فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
كلمات بعضها من بعض الحياة الطيبة هي البشرى التي يبشر بها الله سبحانه عباده الصالحين، فيقول: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً( ويقـول تعالى: (الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَـأَبٍ( (الرعد/29) وهي الحياة الحسنة التي يدعو بها المؤمنون ربهم. قال الله سبحانه: (وَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ( (البقرة/201) فما هي الشرائع الإلهية التي تحقق هذه الحياة الطيبة؟ إنها كلمة طيبة، تتفرع منها كلمات بعضها من بعض، فالسلام واحدة من تلك الكلمات. السلام تعبير عن تلك السكينة الايمانية المباركة الطيبة، التي تسود علاقة المؤمنين بالله سبحانه (إيماناً وتسليماً)، وبالملائكة والرسل والصالحين. فلا حمية ولا ضغينة ولا عداء، وحتى عند سماع اللغو يترك المؤمنون الجاهلين بسلام الوداع. وقلب المؤمن يعمر بالسلام، ولسانه يلهج بالسلام، وتحيته عند ذكر الأنبياء وعند لقاءه اخوانه السلام، وعند دخول الدور وفي الجنة. وهكذا نستوحي من هذه البصائر؛ أن السلام مثل أعلى للحياة، والطوبى التي يسعى إليها المؤمنون ويدعون ربهم لتحقيقها. وهي كلمة عليا، وصبغة البركة والرقي، والكرامة والطيب.. وهذه الكلمة المثلى تتصل بكلمة الأمن الذي من دونه لن يتحقق السلام، وبقيمة الحق الذي ينظم علاقات البشر ببعضهم وبسائر ما خلق الله.. ولا سلام، ولا أمن، ولا حق من دون العدل (وهو إيتاء الحق لأهله). فالعدل إذاً غاية مثلى للحياة الطوبى. ومن السلام والأمن والحق والعدل، إحترام النفس البشرية (ألا تزهق بغير حق). ولابد لحرمة النفس من حصن يحافظ عليها، ومن أنظمة تحيط بها وتوفر لها الأمن (القصاص)، ومن إحساس بالمسؤولية (الحفظ). وإذا توفر الأمن، فلابد من توفُّر وسائل الحياة من رزق كريم (الطعام والشراب)، ومن سكن مناسب، ومن صحة وتعليم. وفي حدود المدنية المؤمنة يتعاون الناس بعضهم مع بعض، في أطر حضارية وأخرى فطرية. ففي الاطار الحضاري تجد التلاحم بين المؤمنين، حتى وكأنهم أعضاء جسد واحد. وأما في الاطار الفطري، فإن الأسرة هي المؤسسة الأولى التي تشد الآصرة الطبيعية التي يباركها الشرع وينظمها. ومن الأسرة البنين، وتتوسع هذه العلاقة الى أن تشمل الأسرة الكبيرة ضمن قيمة صلة الرحم. وهكذا تتماوج كلمات النور من ينبوع السلام والحق والعدل، فتترامى حتى تضيء رحاب المدنية المؤمنة، والمدينة المثلى. وفيما يلي نستعرض هذه الكلمات واحدة واحدة، بالنظر الى ترابطها واتصالها ببعضها، لنرى كيف أنها تشكل معاً روح التشريع الاسلامي التي لو تبصرها الفقيه حقاً تيسر له إستخراج الأحكام الشرعية، خصوصاً في القضايا المستجدة، والله المستعان. 1/ كلمة السلام السلام صبغة الحق التي تستهوي النفوس، والسلام هو الهدف الذي تنشده الأفئدة، بينما كلمة الحق هي روح السلام وحقيقته. 2/ كلمة الحق (الحكم بالحق) الحق هو الهدف الأسمى، وهو محور الايمان. فمن أسلم نفسه للدين آمن بالحق (أنى كان، وفيم تمثل). والحكم بالحق، سواء في مستوى التشريع أو على صعيد القضاء، هو هدف رسالات الله. والميزان هو ذلك الذي يستعين به الناس لمعرفة الحق، وفي الحديد بأس شديد من أجل إقامة الحق، وإنما يحكم النبيون عليهم السلام بالحق، والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله الحق، ومن لم يحكم بالكتاب فهو كافر أو ظالم أو فاسق، (بل تتمثل فيه هذه الصفات جميعاً). ولأن الله يحكم بالحق ويفصل به، فإنه لا حكم إلاّ حكمه، ولا يجوز التسليم إلا له، وبالتوكل عليه يستقيم المؤمنون. ومن شواهد الحكم الحق الذي يفصله ربنا؛ قضاؤه على الظالمين بالهلاك في الدنيا، فلا ولي من دونه، ولا يشرك في حكمه أحداً. وقد أنزل الله حكمه الحق في كتابه الفصل؛ أنزله مفصلاً، فكيف نتخذ من دونه حكماً؟ وعلى الناس إن اختلفوا في شيء، أن يردوه الى الله ( عبر رسوله وكتابه)، والمؤمنون (يفوّضون أمورهم الى الله و) يدعون ربهم أن يحكم بينهم ( وبين أعدائهم) بالحق وهو خير الفاصلين. والمؤمنون يسلّمون لأمر الله سبحانه، وإذا قضى الله ورسوله أمراً ما كان لهم الخيرة من أمرهم، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضى، ويسلّمون له تسليماً. والتسليم للرسول (ثم للائمة من بعده)، لأنه يحكم بالحق حيث قضى الله عليه ان يحكم بينهم بما أمر الله. وهكذا لا يجوز التحاكم الى الطاغوت، ولا يجــوز أن يدعو من أنـزل عليه الكتاب الـى نفسه، بل الى الله سبحانه، لأنهم يعلّمون الكتاب ويدرسونه ( فكيف يدعون الى أنفسهـم). والجاهلية تحكم بالباطل (والطغاة مثل للحكم الجاهلي)، كما وأدوا البنات وقتلوا الأولاد، وأعطوا المال للشركاء من دونه، وساووا بين المجرمين والمتقين. بينما الدين يحكم بالحق و مثل ذلك أداء الأمانة والاحتكام الى ذوي عدل. 3/ كلمة العدل (وقيمته المثلى) وتعني الاستواء (واعطاء كل ذي حق حقه)، كالعدل بين الزوجين، والأمر بالعدل هو الأمر بالصواب. وهكذا تضحى كلمة العدل مصداقاً لكلمة الحق، وتجلياً لها، وميراثاً للايمان بها. وتقابلها الفحشاء (لأنها التطرف والانحراف الظاهر عن مسير الحق)، كما يقابلها المنكر (لأنه ظلم وانحراف عن الحق ولو كان يسيراً)، ويقابلها البغي (لأنه تعدِ على حقوق الآخرين). ومن الحق والعدل كلمة القسط، ومعناها إيتاء الناس حقوقهم ( بلا ظلم ولا بغي)، والله يحب المقسطين (الذين يعطون حقوق الناس ولا يبخسونهم أشياءهم). وحتى الكفار ( غير المحاربين) لا يمنع الله من الاقساط إليهم، وأسباب تطبيق العدل وإقامة الحق و القسط هي التالية: أ- بعثة الرسل. ب- انزال الكتاب وفيه شرائع الحكم. ج- انزال ( ووضع) الميزان (وأصدق مظاهره إمام يحكم بين الناس بالقسط). د- انزال الحديد ( فيه قوة وبأس لمواجهة العتاة والبغاة). هـ - (تحمل المجاهدين) نصرة الله ورسله (بالحديد). ومن أمثلة مظاهر إقامة القسط ما يلي: أ- الوزن بالقسطاس المستقيم، وألاّ يخسر الميزان، وألاّ يطفف في المكيال، وأن يكتب كاتب بالعدل ( فلا ينقص من كتابته شيئاً ولا يغش ). ب- أن يُدعى الولد لأبيه، فهو أقسط عند الله. ج- وأن يشهد بالحق، ولا يكتم الشهادة به. 4/ كلمة الأمن الأمن من قيم الإيمان وغاية شائقة ينشدها كل إنسان، وهو ميراث الحق والعدل والقسط، وهو من تجليات السلام. والإيمان يحقق الأمن بما يلي: ألف: الإيمان بالله القوي العزيز يجعلك في أمن من خشية الناس، فتتحدى الطاغية، وتتحصن ضد الجبت ووساوس الشيطان ومخاوف الأرواح الشريرة. باء: وبالإيمان يتوكل المؤمن على ربه، فلا يخش عوادي الطبيعة، ويتحدى الأخطار بعزم راسخ، ويسخّر ما في الأرض لمصلحته. جيم: وبالإيمان يأمن المؤمن من المستقبل، فلا يخش الموت وما بعده، (إنما الموت عنده قنطرة تحمله الى رضوان الله ورحمته). دال: وبالإيمان يسلم الناس من بعضهم البعض، وكل يحترم حق غيره، فيكونون في أمن من ظلم بعضهم. هاء: والإيمان يورث التقوى، والتقوى حصن حصين تردع المؤمن من اقتحام الفواحش والخطايا وحرمات الناس، فيكون في أمن من عواقبها الخطيرة. وهكذا يوفر الإيمان الأمن، ويزرع في النفوس شتائل السلام والسكينة والرضا والتفويض، ويقتلع جذور البغي والعدوان منها (ويطهرها من رجز الشيطان)، وترى (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الاَرضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً(. واو: ويبرّد المؤمن ألم الخوف من القيامة عن نفسه بالضراعة الى الله، فيعيش يذكر الله قلبه. زاء: والأمن المعاشي يوفره الدين للمؤمن بالاقتصاد في المعيشة، فلا قتر ولا سرف، وبالنشاط في اكتساب الحلال، وبالتعاون، وبالرحمة الإلهية. حاء: وتوفر أحكام الدين الأمن، حيث يحُرّم الإسلام على الناس دماءهم وأعراضهم وأموالهم، فلا قتل ولا زنا ولا شهادة زور. طاء: ويوفر الدين الأمن، حتى في عمر الناس، بترك اللغو والاستجابة للكلمة الصادقة. ياء: ولا تدعو القرابة المؤمن الى تضييع حق زوجته وأولاده، بل يريدهم في أحسن حال حتى يكونون قرة عينه. كاف: والشـرك مصدر الخطر الأكبر لأنه سبب نقمات الرب وسطواته، والمؤمن في أمن من أخطار الشرك. وهكذا ترى الذين قالوا: (رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا(. والمؤمن يحذر من مكر الله، ويتحصن بالدعاء اليه والتقوى، بينما الكافر لا أمان له. لام: ومن تجليات الأمن الإيماني (الملاذ الآمن)، حيث جعل الله الحرم أمناً (في البُعد المكاني)، والأشهر الحرم أمناً ( في البعد الزماني). ميم: والله هو المؤمن السلام، فمن اتبع رضوانه هداه الى سبل السلام، وآمنه من الأخطار المادية. نون: وقد يوفر الله الأمن في الطبيعة بصورة غيبية؛ فإذا بالنار تصبح برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام، وإذا بسفينة نوح عليه السلام تحمل المؤمنين وتنجيهم من الغرق، وينّجي بني اسرائيل من كيد فرعون، وهكذا.. عين: ومن أعظم تجليات الأمن الإلهي أن نفوس المؤمنين تطمئن الى ذكر الله، وتعمر بسكينة الإيمان، وببرد اليقين، وبروح الرضا، وتستمر هذه النعمة الى يوم القيامة، حيث يؤمن الله سبحانه المؤمنين من الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة بالسلام ويدخلونهم الجنة آمنين. 5/ البراءة أ- لكل إنسان حرمته وأمنه القانوني، ويُعتبر بريئاً حتى تثبت إدانته. والبراءة حق كل الناس( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) . ب- ولأن التشريع الاسلامي يتسم بالرحمة والحكمة، فإنه لا يدين الجاهل والناسي والخاطئ والمضطر والعاجز. ج- وإن فاعل الجريمة وحده يتحمل وزر ما كسبت يداه، ولا يجوز معاقبة المجموع بفعل فرد منهم حتى ولو كانوا أقاربه. د- وللجريمة أركانها التي من دونها لا يُدان أحد بها، مثل عدم مشروعية الفعل وتحقق الفعل (في الخارج) وسببية الفاعل وحرية إرادته. هـ- وهكذا يتوافر الأمن لكل فرد من ملاحقة القانون، إلا بعد توافر شروط الادانة بصورة قطعية، وبذلك يتحقق مجتمع السلام والحق والعدل. 6/ حرمة النفس وقد حرَّم الله النفس البشرية، وأحاط الحياة بسور منيع من التشريعات الجدية، منها: أ- استفضاع القتل، حيث كتب الله بأنه من قتل نفساً بغير حق (قصاص أو فساد)، فكأنما قتل الناس جميعاً، وجزاءه جهنم خالداً فيها. ب- البحث عن العوامل النفسية التي تطوّع القتل (كالحسد)، كما بين الكتاب في قصة جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل. ج- تشريع أقصى العقوبات ضد من يرتكب جريمة القتل (القصاص). د- كذلك من يخل بالأمن ويسعى في الأرض فساداً، جزاؤه القتل. هـ - لقد سوّل الشيطان وأولياؤه للمشركين قتل أولادهم، ولقد حرّم الله ذلك وسفّه فاعليه. و- وربما قتل الناس أولادهم خشية الاملاق، فبيّن الله أنه هو الرزاق، فلماذا يقتلون أولادهم؟ ز- ومنهم من قتل ابنته خشية العار، فأنذره الرب باليوم الذي تسأل الموؤودة بأي ذنب قتلت. ح- وأخذ الله ميثاق بني اسرائيل ألاّ يقتلوا أنفسهم. (وهكذا الميثاق الاجتماعي، لابد أن يتضمن هذا البند العام). ط- وعلى أبناء المجتمع أن يشاركوا في بسط راية الأمن بالكشف عن المجرمين. هذه وغيرها من التعاليم والوصايا والاحكام، تساهم في إشاعة الأمن في المجتمع، وتحقق كلمة السلام والحق والعدل باذن الله تعالى. 7/ القصاص أ- من أجل المحافظة على الحياة، وتوفير السلام والأمن، شرع الدين القصاص. ب- ولا يُقتل بالمقتول غير قاتله. فلا يجوز لصاحب الدم الاسراف في القتل، ولكن يجوز له العفو أو القبول بالدية. ج- وكما حرمة النفس، كذلك حرمة الأعضاء، فإن الجروح قصاص. وبذلك شرع الدين ضمانة عدم الاعتداء عليها. د- وكذلك الحرمات قصاص. فمن انتهكت حرمته، اقتص حسب القانون بقدرها. هـ - وكما للأفراد كذلك في الأمم، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى. وبذلك وفر التشريع الاسلامي حصانة لحرمات الناس وحقوقهم بالقصاص. 8/ الحصانة ومن أجل المحافظة على حرمات المجتمع (حرمة النفس والعرض والمال)، ذكّر الدين بقيمة الحصانة في أبعاد شتى: اولاً: لابد من تحصين المجتمع من الشهوات العارمة، التي تهدد أمن الناس بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، وذلك عبر ما يلي: أ- تربية النساء على التقوى (يُحصنَّ فروجهن). ب- تربية الرجال على مثل ذلك. ج- إشاعة سنة الزواج الدائم أو الموقت. د- صيانة شرف المجتمع من التهم الجنسية. هـ - تحريم اكراه الفتيات على البغاء. و- منع السفاح واتخاذ الأخدان، والتشديد ضد الشذوذ الجنسي ( وكل ما يؤدي الى الفحشاء من التبرج و..). ز- تحصين البيوت من دخول الأجانب إلا بعد الاستيناس والسلام، وتحصين الغرف من دخول غير المحارم إلا بعد الأذن. ثانياً: ويُصان المال والنفس، بما يلي: أ- وقاية البيوت والمساكن بالحرمة، لكي لا تقتحم، وإنما تؤتى من أبوابها بعد الإذن. ب- جواز الدفاع الشرعي عن النفس والمال والعرض (وعن اقتحام البيوت)، حتى ولو أدى ذلك الى فقأ عين المتلصص، ودرء خطر المهاجم، ولو ادى الى قتله. أما إذا أدى الى موت المدافع فهو شهيد. ثالثاً: يُصان الطعام (بوضعه في سنبله) لأيام الحاجة، (وهكذا يُصان الرزق العام في مثل الصوامع لتوفير الأمن الغذائي). 9/ الحفظ أ- وكما كلمة الحصانة كذلك كلمة الحفظ، فانها قيمة مساعدة توفر وسيلة السلام والأمن. وكل انسان مسؤول عن حفظ حرماته التي استحفظ عليها. ب- فالعلماء استحفظوا على كتاب الله، والملوك على خزائن الأرض، والناس أيمانهم، والنساء حقوق ازواجهن، والمؤمنون والمؤمنات الفروج الا على ما احل الله لهم. 10/ الطعام والشراب أ- السلام هدف سام للمجتمع الاسلامي، وتوفير الرزق الكريم من أبرز دعائمه، والذي يعتمد على الطعام والشراب والسكن والصحة والتعليم. ب- الرزق نعمة تهدينا الى عبادة الله وتدلنا على أنه غني حميد سبحانه، وعلينا شكر الله عليه (بعبادته)، وقد نكف عنه موقتا ( بالصوم) تعبداً له وطاعة. ج- واطعام الطعام (وسقاية الشراب) عبادة، يتقرب بها العباد الى ربهم ( مثل الاضحية والكفارات)، وعند الحاجة الى الطعام يكون الانفاق على حبه ايثاراً وله ثواب عظيم، وكذلك عند المجاعة. د- وتلك رذيلة: الكف عن الاطعام أو عن الحض على اطعام المسكين. هـ- وكل الطعام حل إلا ما حرم الله ( كالميتة ولحم الخنزير). و- وعلى الانسان أن ينظر الى طعامه (ليعتبر وليشكر وليختار أطيبه)، وينبغي أن يختار أزكاه، وأن يأكل ويشرب ولا يسرف، ولا جناح على المؤمن فيما يطعم إذا اتقى وأصلح وأحسن فأصبح طعامه وقوداً للعمل الصالح. 11/ دار السلام من أجل توفير سبل السلام والحق والعدل، وتحقيق مثل التسامي والخير ( مثل السعي والاجتهاد والتربية الفاضلة والتعاون والاستباق الى الخير)، فإن سنن الله وشرائعه تدعو الناس الى اتخاذ دار السلام التي تتمثل في البيت والبلد والمدينة والمدنية، وفيما يأتي نشير إلى أبعاد كل واحد منها. ومن المعروف أن البيت هو محل إقامة الأسرة، والبلد مجمع القرى، والقرية مجمع البيوت ( ولعل المدينة أوسع من البلد، والـمدنية هي الـمُثل المنسوبة إليها). أولاً: البيت الاسلامي. وفي البيت حكم بالغة، أبرزها: أ- أنه حصن الحرمات (حرمة النفس والعرض والمال)، كما أسلفنا الحديث. (فلابد من توفير ما يحصنه من سور وباب وحريم). ب- إنه محل ساتر للأسرار ويحافظ على السوءات، والناس ينفردون بأسرتهم فيه، كما قد يجدون فيه كهفاً للاختلاء بأنفسهم. ج- في البيت حماية الأخلاق وتطهيرها من الوساوس والثقافات الدخيلة والعادات السيئة. د- يتبتل المرء في أرجائه الى ربه وذكره وعبادته. هـ- يتعارف أعضاء الأسرة ببعضهم أكثر فأكثر، ويتكافلون ويتعاونون. و- يتعلم أعضاء الأسرة في أجوائه، ويتبادلون الخبرات والأخبار، ويتربى الجيل الناشئ على ثقافة ابائه وحاجات مجتمعه. ثانياً: البلد؛ وخير البلاد ما كان إطاراً للمثل العليا والقيم الحضارية، وهي: أ- السلام والحق والعدل والأمن. ب- نظام صائب وثابت ومستقر، وإمام عادل. ج- توفير الثمرات ( المنتجات الضرورية). د- والأهم من كل ذلك: الايمان والتقوى ومكارم الأخلاق. ثالثاً: الدار (الوطن)؛ ودار المجتمع هي مركز تجمع البلاد، والوطن المختار لهم، وقد يكون اقليماً أو دولة أو أمارة (حسب الحاجات المتغيرة). ودار الاسلام ذات حدود جغرافية، يحكمها إمام ونظام، (ويتبادل أهلها الثمرات والخيرات، ويتقاسمون أفراح الحياة ويتعاونون ضد أتراحها). رابعاً: المدنية الايمانية؛ والحديث عن المدنية الاسلامية، يوجز في عدة نقاط: 1/ تتميز المدنية الاسلامية بالصفات التالية: أ- بالتوحيد الخالص عن شوائب الشرك بالجبت والطاغوت؛ فلا طبقية، ولا عنصرية، ولا قومية طاغية، ولا استسلام للاستكبار أنى كان نمطه، ولا ملك عضوض، ولا حكم إلا لله وللأئمة الهداة من عباده الصالحين. ب- تتمحور المدنية الاسلامية حول بيت الله، فهو جامع وجامعة ومجتمع. ج- وهي مدنية طاهرة من الفواحش، ما ظهر منها وما بطن؛ فلا ربا ولا زنا ولا شذوذ ولا تبرج كالذي في الجاهلية الأولى، ولا فحش ولا سباب ولا غيبة وتهمة ونميمة، ولا أي من الفواحش الظاهرة، ولا حقد ولا حسد ولا كبر ولا غرور ولا حمية ولا فخر إلا بمكارم الأخلاق.. د- وهي مدنية الطهر من كل نجس أو رجس؛ فلا خمر ولا ميسر، ولا لحم خنزير ولا ميتة وما أشبه، ولا شيء مما يضر بصحة الناس. هـ- وتتسم المدنية الاسلامية بالطهر الاقتصادي؛ فلا غش ولا تطفيف ولا احتكار ولا حرمان. 2/ للمدنية الاسلامية ركيزتان؛ الصلاة والثمرات. أ- فاقامة الصلاة تصبغ الحياة فيها بصبغة الله، أوليست الصلاة صلة العبد بالرب؟ وتنتظم سائر صلات الناس (ببعضهم؛ بالطبيعة؛ بالأجيال التي سبقت أو التي تلحق، تنتظم كلها) عبر صلتهم مع ربه. ب- أما الوفرة في الثمرات (المنتجات)، فلأن النظام الثقافي والسياسي والاقتصادي السليم يجعل الانتاج الداخلي وفير، كما يشجع سائر الأمم على التعامل مع المسلمين بصفتهم الشريك الأمثل. 3/ ليست المدنية الاسلامية عدوانية؛ فأنى بلغت قوتها وهيبتها ووزنها السياسي والاقتصادي، فانها لا تستغل كل ذلك في الاستكبار على الناس والبغي عليهم، بل الى نشر لواء العدل والدفاع عن المستضعفين وشكر الله على نعمائه، وذلك باشراك سائر الناس فيها، ومساعدة المحرومين منهم، ونشر العلم والفضيلة في العالم. 4/ ومحور المدنية الاسلامية الإمام العادل، الذي يغفر الله به للمسلمين ذنوبهم. 5/ على المدنية الاسلامية تجنب كل أنواع الظلم، لأن الظلم يأتي على الحضارات ( كما العاصفة تهب على الهشيم)؛ سواءً كان ظلم الذات كالفواحش، وهكذا بادت حضارة قوم لوط وأصحاب الأيكة؛ أو البغي على الناس، كما بادت حضارة عاد قوم هود. 12/ الصحة أ- لا يتحقق السلام من دون توفير الصحة العامة للمجتمع، وهي قيمة سامية تسعى شرائع الدين لتحقيق المزيد منها. ب- وعموماً الاسلام دعوة الله للانسان بالحياة الحسنة في الدنيا والحياة الطيبة، بل طوبى الحياة (وهي تتحقق بالعافية التي بها تحلو الحياة وتهنأ). ج- وتجنب الرجز والنجس والتماس الطهر من عوامل العافية، والاسلام يأمر بكل ذلك عبر الطهارات وتحريم الخبائث وكل نجس. د- ومن عوامل الصحة؛ القصد في الطعام والشراب دون سرف، والبحث عن الطيبات واختيار أزكى الطعام، وتجنب ما حرم من الخبائث والدم والميتة ولحم الخنزير. هـ- ومن عوامل الصحة جملة فرائض الدين؛ كالصلاة والصيام والحج والتهجد بالليل والوصايا الأخلاقية التي تورث السكينة والعافية. 13/ التعليم أ- من أجل تسامي البشر وتكامله المعنوي والمادي، لابد من اشاعة التعليم. ب- والدعوة الى الله ورسالاته والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعض أبعاد التعليم. ج- وعلى الناس جميعاً واجب التعليم، إلا أن الأنبياء هم القدوة في التعليم، ومن بعدهم الأئمة والعلماء. د- ولقد نهى ربنا سبحانه حملة الكتاب من كتمانه. هـ- وعلى الآباء والأرحام أن يهتموا بتعليم الناشئة، وفي بعض المراحل يكون التعليم واجباً عليهم، إذا كان من النفقة الضرورية عرفاً. و- وعلى الدولة الاسلامية أن توفر للناس فرص التعليم، وبالذات فيما يتوقف عليه شؤون الدين أو الدنيا. 14/ العلاقات الاجتماعية (الاخوة الايمانية) أ- إنما في محيط المجتمع المؤمن، تتحقق قيم السلام والحق والعدل والأمن والرزق الكريم. ولتحقيق هذا المحيط، لابد من تمتين العلاقة بين المؤمنين لتبلغ مستوى الاخوة. ب- وإنما بالاعتصام بحبل الله، متمثلاً في كتابه ورسوله وبالدفاع عن بعضهم والتعاون فيما بينهم على البر والتقوى، تتحقق هذه الاخوة. ج- والمؤمنون اخوة؛ فلا تمييز بينهم، ولا يسخرون من بعضهم، ولا يسيؤون بأنفسهم الظن، ولا يتجسسون على بعضهم، ولا يغتابون. د- وتراهم يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ويستغفرون لمن سبق منهم الى الايمان، ويدعون ربهم ألاّ يجعل في قلوبهم غلاً للذين آمنوا. هـ- وهم يسعون لاصلاح ذات بينهم، ويدافعون عن مظلومهم ضد الفئة الباغية. 15/ القيمومة (الولاية) أ- من أجل تحقق مُثُل الخير، لابد من رجال قوامون بها. وقوام المجتمع، العقل والدين والمال والكتاب والميزان والسلاح. والرجال الذين يتولون هذه الشؤون، هم القوامون. ب- والقسط هو الهدف، والشهادة بالحق وسيلة، والمؤمنون جميعاً مسؤولون ليكونوا قوامين بالقسط، قوامين بالشهادة لله. ج- والأنبياء والأئمة ثم العلماء والمجاهدون، هم أولى الناس بالقيام لله لإقامة القسط. د- والقوام في البيت هو الرجل، فهو أكثر حكمةً ونشاطاً، كما أنه ينفق من أمواله. 16/ البنون أ- الولاية الإلهية التي تحيط بالتجمع الايماني، تشكل آصرة معنوية تشد أعضاءه ببعضهم شداً. وفي ظل هذه الولاية تتشكل المؤسسات الفطرية، التي أمر بها الله سبحانه؛ كالأسرة، وقد سبق الحديث عن جانب من علاقة أعضاء الأسرة ببعضهم (الزوجين) وبقي جانب البنين. ب- البنون زينة الحياة الدنيا، وينبغي أن نجعلهم من الباقيات الصالحات للآخرة. ج- وعلينا ألاّ نفتتن بهم ولا نطغى، ونتحمل مسؤوليتهم بالانفاق والتربية والتعليم، وبالدفاع عنهم (حتى الشهادة دونهم أو خوض غمار الحروب من أجلهم)، كما ندعو الله سبحانه باصلاحهم. د- ولكن لا يجوز أن نقدم حب البنين على حب الله ورسوله وجهاد في سبيله. هـ- وبكلمة؛ علاقتنا بالبنين تسودها قيم الحق ومثل السلام وكلمات التكافل وأصول التعاون والرقي. 17/ صلة الأرحام أ- وفي ظل الولاية الإلهية تتواصل عرى المجتمع المؤمن، وتكوّن بيئة مناسبة لتنامي مُثُل الخير (كالسلام والحق والعدل). ب- وهكذا أمر الله سبحانه بصلة الارحام، ومن مصاديقها إيتاء حقهم والإحسان إليهم. ج- وصلة الرحم تعمّر البلاد وتنمّي الثروة وتنسئ في الآجال، وهي من أهم ركائز المدنية الاسلامية. د- وفي محيط الأسرة والعشيرة، ينشط المؤمن بالدعوة الى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتربية والتعليم والتشاور وتبادل الخيرات. هـ- وفي إطار العلاقة الأسرية، يتم التعاون والتكافل والتراحم والتوادد.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|