فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
قسوة القلب 1/ قسوة القلب القلب الذي لا يهتز لذكر الله ولا يتقبل النصح، هو القلب القاسي الذي يميل الى الفتنة والدعوات الباطلة ويستهويه الفسق، وقد استدرج بنو إسرائيل الى هاوية قسوة القلب بعد نقض الميثاق والاعتداء في السبت (عصيان الأمر) والتقاعس عن تطبيق الأوامر فقست قلوبهم حتى حرفوا كلام الله ونافقوا، واستدرج المنافقون الى الفسق عبر مراحل فتنة النفس (الخداع الذاتي) والتربص والارتياب والاغترار بالأماني واتباع الشيطان واتباع الغرور. وعقبى قسوة القلب اتباع فتنة الشيطان والبقاء في الضلال والويل، وعلاج قسوة القلب الخشوع لذكر الله. 2/ التعصب التعصب والتحزب (الاغترار بالعصبية أو بالحزب) من حجب الهدى. والتحزب وليد الحمية، وميراثه الفرح بما لديه (الانغلاق) والتكتل، وربما مواجهة القيادة الشرعية. ومن صفات المشركين التفرق في الدين (والانقسام إلى أحزاب)، وبالإنابة الى الله سبحانه والتقوى وإقامة الصلاة ينجي الله المؤمنين من التحزبات التي قد تنتهي الى الكفر ببعض ما أمر الله. والمتحزب يفرح بما عنده، بينما المؤمن يفرح بما عند الله ، وإنما الهدى هدى الله (لا ما عند هذا أو ذاك)، والمتحزب يدعو الناس الى أفكاره ويتمنى ضلالة الناس. وجند الأحزاب مهزوم كما هزمت ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة، بالرغم من أنهم جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، وجزاؤهم عند الله عذاب أليم. 3/ الطبقية وهي تجمع قائم على محور الثروة، وهي عامل استعلاء واستكبار، وهي حجاب دون معرفة الحق وانتشار الهدى في الأرض؛ ولم يكن الأنبياء عليهم السلام يبشرون الناس بخزائن يملكونها في الأرض، ولا بازدراء الطبقات الأدنى ، ولا طالبوا الناس بأجر، وإنما دعوهم إلى الله واتباع وحيه. 4/ الفخر والفخر (والغرور بالدنيا) يمنع البشر من التسليم للحق، وهو ميراث حب الدنيا التي هي متاع الغرور (وسيلة الاغترار)، ويستعدي المتفاخر الناس على نفسه. ومن صفات المختال البخل وأمر الناس به، وكتمان نعم الله، والحزن بما فاته، والفرح بما آتاه الله، أعاذنا الله منه. 5/ إتباع ذوي النفوذ إتباع الكبراء يحجب القلب عن هدى الرب، ومن عصى رسول الله اتبع كل جبار عنيد ، ومن خرج عن حصن ولاية الله وقع في هاوية ولاية الجبارين الذين أمرهم ليس برشيد، وإنما هم في غي ويصدون عن سبيل الله. وغداً يجادل التابعون كبراءهم ولكن عبثاً لأنهم جميعاً في النار ، وسبب اتباعهم لهم أنهم أحبوهم كحب الله سبحانه، بينما كان المؤمنون أشد حباً لله (فكان أماناً لهم من عبادة الطاغوت). وتشتد حسرتهم يوم القيامة. إذ تراهم يلقون بالوم على الليل والنهار (حيث استرسلوا في اتباع الانداد من دون الله). 6/ الاستكبار إذا كانت صفة الكبر ذاتية عند الانسان، فإن تحسسه بها تكبر، وسلوكه وفقها إستكبار، وانكار التوحيد تعالياً عليه إستكبار، ومنه الكفر بما آمن به المؤمنون (من التوحيد والرسالة). وهكذا يتحدى المستكبر آيات الله (التي تهدي للحق)، ويجرم (بحق أولياء الله). فهذا فرعون وملؤه إستكبروا لما جاءهم موسى عليه السلام بآيات الله، وكذلك اليهود من بعدهم إستبكروا لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله، ولم يسلموا لشهادة شاهد منهم على مثله . وقد يطالب المستكبر بالنذير، ولكنه يستكبر إذا جاءه. ولم يكن كفر المستكبر لنقص في الآيات ، ولذلك يقال له يوم القيامة ، إنه قد جاءته آيات الله فاستكبر عنها . وسبب الاستكبار، ذلك الكبر الذي في النفس ، والذي دواءه الاستعاذة بالله . والايمان بالآخرة سكينة ، بينما الذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ، وهم مستكبرون، وهم على طريق إبليس الذي استكبر ولم يسجد لآدم ، وقال أنا خير منه ، واعتـز بأنه من نار وآدم من طين. وعلامة المستكبر ؛ التولي عن الحـق حين يتلى عليه ، والاعراض عنه ، والمعاندة على الجحود. وقد يحرف كلمات الله استكباراً ، ويصد عن سبيل الله ، ويمارس العتو ويهدد الدعاة الى الله . ومن أمثلة ذلك ، استكبار بني اسرائيل ، وتكذيبهم الأنبياء وقتلهم . وعاقبة المستكبر الدمار، فقارون ( الذي استكبر بثروته )، وفرعون ( المستكبر بسلطته)، وهامان (المستكبر بدهائه) ، هم عبر ومثلات . كما عاد التي استكبرت بغير حق ، دمر الله قراهم وتركهم أحاديث. وابليس أول المستكبرين ، كانت عاقبته الصغار واللعنة . والله لا يحب المستكبرين، ولا يفتح لهم أبواب السماء ، ولا يدخلون الجنة ويعذبهم عذاباً أليماً. ولأن المستكبر يتعالى عن الحق ، فان الله يعذبه عذاب الهون ، ويدخله جهنم داخراً. وعلى الانسان أن يواجه حالة الاستكبار في نفسه بمعرفة مواقع الضعف في نفسه ، والدعاء الى الله، وأنْ يعلم أنَّ الله يسجد له ما في السموات والارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون، بل لا يستحسر الملائكة عن عبادته ولا يستكبرون. وكذلك عباد الله المكرمون ، أنهم يسبحون له بالليل والنهار . وكذلك المؤمنون تساموا الى درجة التسليم ، فاذا ذكر الله خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم ، ولم يستكبروا. وكذلك في طائفة القسيسين والرهبان ، من هم يسلمون للحق ولا يستكبرون . 7/ الفتنة تعددت آفاق كلمة الفتنة ، حتى كادت تختصر منظومة متكاملة من بصائر الوحي في حياة البشر، من خلال التدبر في الكتاب نستوحي ؛ أن تطورات الحياة تستخرج باطن البشر ، وتوفر له الفرصة لاصلاح ذاته . وقد تكون الفتنة نعمة أو نقمة أو آية مبصرة أو ارهاب سلطة طاغية . والأموال والأولاد فتنة ، وكل خير وشر فتنة . فاذا خول الله عبده نعمة اغتر بها وترك الدعاء ، بينما هي فتنة. ولقد أرسل الله ثمود بالناقة آية مبصرة ، وكانت فتنة لهم ( ليعلموا كذبهم بطلب الآيات ). أما الطغاة ، فقد فتنوا المؤمنين ( بارهابهم ) ، بل حكم الطاغوت بذاته فتنة يجب الجهاد من أجل ازالته . وتحيط بالبشر الفتنة ، وعليه أن يديم الحذر منها . والايمان هو الحصن المنيع ضد الفتنة، وإذا حسب البشر أن لا فتنة تصيبه ، سقط فيها ، لأنه يصاب بالعمى والصمم . والشهادة على استمرار الفتنة ، أنها تصيب الناس كل عام مرة أو مرتين . ومن آفاق الفتنة ابتلاء الناس ببعضهم ، فلما اختار الرب رسله من الناس أنفسهم ، فتنهم بالتسليم لهم. أليس التسليم لبشر مثلهم أشد صعوبة ؟ ثم جعلهم كسائر الناس يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، (ليكون أبلغ في الفتنة ) . وفتن المؤمنين بالظالمين كما بالكافرين ، وكان من دعاء المؤمنين ألاّ يجعلهم فتنة لهؤلاء أو أولئك . والأموال والأولاد فتنة كما الأزواج ، ومن الناس من يفتتن بالحرمان من الأولاد . والرخاء فتنة ( وحتى الأمن ) والحكم الصالح فتنة ( كما يبدو ) ، والسلطة - وبالذات القضاء بين الناس - فتنة لأهلها . ووساوس النفس وتسولاتها وأمنياتها فتنة ، كما تغرير الشيطان . وخشية الكفار فتنة ، كما ارهابهم وسلطة الطغاة فتنة ، وعلى المسلمين الجهاد حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين لله . والرسل يتعرضون لفتنة الناس ( من خلال الضغط حتى يغيروا بعض الدين ) ، والله تعالى يثبت أنبياءه ( عليهم السلام ) من فتنتهم، ولقد حذر الله نبيه من الاستجابة لتلك الفتنة . والمؤمنون يتحدون فتن الأعداء بالهجرة والجهاد والصبر . ومن أجل مقاومة فتنة الارهاب ، يجب على المؤمن أن لا يجعل عذاب الله كفتنة الناس. (وليعلم أن عذاب الله أشد وأبقى ) ، فليصبر على هذه الفتنة لمواجهة تلك الفتنة . والفتن المضلة هي التي يأفكها شياطين الانس والجن بين الحين والآخر ، مثل العجل الذي ابتدعه السامري ، ولقد حذر النبي هارون عليه السلام من تلك الفتنة بني اسرائيل؛ وكذلك اشاعة وفاة النبي بعد الهزيمة التي مني المسلمون بها في أحد، كانت فتنة. وكان المنافقون يستأذنون الرسول في الانصراف عن المعركة ، ويسألونه ألاّ يفتنهم ، في الوقت الذي كان فرارهم من المعركة بذاته فتنة سقطوا فيها. ومكر ثمود بالنبي صالح كان فتنة ، حيث تقاسموا على قتله. ومن الفتن اتباع ما تشابه من الآيات لخداع الذات ، ولتأويل الآيات المتشابهة ( لخدمة أهدافهم ) . وفي يوم القيامة يحلف الكفار أنهم لم يكونوا مشركين ، ( وهذا نوع من فتنة الذات فيما يبدو ) . ويبحث المنافقون عن الفتنة أنى وجدوها سقطوا فيها ، ( لأن نفوسهم مريضة ) . ولما اختار النبي موسى عليه السلام من قومه سبعين رجلا لميقات الله ثم أخذتهم الرجفة ، بيّن النبي أن ذلك فتنة لأولئك القوم (حيث عرضهم لوضع ابتلى به ما في دخيلة نفوسهم). ولما أنبأ الله تعالى عن عدة ملائكة العذاب أنهم تسعة عشر قال: (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا(. ومن ذلك ما يلقيه الشيطان ضد كلمات الوحي ، حيث يمتحن الله بها الناس . فالمؤمنون يزدادون يقيناً وتسليماً ، بينما مرضى القلوب يسقطون في الفتنة. وكذلك رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله، والتي عبرت بما يجري بعده صلى الله عليه وآله كانت فتنة . 8/ التربص التربص والتردد وانتظار المستقبل والتعامل مع الواقع لا الحق من علامات الشك ، بينما الاقدام والعزم من علامات الايمان واليقين. وقد تربص الكفار بالنبي ريب المنون ، وآخرون تربصوا به حتى حين ، (حيث يكشف واقعه بزعمهم). والمنافقون سألوا المؤمنين في يوم القيامة أن ينظروا حتى يقتبسوا من نورهم، ونادوهم ألم نكن معكم، فلماذا اختلفنا ؟ فاجابهم المؤمنون: بلى ؛ ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم . ولعل تربصهم وانتظارهم كان لحين معرفة الغالب ، فإن كان للمؤمنين الفتح قالوا : ألم نكن معكم؟ وطالبوا بنصيبهم ، وإن كان للكافرين قالوا : ألم نستحوذ عليكم ، ونمنعكم من المؤمنين . ومع ذلك فانهم كانوا يتمنون أن تدور الدائرة على المؤمنين . ولمعالجة مرض التربص يذكر الله عباده بعقبى التربص ، وبأن العاقبة للمتقين . فحتى لو استشهدوا فانها لهم إحدى الحسنيين، وأن الرسول ( الذي تربصوا به ) سوف ينتصر عليهم باذن الله ، وسوف يكشف الزمان صدق المؤمنين . 9/ الغرور للانسان حاجات وتطلعات ، ولتحقيقها سبل ؛ وابليس يغره عن تلك السبل ويغويه . ومنذ أول غواية أضل ابليس آدم وزوجه ، فدلاهما بغرور ، حتى ذاقا الشجرة التي زعم أنها شجرة الخلد وملك لا يبلى. والتأمل في قصة آدم واغواء ابليس ، يدلنا على جملة بصائر : أولاً/ إن النعم الالهية هي السابغة ، وانما النهي عن أشياء محددة . ثانياً/ يستخدم ابليس الوسوسة سبيلاً الى الغواية . ثالثاً/ التقوى تصون البشر عن ظهور سوءاته من حرص وغضب . رابعاً/ أثار ابليس غريزتي حب الملك والخلود في آدم وزوجه، ودلاهما بغرور الى الوسيلة الخاطئة لتحقيقهما. خامساً/ اعتمد القسم بالله في الاغواء ، واستفاد من غريزة الدين عند البشر بذلك . سادساً/ التحصن ضد غرور الشيطان ، إنما يتم بهدى الله ومعرفة عداوة ابليس . والشيطان يثير البشر بصوته ، ويرهبه بقوته ، ويفسد عليه نظام الاقتصاد والتربية ، ويعده ويمنيه ، وتلك وسائل تدليسه. ولعل أخطر وسائل اغوائه ، الأماني التي تتخذ مظاهر شتى ؛ فمنها أمنية دخول الجنة بلا عمـل، بل بالانتمـاء الساذج ، وأمنيـة النجاة من العذاب إلا أياماً معدودة ( كما عند اليهود ) ، وأمنية الامتناع عن العذاب بشفاعة الشركاء والأنداد . ومن علامات الغرور ، أن صاحبه يتخذ الدين لهواً ولعباً . ( فيتخذ الدين سبيلاً الى شهواته ، وغطاءاً لأخطائه). وعلينـا أن ندع مثل هذا المغرور بالدنيا ، الذي يتخذ آيات الله هزواً ( فيفسرها برأيه ويحرفها عن مواضعها ) . ومن علائم المغـرورين بالدنيا، أن بعضهم يوحي الى بعض زخرف القول ؛ كالوعود الكاذبة، والأماني، والأفكار السلبية. ولكي يحذر البشر من الغرور ، عليه أن يذكر الله ذكراً كثيراً ، ويتذكر الساعة ويشفق منها .وإذا كانت وسيلة الغرور الأماني والعلاقات ، فليتذكر المؤمن أن وعد الله حق ، وان العلاقات الدنيوية لا تنفع هناك شيئا. وعلى الانسـان ألاّ يغتر بقوة الظالمين في الحياة الدنيا، فإن تقلبهم في البلاد محدود، ومأواهم جهنم . وقد تقلبت في البلاد الأمم التي كذبت بالرسل، فأين هم الآن؟ لقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فكيف كان عقاب. ولقد زين الشيطان للمنافقين أعمالهم ، وغرهم بأنه معهم ، وأنه لا غالب لهم ، ولكنه نكص على عقبيه عند المواجهة. ثم أن المنافقين (المغرورين بالشيطان حتى النخاع) تراهم يتهمون المؤمنيـن بالغرور، وبالذات عند الابتلاء وزلزلة النفوس، يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله بالنصر إلا غرورا ً. 10/ التكذيب حين لا يعترف الإنسان بالحق إذا جاءه ، فإنه مكذب بـه . ولعل التكذيب بالحـق ، هو جذر الكذب والافتراء. ولكلمة التكذيب آفاقها ؛ فالتكذيب أحد أبعاد الكفر ، وهو مناقض للايمان . وإنما المكذب هـو الذي توافرت آيات الحق لديه فكذب بها . فمحور التكذيب الحق ، وهو من أشد الظلم ، كما الافتراء . والتكذيب بآيات الله ، دليل على التكذيب بالحق ، الذي تدل عليه تلك الآيات ، كما الجدال في تلك الآيات يصرف البشر الى متاهات الضلال ، سواء آيات الله في الخليقة أو في الكتاب ، ( ومن ذلك التكذيب بتأويل تلك الآيات ). وهكذا الخوض في آيات الله، والحديث فيها من دون علم ، أو اللعب والاستهزاء بها، والتكذيـب بآلاء الرحمن (دون التسليـم لها بالاعتـراف بها، والشكر لها، وأداء حقوقها)، إنه محور أساسي للتكذيب عند الكافرين . من محاور التكذيب بالحق في الكتاب ثلاثة؛ التكذيب بآيات الله ، وبرسله ، وبنعمه . أما التكذيب بآياته، فانه ظلم فاحش . أوليس حق الآيات يفرض عليك الايمان بها ؟ فالتكذيب نكران لذلك الحق المفروض ، وهو ظلم . ومن كذب بآيات الله فقد خسر نصيبه من الكتاب وضيَّع فرصته في الهداية، فاذا انتهى أجله اعـترف بأنه قد ضل عنه ما أشرك به ربه ، ( واعتمد عليه في التكذيب ) ، وشهد على نفسه بالكفر: 1- وحقيقة التكذيب بآيات الله الاعراض عنها، وإذا كانت آيات الله مبصرة (ناقة صالح - عصى موسى)، فإن الكفر بها يقتضي عذاب الدمار . 2- والتكذيب بآيات الله ينشأ من أسباب ، أبرزها : الأول / الكفر ؛ فالكافرون يكذبون بآيات الله . الثاني / العمه والصمم البكم الذين هم في ظلمات ( الجهل ) يكذبون بآيات الله ، وقد أضلهم الله . الثالث / الاستكبار الذي يمنع البشر من التسليم للحق ، الذي تهدي إليه الآيات . الرابع / المصلحة ، (حيث يجعل البعض رزقه في التكذيب ) . الخامس / اتباع الهوى . السادس / سبق التكذيب؛ فمن كذب بآيات الله من قبل (وربما في عالم الذر)، يقتضي أن يكذب بها في الدنيا. السابع / اجتراح السيئات؛ فان عاقبة الذين يسيئون ، أسوء عاقبة ، وهي التكذيب بآيات الله . 3- وعقبى التكذيب ؛ أن لهم عذاباً مهيناً ، وأنهم لا تفتح لهم أبواب السماء ، ولا يدخلون الجنة، وأنه تحبط سائر أعمالهم ( حتى الصالحة – ظاهراً، لأن شرط الايمان مفقود ) ، وان الله يقطع دابر المكذبين بآيات الله، فلا يبقى لهم ذكر حسن، وأنه ينتقم من الذين يكذبون بآيات الله ( بأن يرسل عليهم عذاباً ودماراً ) . وكانت القرى المكذبة قد دمرت ، فكيف كان نكير الله تعالى ؟ وهكذا يصبح المكذب مثل سوء لكل معتبر ، ويستدرجه الله من حيث لا يعلم ، حيث يهلكه بذنوبه ، وعاقبته الخسران، حيث يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر كما أغرق فرعون وملأه في اليم . وحتى قبل القيامة ، يحشر الله مـن كل أمة فوجاً ، ليحاكموا ويفتضحوا . 4- ويوم القيامة يحضر الله المكذبين، فهم يومئذ من أصحاب الجحيم ، خالدين فيها ، وطعامهم من زقوم. وقبل العذاب يحاكمون ، ويقال لهم : ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ؟ وحتى جهنم تسألهم: ألم يأتكم نذير ؟ قالوا بلى؛ قد جاءنا نذير ، فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ، ويبلغـون ذروة الندامـة حين يتمنون العودة الى الدنيا ، فلا يكذبون بآيات الله . 5- وتتلو علينا آيات الذكر عبرة التاريخ ، لنعرف عاقبة المكذبين . فلقد كذب الطغاة الذين كانت جهنم لهم مرصاداً ، لابثين فيها أحقاباً . وقد كذبت قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون واخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع ، كل كذب الرسل فحق وعيد الله عليهم . ( قـد اشتركوا في التكذيب ، فعمهم العذاب ) . 6- وتكذيب الرسل عاقبته هي عاقبة تكذيب الآيات ، وقد ذكّرنا الله تعالى بتلك العاقبة ، وكيف أن الله تعالى قد أنجى الرسل ودمر المكذبين . وبالرغم من تنوع الهلاك ، إلا أن النتيجة واحدة ؛ الدمار والذكر السيء (اللعنة) . وكل العواقب السوئى التي لحقت بالمكذبين آيات ، ولكن الناس لا يؤمنون . 7- والله تعالى يبين عقبى المكذبين ، لكي نعتبر بها . ولذلك فإنه سبحانه يقرن بين تكذيب هذه الأمة، وتكذيب الأمم السابقة ، فيقول مثلا : (وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ اُمَمٌ مِّن قَبْلِكُم(. في آيات كثيرة يرفع الحواجز النفسية التي قد تجعل البعض لا يعتبر من مصير الغابرين، فإنهم لم يكونوا أضعف منكم، بل كثيراً ما كانوا أقوى. وإذا كنا لا نعرف عنهم شيئاً، فتلك آثارهم مبثوثة على الأرض ، فسيروا في الارض لتنظروا إليها. ولعل في تلك الآثار ما تدل على أن تكذيبهم استمر لحين الانتقام منهم ، ( مما يدل على أن الانتقام كان بسبب التكذيب ) . وايضا ان العذاب فاجأهم ، فلم يستطيعوا له رداً . 8- ثم إن الحياة تضيق بالمكذبين ، حيث أنهم يتيسرون للعسرى ، حتى يدخلون ناراً لا يموت أحدهم فيها ولا يحيى . 9- في سورة المرسلات تكررت هذه الآية : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(. ولعل الحكمة في ذلك ، أن أكثر الناس يزعمون أن التكذيب بالحق يبرر لهم ترك العمل به ، بينما يزيدهم مسؤولية. فالويل لهم (بكل معانيه من العذاب في الدنيا والآخرة ) . ففي يوم الفصل، ويل للمكذبين . والهلاك ينتظر المجرمين ، فويل للمكذبين . وهذا الانسان الذي خلق من ماء مهين ويل له إذا كذب ، فويل للمكذبين . وهذا الانسان الذي وفر له الله النعم السابغة ثم يكذب ، فويل للمكذبين . وهذا البشر الذي يحتاج في حياته الى الله ، ويل له حين يكذب ، فويل للمكذبين . ويفسر القرآن بعض الويل للمكذبين في صـورة ظل ذي ثلاث شعب ، لا ظليل ولا يغني من اللهب، إنها ترمي بشرر كالقصر ، كأنه جمالت صفر . ولأن المكذب يبرر تكذيبه بشيء، فلا يتفكر أنه يوم القيامة يؤذن له ليعتذر. كلا؛ بل له الويل. ولعل المكذب يزعم أنه قادر على مواجهة آثار تكذيبه بقوة أو بفرار أو بشفيع . كلا ؛ لا يمكن أن يكيد ، بل له الويل . والمتقون في ظلال وعيون ، بينما الويل للمكذبين ، وإن تمتعهم في الدنيا بتكذيبهم لا يسوى شيئاً، إذا قورن بعقاب الآخرة الشديد . ومن أبعاد تكذيبهم ؛ أنهم لا يركعون لله ، ويكذبون بيوم الدين ، وأن سبب تكذيبهم هو أنهم من الآثمين المعتدين ، وأنهم إذا تتلى عليهم آيات الله قالوا أساطير الأولين ، وأنهم قد ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون . 11/ الإفك الإفك هو االكذبات الكبيرة ، والضلالات البعيدة ، والشبهات المعقدة التي يستخدمها الشيطـان وأولياؤه من أئمة الضلالة في مواجهة بصائر الوحي النيرة ، وحقائق الرسالة الظاهرة ، لعلهم يخدعون البشر عنها ، وتراهم قد ينجحون فعلاً في مكرهم . وهكذا الإفك ليس كل كذبة ، بل تلك الكذبات الكبرى التي يختلقها الكفار لمواجهة الحقائق الكبرى (توحيد الله - الرسالة - النشور ) ولعل منها الثقافات الجاهلية والشركية والسلبية. وكلما بعث الله رسولاً، أثار كوامن العقل ، وأيقظ الضمائر الغافلة ، اختلق شياطين الجن والانس إفكا كبيراً لمواجهة تحدي الرسالة؛ ( بالسحر العظيم حاربوا المعاجز الكبرى لموسى عليه السلام مثلاً) . على الانسان أن يزداد حذراً من الإفك المختلق ، وليعلم أن تجاوز عقبة الإفك (وما يختلقه الأعداء من شبهات معقدة ) ، هو السبيل الى رحاب الحق ، وإلا فإنه يؤفك عن الحق فيمن أفك ، ويوقع في الضلالات الكبرى التي وقعت البشرية فيها . من تلك الضلا لات ، اختلاق الولد لله الواحد سبحانه ، وصناعة الأوثان ، ودعم الثقافة الوثنية بفلسفات بررها وغر البشر بها . وبهزة ضمير ، وبيقظة وجدان ، وبنفضة إيمان ؛ يتجاوز العقل السليم عقبة الإفك ، وشبكات الفلسفات الباطلة، واشراك الكذبات التي أحاطت بها . تجاوز ذاتك ، ومحيطك ، وأفكارك المتراكمة على قلبك ، وانظر الى الحقائق مباشرة وبلا حجب، ألا ترى آيات الله في خلق السماوات والأرض ، وتسخير الشمس والقمر ، وآثار رحمته في تدبير الخلق ، حيث جعل لك الليل سكناً والنهار مبصراً ، وأنت لا تشكره ، وهو يتفضل عليك دائماً؟ ألا ترى الحياة حين تبزغ من ضمير حبة أو نواة ، كذلك الحــياة التي تتواصل عبر الأحياء ، وحركة الليل والنهار ، وحسن التقدير فيهما ، أليس ذلك يهديك الى الرب العزيز العليم ؟ فالى متى تبقى في متاهات الإفك ، وتترك رحاب النور الذي يتجلى في ضميرك ، من آيات الخلقة مباشرة ، بلا أية حجب أو تعقيدات ؟ وكلما تفتحت بصيرتك بنور الخالق ، واتصل وجدانك بالحقائق مباشرة ، كلما قدرت على تجاوز ألوان الإفك ، بالرغم مما فيها من زخرفة وأمتعة الغرور ، وأدوات الخداع . وهكذا كلما تعرضت لشبهة فاستعذ بالله ، وعد الى نمير الإيمان ، وطهر قلبك من درن الغفلة ، هناك تبدو لك الحقائق أكثر فأكثر . وتحبك الحركات المعارضة للرسالة شبهة ، وتشيعها في المجتمع المدني ، و تتهم زوجة الرسول بالزنا. (وتصنع مثلها الطغاة ضد الدعاة أبداً) ، ويمتحن المؤمنون بالرسول والرسالة بذلك . فهل يحصنهم إيمانهم من الخوض في الإفك ، أم ينهارون ؟ وإذا كان إيمان الفرد بالرسول عن بصيرة ، استطاع أن يتحدى ذلك الإفك الخطير . 12/ انغلاق الجوارح بسبب سقوط الإنسان في مهاوي الضلالة والعمى، وبعد إحاطة الرين به ، يختم على قلب البشر ، فلا يسمع ولا يعقل ( وتلك من أسفل دركات الكفر ) . إنغلاق القلـب يعني سلب النـور منه نهائياً ، وإذا سلب الله نوره فمن يأتيه بنور ؟ لا أحد. وهكذا فلن يهتدي إذا أبداً. وما يقتضي الطبع على القلب فانه أقسام ، ( يجمعها الكفر النظري والعملي ) . فالذنوب التي يكتسبها البشر ترين على قلبه حتى تحيط بأطرافه ، والاعتداء على الآخرين يغلق القلب ، كما اتباع الهوى واتخاذه إلهاً، والنفاق والتكبر والتجبر والكفر ( بعد الإيمان ) والاعراض عن آيات الله والجدال فيها ، وهكذا التخلف عن القتال وبالذات عند الأغنياء . 13/ ثني الصدر مما يمنع نور الهدى عن العقل، أن يطـوي الانسان صدره ، فيضمر في طيه شيئاً ويظهر شيئاً غيره، فمثلاً يضمر الكفر ويظهر الايمان ، أو يضمر الاعتراف بالحق (الذي يشهد عليه وجدانه) ولكنه لايعترف به ظاهراً .. إنه ثني الصدر وعطفه حتى يصبح الصدر (القلب) ذا وجهين ؛ وجه للباطن ، ووجه للظاهر . وهو عمل مشين ، وهدفه الاستخفاء من الله ( والتظاهر بغير ما يضمر ) ، ولكن هل يخفى على الله شيء؟ كلا؛ لأنه محيط علماً بالناس . وفي اللحظات التي يختلون الى أنفسهم ، عندما تغشاهم وتسترهم ملابسهم وثيابهم ، ويكشفون أسرارهم ، هناك يحيط الله علماً بهم ، ويعلم سرهم ونجواهم .. قال الله تعال : (أَلآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَستَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور( (هود/5) ونستوحي من الآية ؛ إن ثني الصدر وعطفه على بعضه ( وجعله طبقات ) ، وعدم الصراحة والبساطة، إنه قيمة مضادة للهدى . 14/ الإكراه على الدين الإكراه حمل الشخص على ما لا يرتضيه . والمجتمع الجاهلي قائم على أساس الإكراه ، بينما المجتمع المؤمن يقوم على أساس من التبيين . ولم يستخدم الرسل الإكراه لحمل الناس على الرسالة ، والله تعالى لم يكره الناس على اتباع الهدى ، فهل يكرههم الرسول أو الدعاة الرساليون ؟ وهكذا هي علاقة الانسان بالانسان ، ينبغي أن تقوم على أساس الاقناع والاحسان ، لا الإكراه والإتباع . فالأب يقنع أبناءه على سيرته ، والولد يحسن الى والديه ، والناس يأمر بعضهم بعضاً بالمعروف وينهاه عن المنكر ، ولا إكراه في الدين . والولاية علاقة إيمانية بين الراعي والرعية ، وأمر الناس شورى بينهم، والطاعة نابعة من القناعة ، وما سوى ذلك حالة ثانوية .
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|