فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
النهي عن المنكر
من أبعاد الجهاد في سبيل الله وتحمل المسؤولية الاجتماعية، النهي عن المنكر؛ ولكنه قد يشمل النهي العملي مثل تحطيم الأصنام أو الأخذ على يد المذنب أو اظهار الغضب عليه أو هجره وما أشبه ..
وأصل معنى المنكر ما يجهل، ولكن معناه هنا ما لا يعترف به العرف والشرع. فهو عمل غير معروف وغير مشروع؛ ومنه قتل البرئ، والشذوذ الجنسي، وقول الزور، وأكل السحت ..
والله قد نهى عن المنكر، والرسول نهى عنه، وبإيمان الصالحين بالرسول أخرجت خير أمة متمثلة في الأمة الإسلامية، لأن فيها طائفة (من الفقهاء والمجاهدين) يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وهم البقية التي ينهون عن الفساد في الأرض، وهم الذين إن مكنهم الله في الأرض أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محور الولاية ، حيث إن ولاية المؤمنين لبعضهم محورها الأمر والنهي فيما بينهم بأحكام الدين، وهما من عزم الأمور .
ومن ترك النهي اشترك في المنكر - في العقاب الإلهي-، وإنما أنجى الله الناهين عن المنكر من أصحاب السبت وعذب الباقين. وبئسما فعلت اليهود حين تركوا التناهي عن المنكرات، وبالذات الربانيين والأحبار منهم، لأن مسؤوليتهم أكبر .
ومن صفات المنافقين؛ أمرهم بالمنكر، ونهيهم عن المعروف، والشيطان يأمر بالمنكر.
الهجرة مبعث المسؤولية
عند تحمل المسؤولية وعدم استجابة الناس، قد يضطر المؤمن الى الهجرة ليبدء فصل أساسي من فصول تحمل المسؤولية والجهاد في سبيل الله.
حينما تترك بلداً الى آخر، فإنك تهاجر الأول الى الثاني، وقد تترك دين قومك فتهاجرهم، ومن ترك السيئات فقد هاجر ، ومن دخل في الاسلام طوعاً فقد هاجر .
والمهاجر يهدف سبيل الله، أولاً بابتغاء فضله (الرزق مثلاً)، ثانياً بابتغاء رضوانه (التوبة مثلاً)، ثالثاً بنصرة دينه .
وقد أذن للذين أخرجوا من ديارهم بقتال المتسلطين عليها ، جهاداً في سبيل الله . فاذا تمكنوا في الأرض ، أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وأمروا بالمعروف ، ونهوا عن المنكر. وفي قصة بني اسرائيل الذين طلبوا من نبيهم ملكاً يقاتلون معه - وعللّوا ذلك بأنهم اخرجوا من ديارهم - في هذه القصة مثل للهجرة والقتال من بعدها .
والفتنة التي يجدها المؤمن في حكومة الكفار (والظلمة) ، سبب مشروع للهجرة . وقد فتنت قريش المؤمنين ، حتى أخرجوهم من مكة البلد الحرام . وكانت تلك ، فتنة أشد من القتل .
ومن يخرج من بيته مهاجراً ، سيجد في الأرض سعة؛ فلا يعدم فضل الله ، ورزقــه في مهجره .
والهجرة شرط الولاية . فمن لم يهاجر ، لا ولاية له . ومن هاجر فيكون من المؤمنين ، (لا فرق بينه وبين أهل البلد) . والمرأة التي لا تهاجر ، لا يتزوجها المؤمن. والتي التحقت بالكفار ، وأصبحت كافرة ، ينفسخ زواجها من المسلم ، وهم مطالبون بمهرها .
ومن استضعف في الأرض ولم يهاجر ، فقد ظلم نفسه، إن كان قادراً على الهجرة .
وحب المهاجرين وإيثارهم فضيلة للأنصار (أهل البلاد)، وهو سبب الفوز، ودليل التحرر من شح النفس .
والمهاجر (الذي يبحث عن التوبة) ، يتبع الرسول (وكل من يمثله) في ساعة العسرة.
وعقبى المهاجر في الدنيا ؛ أنه يجد أرضاً وأولياء واخوة في الدين ، ورجالاً كراماً ينفقون أموالهم في سبيل الله عليه. وعقبى المهاجر في الآخرة ؛ رحمة ومغفرة وجنة ورضواناً من عند الله .
وحكم المهاجرة أن تمتحن؛ فاذا كانت مؤمنة انفسخ عقدها من زوجها الكافر، فيؤتى ما أنفق عليها.
الاعداد الشامل
ولأن تحمل المسؤولية الاجتماعية والجهاد في سبيل الله قد يقتضي المواجهة المسلحة، فإن على المؤمنين أن يعدوا ما استطاعوا من قوة.
وقد أمرنا الله سبحانه بالاعداد للعدو بكل ما نستطيعه من قوة (مادية أو معنوية)، ومن جاهزية قتالية ترهب العدو الحاضر كما ترهب العدو المستقبل الذي لا نعرفه . والاعداد بحاجة الى الانفاق (وهو نوع من الاستثمار) ، والله سبحانه يعيد الى المنفق ما أنفقه دون أن يمنعه منه شيئاً.
وإهمال الاعداد، دليل إنعدام نية الجهاد. وهكذا بيّن الله تعالى أن إهمال قوم للاعداد ، دليل على عدم نية الخروج الى الجهاد .
الاستقامة العملية
المسؤولية والجهاد في سبيل الله ومواجهة الأعداء قد تمتد سنين متطاولة، ولابد من استقامة خلالها حتى نهايتها الحميدة.
الاستقامة فريضة إلهية، (وهي ميراث الايمان والتقوى). ومحـور الاستقامة أمر الله، والاستمرار على الطريقة (التي أمر الله بها). والمؤمن يتعرض للضغوط بعد أن يشهد بربانية الله، وقد بشر الله المؤمنين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، بأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وان الملائكة تتنزل عليهم وتبشرهم بالجنة. ولو أن الناس استقاموا على الطريقة (التي أمروا بها من نهج الولاية)، لسقاهم الله ماءً غدقاً) من وفرة الثمرات، وعلماً غزيراً .
وقد أمر الله أنبياءه بالاستقامة، ونهى عن اتباع سبيل الذين لايعلمون. (مما نستفيد؛ أن الاستقامة قد تكون ضد الجاهلين من اتباع الأنبياء).
ومن الاستقامة؛ مقاومة الجبت، وتحدي الأهواء. فيجب الوفاء بالعهد، حتى العهد الذي يكون مع المشركين، (بالرغم من وسوسة الهوى بنقض العهد معهم) .
الجهاد ذروة التصدي
على طريق المسؤولية، ومن أجل إقامة حدود الله في الأرض، ولمواجهة الفتن تأتي قيمة الجهاد في سبيل الله؛ ومعناه بذل أقصى الجهد من أجل مواجهة فساد أو انحراف. والجهاد ميراث الايمان بالله ، وهو من أقرب الوسائل التي تبتغى للتقرب الى الله تعالى. والجهاد بالمال والنفس تجارة رابحة بعد الايمان بالله والرسول ، والتي تنجي أهله من عذاب أليم .
والجهاد من صفات الأمة التي اجتباها الله، وهي على ملة النبي ابراهيم عليه السلام الذي سمّاها بـ (المسلمين) .
الجهاد من أدلة صدق الذين يلتحقون بالأمة (في مراحل لاحقة)، وقد يكون الجهاد (بالسيف) حرباً عسكرياً ، كالنفر الخفيف (سرايا) ، والثقيل (الجيش)، وقد يكون الجهاد بالمال (بالانفاق على المجاهدين أو على الاسلحة). وقد يهاجر المرء ليجاهد في سبيل الله ، وقد ينصر المجاهدين ويؤويهم (كما فعل الأنصار). وقد فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً. وهكذا ينبغي على المجتمع المسلم أن ينتخب منهم القادة والشهداء ، وأن يقدمهم في الأمور.
والجهاد يفوق سائر أفعال الخير التي قد يقوم بها البعض رياءً وسمعة ؛ مثل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، وإنما جعل الله الفوز للمؤمنين المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم . والله قد جعل للمؤمنين (بالله والرسول) الذين يجاهدون في سبيل الله ، جعل لهم الخيرات (في الدنيا) والفلاح. وعقبى المجاهدين ؛ أن الله يبشرهم برحمة منه ورضوان ، ونعيم مقيم.
ومن أسمى غايات المؤمنين ؛ المغفرة الالهية التي يفوز بها المجاهدون (خصوصاً بعد الفتنة). والله يهدي المجاهدين (في سبيله) الى السبل التي فيها السلام ، فيبلغون أهدافهم من آمن وأقرب الطرق بفضل هدى الرب لهم.
والمجاهد حقاً هو الذي يفضل الجهاد في سبيل الله على علاقاته واهتماماته كلها. أما الذين يفضلون آباءهم أو ابناءهم أو اخوانهم أو أزواجهم أو عشيرتهم أو مساكنهم أو تجارتهم على الجهاد ، فعليهم أن يتربصوا (عذاب الله) ، والله لايهدي الظالمين.
أما المتخلفون عن الجهاد ، فإن فرحهم بقعودهم خلاف رسول الله (والقيادة الربانية) لايدوم ، حيث يأتيهم عقاب عملهم ، مما يجعلهم يبكون كثيراً ويضحكون قليلاً. ومثلهم الأغنياء الذين يتهربون من الجهاد ، ويرضون بأن يتخلفوا عنه مع النساء ، وهم لا يفقهون (مدى أهمية الجهاد ، وأنه أفضل مما لديهم من متاع الحياة الدنيا).
القتال
قد تتسامى مسؤولية البشر من مسؤوليته عن نفسه، ثم عن أسرته، ثم عما في الأرض من فساد.. حتى تبلغ الذروة في الجهاد؛ ومن أبعاده القتال في سبيل الله.
ألف/ قيمة القتال
القتال فريضة إلهية، ويعكس مدى إيمان الإنسان بالدين. وبين القتال في سبيل الله والايمان تفاعل. فكما أن القتال ميراث الإيمان، كذلك الإيمان ينمو بالقتال. وللقتال في سبيل الله بواعثه وأهدافه وحكمته وحقائقه..
1/ بواعث القتال
ما الذي يدعو المؤمنين الى القتال في سبيل الله؟ يدعوهم إليه :
ألف: شراء الجنة بالأنفس والأموال.
باء: وأن الشهداء أحياء عند ربهم.
جيم: وأن المقاتلين قد رفعهم الله.
دال: النجاة من النار.
2/ أهداف القتال
ما هي الأهداف التي يقاتل المسلمون من أجلها؟
ألف: حتى لا تكون فتنة.
باء: دفاعاً عن الحرمات.
جيم: دفاعاً عن القيم.
دال: من أجل الدين.
هاء: من أجل الدعوة.
3/ حكمة الجهاد
الدنيا دار إبتلاء، وقد جعل الله الناس بعضهم فتنة لبعض، ومن أبرز مصاديق هذه الفتنة الحرب، حيث يبتلي الله المسلمين بالكفار حتى يعلم الصادقين منهم، فإذا هم يتمايزون؛ يتساقط المنافقون على أطراف المسيرة، وهم الذين يفضلون منافعهم المادية على الجهاد (ولا يرون أنفسهم جزء من الأمة)، وهم الذين يبحثون عن الرئاسة (ويقولون هل لنا من الأمر شيء)، ويزداد المؤمنون طهراً ونقاءاً، وتتمخض ساحات الجهاد عن الشهداء الذين يصلحون لقيادة الأمة.
4/ حقائق القتال
الثبات في القتال من أهم أسباب النصر في الحرب، وقد أمر الله سبحانه به، كما نهى عن الفرار من الزحف، واعتبر ذلك عهداً من عند الله مسؤولاً عنه. وعوامل الثبات؛ نصر دين الله، وذكر الله كثيراً، وقد أنزل الله على عباده المؤمنين الملائكة ليثبتوا قلوبهم، فأطمأنت النفوس حتى غشيهم النعاس أمنة من الله سبحانه .
5/ المتخلفون عن القتال
لأن القتال كره للبشر، ترى كثيراً من الناس يتخلفون عنه، حتى إذا نزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال، رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إلى النبي وكأنه غشي عليهم من الموت، ولا يثبت فيه إلا المؤمنون .
باء/ فقه القتال
وعند دراسة فقه القتال لابد أن نعرف الحقائق التالية: ضرورة دراسة المجتمع الاسلامي على ضوء المعايير الجهادية؛ لأن حكمة الحرب هي إبتلاء المجتمع واستخراج معادنه، وكشف الكفاءات لجعلهم الشهداء والقادة في هذا المجتمع ، وكشف العناصر الضعيفة لاصلاحهم أو إبعادهم عن المراكز الحساسة.
وهكذا لابد أن نعرف كيف نتعامل مع المتقاعسين عن القتال، ونعرف بالضبط أسباب مشروعية القتال، ونعرف كيف نواجه الطاغوت، ونعرف أيضاً ولاية القتال وقيادته لمن هي.. وبالذات في العصور الراهنة ، ونعرف شروط المجاهدين وشروط قادتهم.
ونفقه حدود القتال، وأنه محرم في الأشهر الحرم وعند البيت الحرام ، كما هو محرم استخدام الأسلحة ذات الدمار الشامل إلا للدفاع. كما نفقه أحكام المواثيق في الحرب بأقسامها، ومن الأقسام العامة المهادنة (إتفاقية السلام) والإجارة والذمام ، وأحكام الإقامة في البلاد الإسلامية، وإتفاقية التحكيم (ومنها الرجوع الى المحاكم الدولية مثل محكمة لاهـاي ومجلس الأمن الدولي)، وأحكام الجعالة في الحرب .
ونعرف أخيراً أحكام ما بعد المعركة ؛ مثل أحكام أسرى الحرب ، وأحكام الجزية ، وغنائم الحرب.
إن معرفة هذه الحدود ضرورية للالتزام بالتقوى في الحرب .

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب