فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
ميثاق العلم
الأمر بالمعروف
فطرة الانسان قد انطوت على القيم المثلى التي لا يختلف البشر في أصولها العامة، وهي الميزان الـذي يتحاكمون إليها ، وهي - أيضا - حجة الله على خلقه؛ أسودهم وأبيضهم، عالمهم وجاهلهم ، وهي - بالتالي - محور احكام الشريعة الغراء. وهكذا المعروف هو الذي يتقبله ويستجيب له الانسان بفطرته السليمة، وهو الذي تتفق عليه - عادة - مصلحة الناس جميعاً ( لا مصالح طائفة أو فرد منهم فقط ) .
وقد جاءت هذه الكلمة بمشتقاتها المختلفة ( عرف - معروف - أعراف ) بصورة مكررة وفي سياقات مختلفة في سور القرآن ، لكي تهدينا الى تلك الحقيقة الواحدة ، وهي الفطرة البشرية النقية التي هي الدين القيم ، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها جميعاً .
والمعروف محور أحكام الشريعة الغـراء؛ فالعلاقـة الزوجيـة ( المعاشـرة بالمعـروف )، ورزق الأولاد بالمعروف، والوصية للوالدين والأقربين بالمعروف ، والأكل من مال القاصر بالمعروف .
والأمر بالمعروف من أبرز سمات الأمة الاسلامية كما النهي عن المنكر ، أوليس المعروف هو محور تعاونهم وشعار حضارتهم وقاعدة بنيانهم ، فالأمر به يزيدهم تماسكاً وتعاوناً، ويعطي لحضارتهم دفعة جديدة ، ولبنيانهم قوة ومتانة .
بيان الحق وتفصيله
الفصل هو الإبانة ، وفصل الجنود عن المدينة أو العير ؛ ابتعادهما عنها ، والفصال هو الفطام (لأن الصبي يفصل عن محالب أمه)، والفصيل الفريق من الناس الذين يتميزون عن غيرهم (ويفصلون عنهم). وهكذا الله يفصل بين الناس يوم القيامة (ويفرق بين المحق والمبطل)، كما انه سبحانه يحكم بينهم في الدنيا بالفصل (ليعرف الحق واضحاً) ويوم القيامة يوم الفصل لأنه يوم إبانة الحق عن الباطل .
والقرآن قول فصل (لأنه يبيـن الحـق عـن الباطل) وقد فصل الله فيــه ما حرّم على البشر ( حتى تميز كاملاً عن الحلال )، وهكذا يفصل ربنا الآيات. وتفصيل القرآن قائم على علم ، وقد فصلت آيات الله في الخليقة لقوم يعلمون ، كما فصلت لهم آيات القرآن ( مثلاً ان الله لم يحرم زينته لعباده ، وان العلاقة مع المشركين انما تتحول اذا تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) . وكذلك فصلت آيات القرآن لقوم يذكرون (فأحد أركان العلم التذكر)، ولقوم يفقهون ( الفقه درجة من درجات العلم )، ولقوم يتفكرون ( والتفكر من دعائم المعرفة ) .
وكما الفصل كذلك البيان (وهو - فيما يبدو - إبانة الحق وفصله عن الباطل)، فان الله تعالى يبين الآيات للناس لعلهم يتفكرون ولعلهم يعقلون. ( فالتفكر كما العقل والهدى واليقين والتقوى والرجوع الى الله تعالى، كل ذلك من أهداف البيان في القرآن حسب الآيات ) ، ومن يعقل ينتفع بالبيان ، بل البيان جاء لقوم يعقلون ولقوم يوقنون .
ونستفيد من كل ذلك بصيرتين :
الأولى/ إن فصل الحق عن الباطل ( والحلال عن الحرام ، والهدى عن الضلال، وهكذا..) هدف من أهداف الكتاب .
الثانية/ علينا أيضاً أن نجتهد في سبيل تحقيق هذا الهدف بالتفكر والتذكر، لأن الذيـن يتذكـرون ويتفكرون ويفقهون ويعقلون ويعلمون ( وبالتالي يستفيدون من مواهب الله تعالى لهـم من أسباب الوعي والفهم ) هم الذين يتلقــون تفصيل القرآن وبيانــه. ( فالقـرآن إثـارة للعقل، ووسيلة للتذكر والتفكر، وبيان لمن يعلم ويفقه، وبالتالي سبيل لسعي الانسان، ونور لحركته ) .
والقرآن تفصيل الكتاب ، والله أنزل الكتاب مفصلاً وفيه تفصيل كل شيء ، وكل شيء فصله الله تفصيلاً (ولذلك فهو) لا ريب فيه، وما كان أن يفترى من دون الله .
وبالتدبر في هذه الحقيقة نتبصر بأن علينا أن نستنطق القرآن ، وأن نستبين به الحقائق ، ونجلي به قلوبنا من الغل واصر الحميات وأغلال الجاهلية، فإذا زكت القلوب ، وتفتحت البصائر ، واستثار العقل، وزهر مصباح العقل عرف البشر تفصيل كل شيء من الكتاب بتوفيق الله تعالى.
وقد أمر الله بالتبين في الأمر العسكري (وفي كل أمر)، وألا يقفو ما ليس به علم ، ويعي مسؤولية جوارحه (كل ذلك من أجل أن يحس البشر بالحاجة الى العلم ، وأنه من أشد ضرورات حياته، ومن أهم مسؤولياته ) .
الشهادة على الحق
تنقسم وثيقة الشهادة الى شعبتين؛ الأولى عن الشهادة على الانسان بالحق ، الثانية عن شهادة الانسان على الحق. فالشهادة على الانسان تفرض مسؤولية الانسان ، وبالشهادة منه على الحق تنجز هذه المسؤولية. فالانسان مسؤول، ولكن لماذا ؟ لأنه محاط بالشهادة. فالله شاهد عليه وكفى بالله شاهداً وشهيداً ، والرسول شاهد عليه وشهيد ، والعلماء شهداء على الناس ، بل الانسان شاهد على نفسه منذ يوم الميثاق ، وهو يشهد على نفسه بالحق في الدنيا أحيانا وجوارحه تشهد عليه يوم القيامة . تلك هي أبعاد الشهادة على الانسان ، وتلك هي أبعاد المسؤولية أيضاً.
الصدق
الصدق حقيقة، والكذب واقع؛ ولكل منهما علائمهما، من عرفها عرف الصادق عن الكاذب؛ وتتعاكس هذه العلامات ، فمن لم يكن صادقاً فهو كاذب .
ألف/ علامة الصادق أنه يتحدى، بينما الكاذب لا يستجيب للتحدي. فقد كذب الكفار بالوحي، وتحداهم القرآن بأن يأتوا بما هو أهدى منه أو بمثله، أو حتى بإثارة من علم إن كانوا صادقين، واذا لم يستجيبوا لتلك التحديات تبين أنهم كانوا كاذبين .
وكذلك الملائكة حين تساءلوا عن حكمة خلق آدم، عرض عليهم الرب تعالى (أنواراً) وأمرهم بأن ينبئوا عن اسمائهم ، فاعترفوا بالقصور وسبحوا ربهم .
فليس الصدق ادعاء ولا تمنياً ، بل هو تعبير عن علم أو هدى، فمن لم يكن لديه من ذلك شيء فكيف يكون صادقاً .
باء / الصادق فعله دليل قوله ، فلما اقترح اليهود للتصديق بالرسالة آية معينة ( قربان تأكله النار)، فضحهم الوحي بأنهم لم يؤمنوا من قبل بذات الآية الالهية المقترحة ، وكذبوا بالرسول الذي جاء بها . وعندما ادعى الأحبار أنهم أولياء الله، طالبهم الوحي بتمني الموت وبَيَّنَ أنهم أحرص الناس على حياة .
وهكذا المنافقون قعدوا وزعموا أن الشهداء لو أطاعوهم ما قتلوا ، فتحداهم الكتاب بأن يدفعوا عن أنفسهم المـوت، وكذلك الكفار طالبهم الوحي أن يرجعوا أرواح الموتى إن كانوا غير مدينين ..
كذلك الصدق بحاجة الى برهان من فعل المتحدث، ولا يكفي التمني والادعاء .
جيم / والشهداء هم أيضاً برهان الصدق ، فمن عجز عن تقديم الشهداء على صدقه أنّى له الادعاء .
دال / وعلامة الصادق أنه يصدق بالحق لما تتوافر البينات، بينما الكاذب يعاجز؛ فمثلاً ترى الكفار يطالبون الرسل بأن يأتوا بآبائهم أو يأتيهم الله بعذاب أو يسقط كسفاً عليهم من السماء، فلما استجاب لهم الرب سبحانه بحكمته في بعض الآيات كفروا ، فقد كفرت ثمود بالناقة وآل فرعون كفروا بالعصى الذي صار ثعباناً .
هاء / والصدق صفة كما الكذب ، والصدق يتبع صفات الخير، بينما الكذب يتبع صفات الشر؛ فمن صدق في الميثاق والعهد والوعد ، وكان مدخله صدقاً ومخرجه صدقاً ، وكان له لسان صدق في الآخرين، فهو الصادق. وجزاء الصادقين مغفرة وأجر عظيم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً.
والصدِّيق هو الذي يؤمن بالله والرسل واليوم الآخر ( وبالتالي يصدق بالحق كله ) ، وقد كانت مريم صديقة إذ أحصنت فرجها وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ، وكان إبراهيم صِدّيقاً إذ عارض أباه وقومه في عبادتهم الأصنام ، ودعا أباه لاتباعه ليهديه صراطاً مستقيماً، وكذلك سمى القرآن يوسف وادريس صِدّيقاً، ولعل أبرز مافي الصدِّيق بعد التصديق الاخبات والصبر على الأذى الشديد في جنب الله، والله العالم .
التضليل
الكتمان
الكتمان هو حجب الحق متعمدا ً، وقد نهى الله النساء من كتمان ما في أرحامهن، وقد أخرج الله ما كانت بنو اسرائيل تكتمه من جريمة القتل التي وقعت بين صفوفهم. ومن الكتمان النفاق ، حيث يظهر المنافق غير ما يضمره ، ومنه ما يفعله البخلاء من كتمان فضل الله عليهم .
ومن سبل الكتمان تلبيس الحق بالباطل ، وكان ذلك من عادة بني اسرائيل ، كما كانوا يكتمون الحق بعد العلم وقد نهى الله تعالى أهل الكتاب من ذلك .
وقد أخذ الله ميثاق العلماء ببيان الكتاب، ونهاهم عن كتمانه، ولكن اهل الكتاب نبذوا ذلك الميثاق واشتروا به ثمنا قليلاً ( بارضاء الطغاة والمترفين ) .
ويجوز الكتمان لمصلحة دينية غالبة، ولكن يجب اظهار الحق عند اقتضاء مصلحة الرسالة كما فعل مؤمن آل فرعون .
وعقبى كتمان الحق لعنة الله، ولعنة اللاعنين. ويوم القيامة يود الذين كفروا بالله وعصوا الرسول (وكتموا الحق) لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً .
الخيانة
الخيانة؛ هي التقصير في أداء الحقوق، فحق العين الغض عما لا يجوز النظر اليه ، وخائنة الأعين هي التي تتلصص إليه، وهكذا لا يجوز مد العين الى أزواج الآخرين، وقد اعتصم الصديق يوسف عليه السلام من خيانة العزيز في زوجته. وحق بيت الزوجية صيانة السر، وقد خانت زوجتا النبيين الصالحين نوح ولوط عليهما السلام هذه الأمانة ( فافشتا الرسالة ) .
وأمانة الايمان أداء حق الله والرسول ( وحقوق الناس ) ، والخيانة من صفات الكفار والمنافقين. ولا يجوز الجدال عن الخائنين والمختانين، فالله سبحانه لا يحب الخائنين، والله لا يهدي كيد الخائنين، (وبالتالي لا يفلح الخائن لا في الدنيا ولا في الاخرة).
الخداع
محاولة تضليل الآخرين عن نيته خداع ، وعلى المسلمين أن يحذروا الخداع بالتوكل على الله. والخداع صفة المنافقين ، الذين يخادعون الله والذين آمنوا، وما يخدعون إلاّ أنفسهم .
البهتان
من رمى بسيئة بريئاً فقد اتهمه ، ومن آذى مؤمنا بغير ما اكتسب فقد احتمل إثما مبيناً، ومن ارتكب خطيئة ثم رمى بها بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً.
وقد قالت اليهود في الصديقة مريم بهتاناً عظيماً (وكان ذلك بمثابة كفرهم)، كما اتهم المنافقون بعض زوجات النبي ببهتان عظيم. وكان من بنود البيعة مع النساء ألاّ يأتين ببهتان يفترينه من بين أيديهن وأرجلهن، كما نهى الله عن تهمة الرجل لزوجته ، وبالذات عند استبدالها بأخرى ليأخذ منها مهرها .
وعلى المؤمنين - إذا سمعوا التهمة - أن يظنوا ببعضهم خيراً ، ويقولوا هذا إفك مبين لولا جاءوا عليه بالشهداء. (وهكذا يواجهوا التهم والمتهمين بالرفض، حتى يأتوا بأدلة كافية ) .
وإذا أفاض الناس في التهم، فانه يخشى أن يصيبهم عذاب عظيم، لأنه قول بغير علم، وأنهم ليحسبونه هينا وهو عند الله عظيم .
الافتراء على الله
الافتراء على الله أن يصف المرء شيئا بأنه حلال أو حرام (من دون سلطان من عند الله)، وأن يقول إنه أوحي إليه ولم يوح إليه شيء ، وأن يضل الناس بغير علم .
تزكية المرء نفسه افتراء على الله (أليس يدعي بذلك أنه مرضي عند ربه من دون حجة بالغة على ذلك؟) وكفى بذلك إثماً مبيناً.
وقد نهى الله تعالى أن تصف ألسنتنا الكذب، فنقول لشيء إنه حلال ولآخر أنه حرام ؛ افتراء على الله. كما حكم بالويل لمن يكتب الكتاب بيده ثم ينسبه الى الله ابتغاء ثمن قليل، فيكون له الويل بما كتب والويل بما كسب. ويكفي افتراء على الله أن يصف الانسان شيئاً بالحلية والحرمة من دون أن يأذن الله له بذلك. ولكي ينسب المرء شيئا الى ربه لابد ان يكون له سلطان ( وحجة بالغة على ذلك ).
وادعاء الوحي وادعاء القدرة على مجاراة الوحي افتراء، وإن الافتراء ظلم عظيم وجذره الاستكبار (وعدم التسليم لما أمر الله به أو لمن أمر الله بطاعته). وحتى ( التفسير بالرأي ) وإلواء اللسان بشيء لإيهام الناس أنه من عند الله .
وميثاق الله على بني اسرائيل (أهل الكتاب وحملته) ألاّ يقولوا على الله إلاّ الحق . والحجة الشرعية واحدة من ثلاث ( فلو تجاوزها الانسان كان مفترياً ) ؛ العلـم والهـدى والكتاب المنير. ومن آثار الافتراء على الله اضلال الناس بغير علم. وأقبح الافتراء الاشراك بالله تعالى ( ولعل الافتراء على الله بذاته شرك ) .
ومن الافتراء رفض التسليم للحق والقول على الله الكذب ، ومن الافتراء الردة الى الجاهلية ( وملة الباطل ) بعد أن هداه الله الى الاسلام .
ومن مصاديق الافتـراء على الله قتل الأولاد، حيث كان الشركاء يزينونه لاتباعهــم لكي يردوهم (ويهلكوا نسلهم)، ولكي يلبسوا عليهم دينهم ( فيستفيدوا من الدين لمصالح الطاغـوت ) .
وهكذا حرموا على أنفسهم نعم الله فلم يأكلوا من بعض الأنعام افتراء على الله، وقد أنكر الرب سبحانه تحريم الزينة التي أخرج الله لعباده والطيبات من الرزق ، وبين حقيقة المحرمات والتي منها الفواحش والبغي والشرك والافتراء .
وبين ربنا انه لم (يحرم ولم) يجعل من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام (مما حرمه الجاهلون على أنفسهم).
وبين الكفر والافتراء صلة قريبة (إذ المؤمن يغنيه نور العلم الذي يستفيده من آيات الله ، بينما الكافر يفتري على ربه ليملأ فراغ قلبه من المعرفة وفراغ حياته من التشريع السليم). وهكذا ترى الذين يفترون على الله الكذب هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله .
والافتراء ظلم فاحش واجرام ، فالمفتري يمنع نفسه والناس من نور الهدى ، ولذلك فمن لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم .
والمفتري يخرج عن حدود الدين، فهو فاسق لأنه لا يحكم بما أنزل الله. وعاقبة المفتري غضب الله تعالى، فهو لا يفلح في الدنيا ، بل يسحت بعذاب ويخيب ( فلا يحقق هدفه الذي افترى على الله لبلوغه)، ويوم القيامة يعرضون على ربهم ليسألوا وليلعنوا على ظلمهم، كما أنهم تسود وجوههم هناك ، ويكون مثواهم جهنم لأنهم كانوا من المتكبرين .
وإنما بتذكر الآخرة (وما أعد الله للمتكبرين والمفترين على الله الكذب) يرتدع الانسان عن جريمة الافتراء، فلا يجعل من رزق الله حلالاً وحراماً من دون إذنـه سبحانـه .
ولأن في الناس من يفتري على الله الكذب، فعلى الانسان أن يبحث عن أهل الذكر فيسألهم ولا يسأل كل من ادعى علماً.
عدم تحريم ما حرم الله
الذين يحلون ما حرم الله ، او ينسئونه ليواطئوا عدة ما حرم الله ، فإنهم يزدادون كفراً ولا يهديهم الله، لأن هؤلاء ، إنما يتبعون أهواءهم ، وقد زينت لهم أعمالهم، ولا ينفعهم تظاهرهم بالتوافق مع دين الله وقـد أمر ربنا بقتـال الكفر وجعل من أسباب ذلك أنهم لا يحرمون ما حـرم الله ورسوله .
كذلك تحريم ما أحل الله وتحريم زينة الله التي أخرج لعباده ، والطيبات من الرزق ( نوع من الافتراء على الله سبحانه ) .
الغلو في الدين
الغلو في الدين أن يقول الشخص في العقيدة غير الحق كما قالت النصارى في المسيح إنه إبن الله، وإنما الله إله واحد .
ونهى ربنا عن الغلو في الديـن وعن اتباع أهوائهم ، قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً (حيث إن بعضهم اتبع الفلاسفة المشركين). وإنما الدين اتباع الحق (لا غلو ولا تقصير)، وأما الغلو فهو ميراث التعمق بالرأي والتنازع فيه، ثم الزيغ عن الحق والشقاق مع أهله .
الصد عن سبيل الله
الصد هو المنع عن اندفاع شيء أو شخص، نحو جهة وبقوة، كما قال المشركون إن الأنبياء عليهم السلام يريدون أن يصدوهم عما كان يعبد آباؤهم، (فهم مندفعون الى عبادة أوثانهم والأنبياء يمنعونهم ) .
وابتغاء العوج هو أحد أساليب الصد عن سبيل الله ووسيلته التهديد والتزييف والترغيب والكيد والمكر ، ويستخدم علماء السوء وسيلة التزييف. ويستخدم المترفون وسيلة الترغيب ، فينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله. ومن الأمثلة الظاهرة للصد عن سبيل الله الكيد واشعال القتال في الأشهر الحرم ليفقد الأمن عن الآمين البيت الحرام. ويستخدم المنافقون المكر فيتخذون أيْمانَهم جُنَّة ليصدوا عن سبيل الله. ولأن الكفار استحبوا الحياة الدنيا، ورغبوا في حطام الدنيا وزُيِّنَ لهم سوُء أعمالهم ومكرهم وعبادتهم الشركاء أو عبادتهم الشمس من دون الله، وكذلك لأنهم خرجوا بطراً ورئاء الناس ، لكل ذلك فقد صدوا عن سبيل الله. فهذه دواعي الصد عن سبيل الله.
والشيطان يصد الانسان عن سبيل الله عندما يُزين له سوءُ عمله حتى يراه حسناً، وربما يكون الانسان مستبصراً فيغويه ويصده عن السبيل بتزيين عمله ، وقد حذرنا الله تعالى من ذلك وذكرنا بأن الشيطان عدو مبين. ومن أجل الحذر من الشيطان علينا أن نعرف أن من وسائله إثارة الحمية ، كما استنكفت العرب مـن الايمان بالنبي عيسى المسيح عليه السلام لأنه من غيرهم ، ومن وسائله الخمر والميسر .
ومن يعش عن ذكر الرحمن يصد عن السبيل، لأنه يقيض له شيطان فهو له قرين ، فيصده عن السبيل. وعاقبة الذي يصد عن سبيل الله الضلال البعيد ، وأن تحبط أعماله، وأن الله يزيده عذاباً فوق العذاب، لأنهم كانوا يفسدون، وأن الله لا يغفر لهم ذنوبهم، وأن الله ليعذبهم (في الدنيا والآخرة ) .
ومن مصاديق الصد عن سبيل الله، الصد عن المسجد الحرام ، فالذين يصدون عنه لهم عذاب أليم .
التسويف
الشيطان يدعونا لنسوِّف الخيرات والاستغفار، وبالذات عندما نهتم بالسيئات. وهكذا يمرر عليه المعصية، فعندما همّ اخوة يوسف بقتله تمنوا أن يكونوا من بعده قوما صالحين. وهكذا أخذ الخَلْف بعَرَض الدنيا وقالوا سيغفر لنا وقد وعد الله برحمته الذين لا يسوّفون التوبة ، بل يسارعون إليها بعد الذنب وعدهم بالمغفرة ، كما أنذر الناس عذاباً قريباً (لعله لكي لا يسوفوا التوبة)، وقال عن الساعة لعلها تكون قريباً .
وهكذا علاج التسويف الحذر من فوات الفرصة. فلعل الموت يقتحم الباب عليك وأنت تسوف، وإذا سألت التأجيل حتى لوقت قريب ، ولكن هيهات، ومن هنا أمرنا الرب تعالى بالمسارعة الى مغفرة الله والجنة .
الوسوسة
المشيئة جوهر البشر ، والتوكل على الله يوفرها، بينما الوسوسة يضعفها. وقد وسوس الشيطان لآدم عليه السلام وألقى في روعه أن الشجرة المنهية تؤتيه الملك والخلود، فأكل آدم وزوجه من الشجرة ، وبدت لهما سوءاتهما ( وظهرت مراكز الضعف فيهما ) .
وبالاستعاذة بالله (بذكر الله والجأر إليه) يدفع المؤمن الوسوسة، وإنما عبر تذكر أسماء الله الحسنى، وأنه ملك الناس (فبيده الخير)، وأنه إله الناس ( فبيده القوة ) ، يتجاوز البشر مراكز ضعفه ( فإن الشيطان يثير فيه عادة حب الخير وجاذبية السلطة ) .
والله رب الفلق، وأنه خالق الخلق فبالاستعاذة به ( ودعاءه وذكر أسماءه الحسنى ) يدفع شر ما خلق (من ظلام شامل ، ومن نفثات الخناسين في عقائد الناس ، ومن شر الحاسدين ) . كما أن معرفة البشر بعلم الله تعالى بما في قلبه من الوسوسة قد يجعله يراقب نفسه أكثر فأكثر، حتى لا يمرر الشيطان وساوسه فيها.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب