فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الحذر
الحذر؛ هو التحفظ من الخطر، واول الحذر الخشية من اللـه واتقاء غضبه، ( بالورع والاجتهاد). والتهجد بالليل خشية الآخرة، ورجاء رحمة اللـه من مصاديق الحذر. ومن مصاديق الحذر اتقاء الفتنة الآتية من وساوس كل شيطان من الجن او الانس ، فقد يأتيك الشيطان عن طريق كافر أو منافق ، أو حتى عن طريق زوجتك وأبنائك أو أقرب أخلائك ، فلا تغفل .
ومن أبرز مسؤوليات الفقهاء تحذير الناس من عذاب اللـه تعالى . ولكي تكون حذراً من الفتن ، عليك أن تجعل خط الرسول وأهل بيته والتابعين لهم معياراً فتستجيب لدعواتهم .
وينبغي الحذر من العدو والانتباه الى حركاتهم وعدم الغفلة عنهم . وهكذا يتمتع المؤمن بنشاط ذهني دائب ، فلا يغفل ولا يهمل ولا يسترسل ، وإنما هو فطن حذر متيقظ .
الرشد
إذا بلغ الطفل النكاح فقد اكتمل جسمه ونال الرشد البدني، وإذا عرف ما ينفعه أو يضره ، وما هو حسن أو قبيح عقلاً وعرفاً وعرف كيف يدير شؤونه الاجتماعية ( من بيع وشراء مثلاً ) فقد اكتملت قدراته العقلية ، ونال الرشد الطبيعي، وإذا عرف كيف يعيش حميداً بحكمة وسداد فقد اكتملت مروءته ، وبلغ الرشد الأخلاقي (الايماني). فللرشد معاني ثلاثة ..
وهكذا الرشد ضد الصغر ، وضد الغي ، كما أنه يقابل السفه .
وأساس الرشد الأخلاقي الايمان بالله، والاستجابة للرسول والوحي والتسليم له، ولمن أمر بالتسليم له واتباعه، وان يطهر القلب من الحميات الجاهلية، ويعتمر بحب الايمان، وبكراهية الكفر والفسوق والعصيان.
والرشد من عند اللـه ، وينمو بالذكر ، وتطهير القلب من الكبر ، وقبول الحق ، وقبول كل آية من آيات الله ( وعدم الاعراض عنها ) واتباع الصالحين .
تثبيت الفؤاد بالقرآن
من قيم الهدى الثبات ، ولغوياً يكون الثبات عن المحو وعن التحول وعن التزلزل ، ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ، والكلمة الطيبة التي هي عيبة الايمان ، وخزانة المعرفة. وكذلك يثبتهم الله بالنصر على اعدائهم وينزل الملائكة ليربط بهم على قلوبهم .
وهناك جملة حقائق يثبت اللـه تعالى من أجلها قلوب المؤمنين، وهي الاستغفار، وتلقي الوحي على مكث، والانتصار لله ولدينه القويم ، والتضرع الى اللـه ( بالثبات وعدم الزيغ )، وانفاق المال ، وطاعة الرسول في ساعة العسرة أو في الواجبات المستصعبة ، والوفاء بالمواثيق .
ومن عوامل التزلزل؛ الذنوب، وبالذات خطيئة نقض الميثاق، والاستعلاء (بعض المؤمنين على بعضهم)، ومعصية الرسول.
وضوح الرؤية (البصيرة)
البصيرة قيمة إيمانية ، وتعني مشاهدة الحق واتباعه، وعدم اتباع الأهواء، والسبيل إليها تطهير القلب من الوساوس ، واختراق حجب الشهوات والعصبيات .
وقد أعطى الله الانسان بصيرة بنفسه لتكون حجة عليه، حيث يميز بين الأعذار الباطلة والصحيحة التي يلقيها.
ومن أعظم فوائد البصيرة الالهية هذه ، قدرة التمييز بين الدين الفطري الذي يدعو الى اللـه والقيم الحق ، وبين الدين المصطنع الذي يختلقه البعض ليخدم أهدافه ومصالحه. وهكذا فإن من يفعل ذلك يعلم أنه إنما يتبع باطلاً وليس دين اللـه الحق .
الاستبشار بآيات الله
من علامات حب المؤمن لله ولكتابه المبين وعطشه الى زيادة اليقين ، أنه يستبشر بالقرآن ، وتلك قيمة إيمانية، الفرح بما آتاه اللـه من نعم .
الكافر والمنافق يخشى أن تنزل سورة أو آية تخالف مصالحه وأهواءه ، فهو لا يفرح بنعمة الوحي، أما المؤمن فقد تجاوز ذاته ، وبلغ درجة كافية من التسليم للحق يجعله يفرح بكل ما ينزل من عند ربه .
التعقل
تحمل آيات الذكر من يشاء الى آفاق الحقائق حتى يشاهدها، ويشعر ببرد اليقين بها في قلبه. وهكذا حين تذكرنا الآيات بالعقل تصفه بعلاماته ، وصفات من يعقل أولا يعقل، حتى يكتشف العقل نفسه ، إذ النور يدل على ذاته بذاته بعد تذكرة الوحي به ، وذلك لمن يشاء أن يَذَّكَّر دون أن يماري في الحقيقة .
فالعاقل الذي يستمع القول فيتبع أحسنه ، بينما غير العاقل الذي لا يستمع بل لا يسمع وكأنه الصم البكم ، واذا دعي الى الحق اتخذه هزواً ، وتراه يردد ما يقوله الآخرون دون انتخاب أحسنه ، ويقتحم فيما يهلكه ، وينكر ما يعرفه العقلاء ، ولا يضع الناس مواضعهم، ولا يحترم قيادته الإلهية ، ولا يعرف صديقه من عدوه ، فترى بأسه شديد ضد جماعته ، ويتلو الكتاب ويأمر به ثم يخالفه الى غيره ، ويختلق ديناً ثم يفتريه على ربه ، ويعبد من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره .
والعاقل يتذكر ويعلم إن ما أنزل من الوحي هو من عند اللـه تعالى ويوفي بالميثاق ، ويدرء بالحسنة السيئة ، ويعرف قيمة الحكمة الإلهية، ويتذكر بها ، ويسلم لما نزل من الوحي محكمه ومتشابهه، ويعرف قيمة العلم والعلماء ، ويعرف قيمة الكتاب وأهله، فتراه يتذكر بآيات القرآن بعد التدبر فيها .
أما الذين لا يعقلون فانهم شر الدواب ، لأنهم يقولون سمعنا وهم لا يسمعون ، ويتخذون أهواءهـم آلهتهم ، فهم كالانعام وأضل سبيلاً، ويعترفون بأن اللـه هو الذي أنزل من السماء ماءً وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ، ثم يكفرون، وترى بعضهم يسمع كلام اللـه ثم يحرفه .
وإنما ذكر الوحي بالآيات لقوم يعقلون ، فهم ينتفعون بآية الشمس ويهتدون بها الى ربهم ، وبآية الدورة الحياتية للنبات وما أسبغ اللـه بها على الانسان من نعم، وإذا مروا بآية في الأرض مثل آثار القرى الظالمة التي دمرت اعتبروا بها أو إذا ركبوا البحار وسارت بهم السفن في أمواجها تذكروا ربهم - قدرته ورحمته - ، وإذا نظروا الى آفاق السماوات وشاهدوا حركة الأفلاك استوعبوا حكمة الخلقة وأسرارها .
وقلب العاقل كما زيت صاف يتقد عندما يمسه نور الوحي، وأول ما يتذكر به التفكر في أطوار خلقه منذ أن كان نطفة في قرار مكين حتى أصبح شيخاً كبيراً، وبلغ أجله المسمى، وعرف أن تطورات حياته آية عبوديته لربه . ثم ينظر الى آيات اللـه في الارض كيف يحييها اللـه من بعد موتها، فيتقد مصباح عقله بتذكرة الوحي .
وحقائق الايمان هي محور تذكرة الوحي، ووعي العقل. فالتوحيد يذكر به القرآن؛ مثل: هل أنت ومن تملكه سواء فيما أعطاك الرب ؟ فكيف يكون اللـه الخالق ومن خلقه سواءاً في تدبير الكائنات ؟ والرسالة يستوعبها العقل من خلال تذكرة الوحي بأن الرسول لم ينطق خلال عمره السابق بالقرآن ، وأنه لا يطالبهم بأجر فكيف لا يكون رسولاً؟ والايمان بالآخرة يعقله المرء من خلال تأمله في الدنيا التي ليست هي إلاّ لهو ولعب ، فكيف تكون هي الغاية؟ وهكذا يثير الوحي ذخائر العقل حتى يشهد الحقائق الايمانية شهود عيان .
ولله في خلقه سنن جارية يعرفها العقل بالنظر في تاريخ الغابرين، وإنما يذكر الوحي عقل البشر بما مضى من تاريخهم ، ويذكر القرآن بقصة الذين أضلهم الشيطان ويحذرهم من عبادته ، وينبه العقول بمدى عداوته للانسان.
إنما أصول الشريعة مرتكزات عقلية، والوحي يستنطق البشر فيها، فكلما بَيَّنَ حكمة أو أمر بوصية نبـه الانسان الى عقله. فقد حذر الوحـي عن الشرك، وقتـل الأولاد ، والفـواحش ، وقتـل النفس التي حرم الله، كما أمر ببر الوالدين ، ثم ختمه بقوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ( ( الانعام / 151 ) .
وأمر اللـه بجملة وصايا فيما يتصل بالعلاقات الأسرية والاجتماعية، ثم ختم الكلام بقوله تعالـى:(يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ( (النور /61) .
وهكذا كان من حكم الوحي تنمية العقل . والتقوى ميراث العقل ، وأمر الرب تعالى بها أولي الألباب، لأنهم يعقلون. ومن هنا كانت حسرة أهل النار أنهم ما كانوا يعقلون، وكان الجهل سبب ضلالة الكفار بسبب اتباعهم الآباء ، وكان الرجس ( واللعنة ) من نصيب الذين لا يعقلون .
الحكمة
جملة القيم التي ينتظم بها الحكم الصحيح (والقضاء العدل)، هي الحكمة، وهي توحيد اللـه ، وبناء الأسرة، والاقتصاد في المعيشة ، وحرمة القتل والزنا وشريعة القصاص ، وحرمة المال ، واحترام العهد ، والقسط في الميزان، والامانة العلمية ، وحرمة العلو في الارض .
ومنها أداء حقوق الوالدين ، والاحساس بالمسؤولية، وإقامة الصلاة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والصبر في الصعاب ، وعدم التعرض للناس واستعدائهم ، والقصد في المشي .
واذا كان الكتاب جملة الحقائق والبصائر، فإن الحكمة هي فقه الكتاب، وتعقله ومعرفته، بحيث يصدر الأحكام الصحيحة منه ، وبحيث ينظم العيش على أساسه ، ويدبر متغيرات الحياة وفق تعاليمه .
وقد فسرت السنة الشريفة الحكمة بأنها مخالفة للهوى، وأنها أجزل حظوظ العقل، وأنها الفهم والعقل، وأنها ضياء المعرفة وميراث التقوى وثمرة الصدق ، وفي حديث إن الحكماء من الأنبياء والأوصياء .
التوسم
التوسم أن تلتقط عينك وبصيرتك آيات الحقيقة التي تخفى على الآخرين ، وذلك بخرق حجب الهوى والعصبية ، والنظر في الأمور بنور اللـه الذي تزيده االتقوى وتجليه بصائر الوحي .
تكاملية الشريعة
تكاملية الشريعة تدعونا الى منهجية تكاملية ، لا تحذف شيئاً لحساب شيء آخر ، بل تبحث عن مجال كل شيء بقدر حقه ومصدر تكاملية الشريعة :
ألف/ إنها تدعو الى خير الدنيا والآخرة .
باء / إنها تثير كل مصادر المعرفة عند البشر من الفطرة والعقل والوحي .
جيم / تقيم كل شيء على أساس الحق؛ فالدنيا تعطى حقها، وللآخرة النصيب الآخر .
دال / يتطلع المؤمنون الى خير الدنيا والآخرة ، ويعطي الاسلام الانسان القوة الكافية لتحقيق السعادة في كل الحقول باذن اللـه تعالى .
هاء / وهو دين متين قد حذفت عنه الزوائد، التي اختلقتها النفوس المريضة او اقتضتها الظروف الخاصة.
الإسلام
الإسلام هو التسليم لله وحده ، وهو دين الله من قبل ومن بعد ، وهو الحنفية البيضاء التي لا شرك فيها ، وهو فوق العصبيات الدينية والعرقية وكل الحميات الجاهلية ، وهو الشهادة على الناس ( والتي ذروتها الجهاد في سبيل الله ) .
والأنبياء أسلموا لله (فنالوا درجة الشهادة على سائر الناس)، والإسلام دين الفطرة البشرية التي لا تبديل لخلق اللـه فيها ، وهو الدين القيم الذي لا يقبل اللـه غيره .
الكتاب السماوي
كتاب اللـه أعظم ينبوع للمعرفة ، وهو حق لا ريب فيه، لأنه كتاب حق ينطق عن آيات اللـه في الخليقة، فهو عنوانها ودليلها . والذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه منزل من اللـه بالحق ، ففيه من تجليات نور الرب ما يجعل بعض الناس يبصرون حقيقة نزوله من عند اللـه. وبه يطهر اللـه النفس من حجبها ومن شكها وريبها ، ويثير العقل ودفائنه ، حتى تلامس النفس الحقيقة بنور اللـه (العقل، والكتاب). ويسلك العقل الى السنن الحق سبيل القصص والأمثال، فإذا به يهتدي الى الحق ، فيكون الكتاب لذوي العقول هدى ورحمة .
وصفات الكتاب انه مبين يعرب بوضوح عن الحقائق، وأنه مبارك ينمي مواهب البشر الروحية والجسمية وفي كل أفق، وأنه يصدق الكتب الإلهية السابقة، وأنه نور ينجي البشر من ظلمة كبره وغروره ، ومن ظلمة غفلته ونسيانه ، ومن ظلمة جهله وعناده ، ويشفي غفلته بالتذكرة ، وجهله بالتبصرة ، وحميته بالتزكية .
وبالانصات والاستماع ثم الدراسة والتدبر، ثم أخذ ما فيه بقوة وحزم، وانتخاب أحسـن ما فيـه، ثم استحفاظه والشهادة به ، بكل ذلك يؤدي المؤمن بعض حق الكتاب عليـه .
وهناك من يحرف كتاب ربه؛ إما بتفسيره وتحريف مواضعه، وإما بلوي اللسان به حتى يحسب الناس أنه من كتاب الله وما هو من كتاب الله، وإما بكتابة نص ونسبته الى الله افتراء عليه ، وإما بجعله عضين والايمان ببعضه والكفر بالبعض الآخر. وأياً كان التحريف، فانه يتسبب في قسوة القلب بالخزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب .
القرآن شفاء القلوب
لكي يستشفي المسلم بالقـرآن، فيكون رحمة له، فعليه أن يحذر الظلم (قليله وكثيره، ظاهره وباطنه). فالظلم حجاب بينه وبين روح الكتاب المبين .
والتسليم للقرآن (محكمه ومتشابه، تفسيره وتأويله، ظاهره وباطنه) ومعرفة أنه من عند اللـه سبحانه، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، كل ذلك شرط الانتفاع بالقرآن من قبل المجتمع ( حيث يفصلون به ما اختلفوا به ، ويرجعون إليه فيما أشتبه عليهم من أمر ، وينشطون به ارادتهم لمواجهة الأخطاء والمشاكل). وهكذا القرآن الحكيم هدى من الضلالة، وشفاء من الحجب التي تمنع شعاع العلم عن القلب .

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب