر الاستغفار، الذي هو تحية الإنابة إليه بعد أن حجبتهم الذنوب عنه. وعندما تبدو عظمة الخلق في قلب المؤمن، تتجلى عظمة الله فيصغر في أعينهم كل شيء. وحمد الله على صفاته، وعند ذكر نعماءه، لكي لا تبطره. والإخبات أسمى درجات الذكر؛ إنه خشوع القلب لذكر الله، وعلامته التسليم لله سبحانه. الإيمان؛ دعاء وصلاة لا يلبث التصديق والتسليم لله وللحق النازل من عنده أن يتحول الى صلة مباشرة بين العبد وربه سبحانه، عبر دعاء وصلاة، وسجود وقنوت. فالدعاء لغة الإيمان، التي بها يخاطب المؤمن ربه العزيز الرحيم، وهو مخ العبادة، وتعبير عن معرفة العبد بالله (وبما له من أسماء حسنى)، ومعرفته بذاته (وما يعتنيه من مراكز الذل والعجز) وهو مفتاح الرحمة الذي لا يهلك عبد معه. أما الصلاة فهي رمز تعبد المؤمن، وشعار صدقه، وعمود الدين، ومحور أحكام الشريعة، ولحظة الشهادة بالحق، وقبلة الحضارة الإلهية؛ وهي علامة الإيمان، وشرط الولاية الإلهية، والخضوع فيها من كمال الإيمان، وبها يستعين المؤمنون، ودليل الإخبات، وهي تقام في كل حال. والسجود غاية الخضوع (وهو أحد أركان الصلاة)، أو ليست الخليقة ساجدة لربها طوعاً وكرهاً؟ وهو عبادة المؤمنين، ويخر المؤمنون ساجدين إذا تليت عليهم آيات ربهم، ويسجدون آناء الليل وأطراف النهار. والقنوت –كما السجود- هو الذروة في الخضوع لرب العالمين، والسموات والأرض قانتة لربها. والقنوت (شدة الخضوع) مطلوب عند الصلاة، والنبي إبراهيم عليه السلام مثل للقنوت لله وهو من أبرز حقائق الإيمان، وتتجلى عند المؤمنات الصالحات، وعند التهجد في جوف الليل يقنت المؤمنون لربهم ساجدين وقائمين. وهكذا تتم الصلة بين المؤمن وربه بالدعاء والصلاة والسجود والقنوت، وهي القيم المثلى التي ترسخ دعائم الإيمان في فؤاد المؤمن. الإيمان؛ استغفار وتوبة التوبة قيمة إيمانية، تبدأ بالندم وتمر عبر العزم على ترك المعصية، وتنتهي بإصلاح ما أفسده الذنب، والله سبحانه هو التوّاب على عباده، وتوبته شاملة. ومن وسائل العبد لقبول التوبة استغفار الرسول للعبد. ومن مظاهر التوبة الاستغفار. إذا تجلى اسم من أسماء الله في ضمير المؤمن، عرف مدى تقصيره في جنبه فاستغفره، فالله واحد أحد، وهو الذي أنشأنا من الأرض واستعمرنا فيها، فعلينا أن نستغفره وأحلى ساعات الاستغفار السحر، والاستغفار وصيّة الأنبياء عليهم السلام للأمم. والاستغفار في مواقع الصبر والشكر. والاستغفار تحيّة العودة الى الرب، والإنابة إليه، والنبي صلى الله عليه وآله يستغفر للمؤمنين. الإيمان؛ عزم وعصمة فور تسليم النفس لله (أولى درجات الإيمان) يمتد حبل بينه وبين ربه عبر الدعاء والصلاة والتوبة والإستغفار والإنابة، ثم يصبغ سلوكه بصبغة الإيمان؛ فإرادته تستمد العزم من التوكل (فيصبح مقداماً)، وقوة حركته تستمد الاستقامة من الاعتصام بالله (فلا ينحرف)، ومواجهته للآخرين وللمشاكل تستمد القوة من الاستعانة بالله، وبالتالي يدرأ المخاطر بالاستعاذة بالله. وهكذا التوكل على الله، يعني الانقطاع عمّا في أيدي الناس، حيث لا يتردد المؤمن في اتخاذ القرار الصحيح اعتماداً على الآخرين، (حيث أنه يقطع أمله في الناس) ويثق بربه، بقوته ورحمته ونصره، ويعتصم بدين الله (شرائعه وحكمه ووصاياه وسنته). والتوكل من ذرى الإيمان السامية، وهو كهف المؤمنين الذين يأوون إليه عند صراعهم مع الجاهلية. والتوكّل –إلى ذلك- تجل لأسماء الله في قلب المؤمن في لحظة اتخاذ القرار، وهو – بالتالي- ضراعة قلبية الى الله، ودعاء حقيقي بإنزال نصره. أما الاعتصام بالله سبحانه فإنه قد يسبق التوكل، إذ أنه يحفظ المؤمن من الضلالة وبالذات عند الاختلاف، ويهديه الى الصراط القويم؛ وهو يكون بالرجوع الى كتاب الله، وإلى رسول الله. ويحفظ الاعتصام العبد من كيد السماوات والأرض. والاستعانة بالله عز، لأنها تحفظ الإنسان من أن ينهار أمام المشاكل أو يذلّ نفسه أو ينحرف. والاستعاذة بالله حصن المؤمن من همزات الشياطين. وهكذا يستعيذ المؤمن بالله عند تلاوة القرآن، حيث تهجم عليه الوساوس، وعند مواجهة الكفار والفاسقين. وهكذا التوكل على الله أكثر ما يكون عند اتخاذ العزم، والاعتصام عند خشية الانحراف، والاستعانة به عند الإحساس بالضعف. أما الاستعاذة، فعند مواجهة الخطر مباشرة، والله العالم.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|